2019-10-04

أمريكا وزمن الهبوط..!


بقلم: ناجح شاهين

لا يمكن تجنب ما يحدث بين السعودية وإيران. ولا يمكن تخيل أنه يتم بمنأى عن الواقع الذي تردت إليه السياسة الأمريكية. لوهلة، ليس في باب أحلام اليقظة، نتخيل أن زمناً جديداً يشق طريقه إلى الوجود. إن السعودية ُتصفع بقوة شديدة ولكنها تضطر إلى مجاراة أنصار الله والإعلان عن وقف العدوان على أربع مدن يمنية. أرغت السعودية وأزبدت، لكنها اكتشفت أن أمريكا ليست بخيرـ ترامب ينبح أكثر مما يعض ويبدو أن الجميع قد اكشتف ذلك، إنه طريق منحدر باستمرار منذ بعض الوقت.

لقد خسرت الولايات المتحدة وأدواتها الحرب في سوريا. حاولت على امتداد سنوات أن تدمر الدولة السورية وصولاً إلى تفكيكها التام، وتوليد مجموعة دويلات في خدمة "مختار" العالم وحاشيته. لكن الرياح لم تجر أبداً مثلما تشتهي السفن الأمريكية.

كانت ليبيا قصة نجاح كاملة. أنظروا إلى الوضع "الرائع" من كل الزوايا الذي يسود ليبيا حتى اللحظة، والذي يمثل فرصة كاملة للمشاريع الأمريكية والأوروبية السياسية والاقتصادية والعسكرية جميعاً.

سوريا قصة أخرى وقف فيها الدب الروسي ليصارع بقوته كلها دفاعاً عن نفسه بعد مأساة ليبيا، وبعد السياسة "الوقحة" التي وصلت إلى داخل حدوده في القرم وما وجاورها. وهي سياسة تمت في عهد الرئيس الأكثر "لطفاً" في تاريخ الولايات المتحدة، ونعني به بالطبع باراك أوباما.

دفعت الولايات المتحدة بطاقات وإمكانيات هائلة في معركة سوريا، وتم توظيف قدرات الجيران جميعاً: تركيا، لبنان، الأردن، وإسرائيل. وقدمت قطر الدعم بكل حب وسخاء. لكن المشروع تعثر، وها هو اليوم يصاب بالفشل الذي قد يكون تاماً.

صمد الجيش السوري بعد انشقاق بضعة آلاف تحت إغراء المال القطري والوهم والإشاعات السياسية عن مركب النظام الذي يغرق والذي يستلزم ان يقفز الأذكياء منه قبل فوات الأوان. وتقدمت إيران وحزب الله إلى الميدان مباشرة لمواجهة التدخل المباشر لتركيا والآردن واسرائيل وسيل المجاهدين القادمين من أرياح الدنيا السبع.

بالطبع روسيا والصين قدما الحماية بالفيتو في نطاق الأمم المتحدة، وروسيا منفردة قدمت ما هو أثمن من ذلك: الغطاء الجوي، وردع الولايات المتحدة عن القيام بأية مغامرة عسكرية واسعة ضد سوريا.

كشف التدخل الروسي الواسع حدود القوة الأمريكية المتدهورة بوضوح لأول مرة منذ صعود أمريكا الكامل بعد الحرب العالمية الثانية.

ولا بد أن العملاق الأمريكي الضخم يتعثر في مواجهة الصين، وقد انكشف عجزه أيضاً عن فعل شيء ذي بال ضد كوريا الشمالية التي فرضت نفسها نهائياً قوة نووية وهيدروجينية. وقد رفضت الصين على الرغم من الدماثة السياسية الصينية المشهورة، وبعض المجاملات، رفضت بحزم عزل كوريا أو حرمانها من الوقود أو الغذاء أو المواد الضرورية. ولذلك غضب البيت الأبيض من الصين وهدد بمعاقبتها. لكن هيهات، إنه زمن العملاق الصيني اقتصادياً مثلما هو زمن روسيا عسكرياً. وقد كان فشل خنق شركة "هواوي" التي تهجم على انفراد عملاق التقنية الفائقة الأمريكية هو علامة من علامات "الساعة الصغرى" بالنسبة للولايات المتحدة. اضطر ترامب وجوقته إلى التراجع بعد أن بدا واضحاً تصميم الصين و"هواوي" على اختراع أنظمتها الخاصة وليذهب "أندرويد" وترامب إلى الجحيم.

ليس الزمن زمن أمريكا على الرغم من أن الكثير من العرب للأسف لا يدرك ذلك: في هذا الباب يبدو إيمان محميات الخليج والسعودية، ومصر والسلطة الفلسطينة والأردن ..الخ بأن أمريكا ما تزال سيدة الدنيا، أحسن تعزية للعملاق اليانكي المترنح. صدق امام/نجم: إنه مجرد "هتش ونتش عن أمريكا وهول أمريكا". ويعرف الناس في دوائر صنع السياسة الأمريكية أن زمن رعب أمريكا قد ولى. نحن لا نعيش أيام التسعينيات الجميلة عندما تم تقسيم يوغسلافيا وحشد العالم كله وسوقه بالعصا ليحارب طواحين الهواء العراقية وصولاً إلى احتلال العراق في العام 2003 وتوليد الحالة الكردية التي يتم استخدامها في هذه اللحظة، لكن دون جدوى كبيرة.

اليوم يبدو محمد أبومنشار لطيفاً ضد طبيعته بالذات، وهو يؤكد بوداعة مدهشة أنه لا يفضل الوسائل العسكرية ضد إيران. ولا بد أن أي مبتدئ في السياسة يعلم أن "ابو منشار" قد تلقى رسالة واضحة من معلمه في واشنطون فحواها أن خوض حرب ضد إيران ليس بالمغامرة المأمونة الخواطر. لقد أصبح جلياً تماماً مقدار القوة العظيمة التي حشدتها إيران في العراق واليمن ولبنان إضافة إلى قوتها الذاتية. ولا بد أن روسيا/بوتين وصين/شي بينغ تتوقان بالفعل إلى تقديم الدليل التاريخي الملموس على أن زمن الهيمنة الأمريكية قد ولى، وذلك على الرغم من أحداً لا ينكر أن الاستراتيجية الصينية تحديداً تقوم على فكرة مساعدة الولايات المتحدة على النزول عن عرش الهينمة بأقل قدر من الألم للجميع بمن فيهم الولايات المتحدة ذاتها.

* الكاتب أكاديمي فلسطيني. - najehshahin@yahoo.com