2019-07-30

شيطنة الأونروا.. الشاهد الأخير على الجريمة التاريخية..!


بقلم: د. عبير عبد الرحمن ثابت

منذ سبعة عقود ولا زالت "الأونروا" الشاهد الأخير على الجريمة النائمة التي ارتكبتها عصابات الاحتلال بحق ما يزيد عن قرابة المليون فلسطيني هجرتهم ونكلت بهم وحولتهم من مواطنين آمنين في وطنهم إلى لاجئين هائمين على وجوههم دون مأوى او مستقبل لهم. وتتحمل الأمم المتحدة المسؤولية المباشرة عنهم خاصة وأنها هي من أصدرت قرار تقسيم فلسطين ومنحت اليهود الحق في إقامة وطن لهم في فلسطين.

وتعتبر "الأونروا" هي التوثيق الدولى الوحيد لوضعية اللاجئ الفلسطيني خاصة وأن اتفاقية جنيف واتفاقية 1951 لحماية اللاجئين وضعت شرطا أساسيا لخضوع أي لاجئ لأحكامها مفاده أن لا يكون هذا اللاجئ خاضع لرعاية أي منظمة تابعة للأمم المتحدة؛ وهو ما يجعل اللاجئين الفلسطينيين قانونيا غير مشمولين بأحكامها. وهذا ما يوضح أهمية وكالة الغوث الدولية للاجئين "الأونروا"  لتوثيق قضية اللاجئين الفلسطينيين؛ وإلغائها سيعني خضوع اللاجئين الفلسطينيين لاتفاقية جنيف وهو ما يعني إعادة تعريف للاجئ الفلسطيني وهو ما يعني إسقاط صفة اللجوء عن اللاجئين الفلسطينيين الذين يتمتعون بأي مواطنة في أي دولة مثل لاجئي الأردن وكذلك من هم في أراضي السلطة الوطنية ويحملوا الهوية الفلسطينية؛ وضمن ذلك لن يتبقى من اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في "الأونروا" اليوم إلا أولئك الذين لا يحملون أي هوية مواطنة وعددهم طبقا للإحصاء مئة وثمانون ألفا في لبنان وستون ألفا في غزة ممن لا يحملوا الهوية وفي باقي الدول العربية قرابة ربع مليون لاجئ؛ وفي المحصلة فإن عدد اللاجئين الذين سيكونون خاضعين لاتفاقية جنيف للاجئين بعد إنهاء خدمات "الأونروا" في أحسن الأحوال لن يتجاوز النصف مليون فلسطيني..! وهذا رقم يمكن للعالم التعامل معه عبر توطين أولئك حيث يقيمون أو اعطائهم الحق باللجوء في أي من تلك الدول الموقعة على الاتفاقية والتي غالبيتها دول أوروبية. وهذا ما تسعى إليه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضمن "صفقة القرن" وتصفية القضية الفلسطينية.

ويدرك الاتحاد الأوروبي ودول العالم بأن سعي الإدارة الأمريكية في ظل إدارة ترامب لحل "الأونروا" يعني أن تلك الدول هي من ستتحمل المسؤولية الاقتصادية عن أولئك الستة مليون لاجئ؛ لذا تتجند تلك الدول منذ عام لمنع إسقاط "الأونروا"؛ ولكن هذا التجند نابع في الأساس لإدراكها أن الإدارة الأمريكية الحالية غير سابقاتها من الإدارات وأنها لم تعد مستعدة بالمطلق لتمويل أي عمل دولي بالمال الأمريكي الذي كان معهودا في السابق، فالإدارة الأمريكية الحالية تحولت إلى إدارة جابية للأموال من العالم.

إن حالة الشيطنة التي تتعرض لها "الأونروا" عبر التضخيم الإعلامي للتحقيقات بتهم بالفساد إنما هي في الحقيقة حلقة جديدة من مسلسل بدأ منذ عامين لإظهار "الأونروا" على أنها مؤسسة فاسدة عديمة الفائدة والأفضل للعالم  أن يتم حلها، ولكن الواقع أن كل ما يجري هو مخطط محكم المراحل لإنهاء "الأونروا"، وأي مؤسسة دولية وعلى رأسها الأمم المتحدة بكل منظماتها يوجد بها أخطاء وفساد ومحاسبة؛ وهذا لا يعني أن يستغني العالم عن تلك المنظمات الحيوية لأمن العالم السياسي والاقتصادي بل يصار إلى تقويمها وتصحيح أخطاء موظفيها وليس إلى حلها.

إن التوقيت الحالي لكشف ما يعرف بالفساد في مؤسسات "الأونروا" هو توقيت مشبوه يضع علامات استفهام عديدة حول الأهداف الحقيقية من إثارته في هذا التوقيت.

وأمام ما تقدم يجب أن نعي أن ما يحاك من مؤامرة على "الأونروا" يوجب علينا نحن الفلسطينيين أن نكون أكثر إيجابية مما نحن عليه اليوم؛ وأن نساهم في دعم "الأونروا" وذلك من خلال مؤسسات المجتمع المدني في كل مخيمات اللجوء بإسناد "الأونروا" والدفاع عنها بصفتها الحامي الأساسي لقضية اللاجئين الفلسطينيين، ليس فقط بالكلمة والموقف بل بالعمل الشعبي والجماهيري والاحتجاجي ضد مؤامرة إسقاطها. وعلينا أن نعترف أن ردة فعل اللاجئين الفلسطينيين منذ عامين كانت متواضعة مقابل ما يحاك من مؤامرة ضد "الأونروا" فلم نرى أي مسيرات احتجاجية منظمة وممنهجة في مخيمات اللجوء واكتفنيا فقط بالشجب والاستنكار وبعض الوقفات هنا وهناك والتي لا تتعدى العشرات..!

لذا على اللاجئين الفلسطينيين في العالم بأسره وفي مخيمات اللجوء بشكل خاص أن يبدأوا بخطة عمل ممنهجة واستراتيجية لحماية بقاء آخر شاهد قانوني على جريمة التطهير العرقي التي ارتكبتها الصهيونية وتحولت إلى جريمة نائمة يراد دفنها اليوم وإلى الأبد.

إن تصفية "الأونروا" أحد أهم أحلام إدارة ترامب وإسرائيل.. فلا تدعو حلمهم يتحقق ونتوه في العالم مرة أخرى.. أنقذوا آخر قارب يحمي اللاجئين لتنقذوا به ما تبقى من فلسطين.

* أستاذ علوم سياسية وعلاقات دولية. - political2009@outlook.com