2019-09-08

مراجعة لحساباتنا الوطنية الفلسطينية وعبرة الإنتخابات الإسرائيلية..!


بقلم: زياد أبو زياد

يتوجه الإسرائيليون بعد تسعة أيام من اليوم وللمرة الثانية خلال أقل من ستة أشهر للإدلاء بأصواتهم وانتخاب برلمان جديد (كنيست) تنبثق عنه حكومة تعبر عن توجهات الأغلبية في المجتمع الإسرائيلي.

وقبل أن أبدي بعض الملاحظات على الإنتخابات الإسرائيلية وسيرها وملامح الحملة الانتخابية والأخطار التي يمكن أن تنجم عن نتائجها وما يمكن أن ينعكس علينا في الأراضي المحتلة من تلك النتائج، أود أولا أن أعرب عن الحزن العميق الذي ينتابني لأننا في فلسطين فشلنا في التأسيس لنهج ديمقراطي برلماني وأسلمنا أمرنا للفردية الشخصية والفئوية وأثبتنا بأننا لسنا ناضجين بما فيه الكفاية ولا قادرين على بناء مجتمع قائم على منهج ديمقراطي يؤمن بالشراكة والتعددية السياسية واحترام الاختلاف في الرأي وممارسة تداول السلطة من خلال صناديق الاقتراع.

وهنا لا بد من أن أسمح لنفسي بأن أعود قليلا الى الوراء، الى ما قبل أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية.

كنا في الأراضي المحتلة نراقب عن قرب سير العملية الديمقراطية في إسرائيل ونشعر بالغيرة ونتوق الى اليوم الذي نستطيع فيه أن نبني دولة ونمارس حياة ديمقراطية أسوة بالآخرين. فكم منا عاش ومات دون أن يدلي بصوته ولو مرة واحدة في صندوق الإقتراع..!

أما بعد أوسلو فقد خضنا تجربتين انتخابيتين كانت أولاهما عام 1996 وكانت عملية ديمقراطية مئة بالمئة إذ لم تكن قد تبلورت لدينا مراكز القوى التي يمكن أن تتدخل في العملية الانتخابية ففاز من فاز، وكنت واحدا ً ممن فازوا بثقة الشعب عن دائرة القدس، وتشكل لدينا أول مجلس تشريعي فلسطيني تحمل مسؤولية وضع أسس وأركان الصرح القانوني الفلسطيني لدولة المستقبل ومارس بشكل أو بآخر عملية المراقبة والمساءلة التشريعية وإرساء قواعد العملية البرلمانية الفلسطينية الوليدة. ورغم أن أيا منا أعضاء ذلك المجلس التشريعي لم يسبق له أن كان عضوا في برلمان وأن أيا منا لم يسبق له أن مارس أي دور أو عمل برلماني إلا أننا اجتهدنا وكثيرا ما أنجزنا وأصبنا ولكننا أيضا ً أخطأنا لأن من يعمل يخطئ، واستطعنا أن نكتسب الخبرة وأن نتعلم في نفس الوقت.

ومع أن تجربة الإنتخابات الأولى كانت تجربة رائدة في الشفافية والنزاهة إلا أن إحجام بعض القوى عن المشاركة فيها بحجة أنها نتاج أوسلو وأن تلك القوى ترفض أن تعمل تحت سقف أوسلو، أفقدها مشاركة الكل الفلسطيني في ذلك العرس الوطني.

إلا أن هذه القوى غيرت رأيها، رغم أن شيئا لم يتغير من القواعد العامة للعبة، وقررت المشاركة في الإنتخابات التشريعية الثانية التي جرت في كانون ثاني 2006 وشاركت فيها جميع القوى الوطنية والدينية باستثناء حركة الجهاد الإسلامي التي ظلت تلتزم بموقفها المبدأي والذي ما زالت تلتزم به حتى اليوم.

ومع أن حركة "فتح" كانت تسيطر تماما على مجريات انتخابات عام 2006 إلا أنه يُسجل لها ومن خلال الرئيس محمود عباس أنها حرصت على أن تُجرى الانتخابات بنزاهة وشفافية أثارت حفيظة بعض الجيران العرب الذي "شخطوا" واحتجوا وراء الأبواب المغلقة على كيفية السماح لـ"حماس" بالفوز بالانتخابات ولماذا لم تكن النتائج مغايرة لما أسفرت عنه صناديق الاقتراع، لأن في عرف بعض هؤلاء الجيران هو أنه لا يجوز أن يُترك الحبل على الغارب وإنما يجب على من يمسك بزمام الأمر أن يُفصّل النتائج على المقاسات المريحة له بحجة المصلحة الوطنية..!

كانت العملية الديمقراطية الفلسطينية بخير الى أن ظهرت نتائج تلك الانتخابات ومنذ تلك اللحظة بدأت تتبلور لدى القوتين الرئيسيتين على الساحة الفلسطينية: "فتح" و"حماس"، عملية الإنقضاض على العملية الديمقراطية وإفشال مسيرتها والتأسيس للفردية والتسلط.

أما "فتح" فإن بعض عناصرها لم يسلموا بنتائج الانتخابات عام 2006 ولم يسلموا بمبدأ تداول السلطة من خلال صناديق الاقتراع وينصرفوا لمحاسبة أنفسهم وإعادة بناء قوتهم ومصداقيتهم استعدادا للانتخابات المقبلة وإنما بدأوا بوضع العصا في العجلة وخلق العقبات والعراقيل لإفشال "حماس"، ورأوا في الموقف الأوروبي - الأمريكي وشروط الرباعية سندا وظهيرا لهم في الحرب الباطنية والعلنية ضد "حماس".

وأما "حماس" فقد جاءت الى الحكم منذ اليوم الأول، بعقلية الإقصاء والتفرد والإنفراد بالحكم ورفض مطلق لمبدأ الشراكة وقد تجلى ذلك منذ الجلسة الأولى التي عقدها المجلس التشريعي المنتخب في 18-2-2006 لأداء اليمين القانونية وانتخاب أعضاء هيئة مكتب المجلس فقد تم اختيار جميع أعضاء هيئة المكتب من "حماس" وتجاهل تام للقوى الأخرى الممثلة في المجلس ومنها "فتح" التي فازت بأكثر من ثلث مقاعد المجلس، وأمعنت في التعيينات القائمة على الانتماء السياسي وأوغلت في ذلك وعلى كل المستويات التي وصلت إليها يدها.

ومنذ ذلك الحين اشتدت حدة الصراع الخفي ضد الطرفين وازداد معها رغبة حركة "حماس" بالسيطرة على الحكم حتى تطورت الأمور الى وقوع الانقلاب الحمساوي في حزيران 2007. وسواء كان ذلك الانقلاب هو خطوة استباقية للدفاع عن النفس كما تدعي "حماس" أو عملية انقلابية محضة، فقد كان ذلك الإنقلاب بداية توقف المسيرة الديمقراطية البرلمانية الفلسطينية، ودخلنا إثره في متاهة الإنقسام الذي ما زلنا نتعمق فيه ونفقد معه أي أمل في إعادة بناء عملية ديمقراطية برلمانية تؤسس لبناء مجتمع يؤمن بالمنهج الديمقراطي ويعزز ثقافة التعددية والمشاركة ويبني النموذج الفلسطيني الفريد في ديمقراطيته، والذي اعتقدنا في وقت ما أننا أسسنا له وأننا نستطيع أن نباهي به جميع الدول العربية التي سبقتنا في قيامها بعشرات السنين ولكنها فشلت في بناء المجتمع والمنهج الديمقراطي الذي هو الشرط الأساسي للحكم الرشيد والعدالة ونزاهة الحكم.

وتجنبا ً للإطالة والدخول في التفاصيل فإنني أقول وباختصار شديد بأننا خلال فترة الإثني عشر عاما ونيف الماضية قد أجهزنا على كل ما هو قانوني ودستوري وديمقراطي في حياتنا وأسسنا لنظام الفردية والتفرد في الحكم سواء في الضفة أو القطاع وأنه لن تقوم لنا قائمة إلا إذا عُدنا الى طريق بناء الدولة من خلال الممارسة الديمقراطية والشراكة والتعددية باعتبارها الأدوات الرئيسية لاتخاذ القرارات المصيرية التي تتعلق بكيفية إدارة الصراع ضد الاحتلال وما هو النهج الذي نريد أن نمارسه في مقاومة الاحتلال متحدين ومتشاركين في العمل للدفاع عن شعبنا وحقوقنا الوطنية.

كل المؤشرات على الساحة الاسرائيلية تفيد بأن تغييرا جوهريا في السياسة الاسرائيلية لن يحدث، وأن هذه الانتخابات ستسفر بشكل أو بآخر إما عن فوز نتنياهو وتشكيله حكومة مع اليمين الفاشي المتطرف أو مع كحول لفان برئاسته أو نفس اللون من الحكومة برئاسة منافسه بيني جنتس الذي لا يقل عنه يمينية أو تطرفا. وفي كلتا الحالتين فإن الشعارات المرفوعة هي شعارات عنصرية ترفض الشراكة مع العرب في الداخل ولا يوجد موضوع السلام في برنامجها الانتخابي وترفض حل الدولتين وتدعم المستوطنين والاستيطان.

أما بالنسبة للعرب في إسرائيل فإن الحالة الوحيدة التي يمكن أن يكون لهم تأثير في مجريات الأمور بإسرائيل هي في حصولهم على نسبة عالية من المقاعد تتناسب مع نسبتهم من السكان أي لو حصلوا على عدد يقارب العشرين مقعدا وهذا أمر مستحيل لأن هناك نسبة منهم تقاطع الانتخابات بحجة عدم جدواها ونسبة أخرى تصوت للأحزاب اليهودية بما فيها الأحزاب اليهودية الدينية والقومية المتطرفة لقاء وعود ومصالح فردية لا علاقة لها بأي شكل مع الصالح العام العربي.

وإلى أن ينضج الصوت العربي ويدرك كيف يمكن له أن يؤثر فستظل المشاركة في الانتخابات للكنيست موضع جدل بين وجهتي نظر لكل منهما ما يبررها وما يدحضها في نفس الوقت، ولكنني أعتقد بأن أية زيادة في عدد المقاعد العربية بالكنيست ستشكل دعما للتوجه نحو التأثير الحقيقي في المستقبل.

أما نحن، فعلينا أن نعود الى البدايات حين كنا نغبط الإسرائيليين على ديمقراطيتهم ونتمنى لو أم لنا دولة وانتخابات لنمارس حقنا في التوجه لصناديق الاقتراع واختيار من يمثلنا.

وإنه ليحزنني ويحزن الكثيرين من أبناء شعبي أننا حرمنا طيلة حياتنا متعة المشاركة في صنع مستقبلنا وتقرير مصيرنا بأنفسنا بعيدا عن الوصاية والهيمنة وسرقة إرادتنا وتزييفها والمتاجرة بها.

إن الدرس الذي يجب أن نتعلمه من إسرائيل هو أن الديمقراطية هي أساس قوة المجتمعات وأنظمة الحكم وأنه إذا ما أردنا أن نكون أقوياء وأن نكون قادرين على انتزاع حقوقنا والعيش بحرية وكرامة فإن الخطوة الأولى على تلك الطريق هي التخلي عن سياسة التفرد والفردية والعودة الى الشعب واحترام حقه في الحرية والكرامة والتعبير عن إرادته ورأيه.

وهذا لن يتم إلا إذا عدنا الى المربع الأول الذي كنا عنده في كانون ثاني 1996 أي الى انتخابات حرة ونزيهة نبني عليها وننطلق منها الى بناء وحدة وطنية ونضال وطني قائم على برنامج وطني واحد واعد بالحرية والاستقلال. وإلى أن يتم ذلك فإنني أقول، وللأسف الشديد، لن تقوم لنا قائمة وسيظل الاحتلال والظلم يجثم على صدورنا ويكتم أنفاسنا تماما من خلال أنفسنا وجهلنا ورفضنا للديمقراطية ثقافة ومنهجا وأسلوب حياة.

فليكن الدرس الأول الذي نتعلمه من الانتخابات الإسرائيلية هو الدعوة الى نبذ الإنقسام فورا وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية والإنطلاق منها الى المستقبل.

* الكاتب وزير سابق ومحرر مجلة "فلسطين- إسرائيل" الفصلية الصادرة بالإنجليزية- القدس. - ziad@abuzayyad.net