2019-10-08

فرادة التجربة الصينية..!


بقلم: عمر حلمي الغول

في تشرين أول / إكتوبر الحالي (2019) إحتفلت جمهورية الصين الشعبية بذكرى إستقلالها الـ70، ومع صعودها إلى أعلى قمم التطور الإقتصادي، لا بل وقد تكون الأولى عالميا، رغم ان القيادة الصينية ترفض عن سابق عمد وإصرار هذا التصنيف لما له من تداعيات داخلية وعالمية، قد تحملها أعباء لا تريدها، وتسحب من بين يديها إمتيازات في ظل تصنيفها الحالي كـ"دولة نامية".

التنين الصيني بتجربته الرائدة والإستثنائية وعلى كل الصعد الفكرية والسياسية والإقتصادية والدفاعية والثقافية، كان محط إعجاب وتقدير من جهة، وحقد وغضب وكراهية من جهة أخرى من قبل أقطاب ودول في القارات الخمس. وما يدور من حرب طاحنة يقودها الرئيس الشعبوي، دونالد ترامب على الإقتصاد الصيني إلآ نموذجا لتلك الأحقاد والخشية من العملاق الشيوعي، الذي يتقدم بخطى حثيثة نحو آفاق جديدة من الرقي والتطور المذهل، رغم كل تقديرات الخبراء الإقتصاديين، الذين يشيروا إلى وجود مرض "المتلازمة الصينية"، وهو مرض خاص بالإقتصاد الصيني، حيث يعتقد أولائك الأقتصاديون ان "طفرة التمنية خلال العقود الأربعة الماضية تتجه نحو التراجع في معدلات التنمية، وفي حجم الناتج المحلي الإجمالي للإقتصاد الصيني." غير ان هذا الإستنتاج، الذي يعتمد على تراجع الإستثمار في مجال بعينه، هو التأسيس والتطوير للشركات العاملة في مجال التكنولوجيا والهاي تيك الحديثة، لا يعكس قراءة موضوعية لمجمل مقومات وركائز ومجالات الإقتصاد الصيني. مما يسمح بالإجتهاد، بأن الإستنتاج فيه نوع من الإسقاط الرغبوي، أكثر منه قراءة موضوعية.

الصين العظيمة بتاريخها وتجربتها الفذة خلال السبعين عاما من 1949 حتى اللحظة التي نعيشها مرت بأربع مراحل في تطورها الإقتصادي : 1- مرحلة النموذج الإشتراكي والإقتصاد المركزي 1949/ 1977؛ 2- التحرر والإصلاح الإقتصادي 1978/ 1988؛ 3- تجميد الإصلاح الإقتصادي 1989/ 1991؛ 4- إستئناف الإصلاح 1992 حتى الآن. طبعا لا مجال هنا للتعرض لإبرز سمات وخصائص كل مرحلة من المراحل.

هذة المراحل الأربع مرت بطريق شائك ومعقد، وكان فيها حقول ألغام داخلية وخارجية، لكن بفضل إرادة وحكمة القيادة الصينية، ودعم الشعب لها تمكنت من تخطي كل العثرات والأرباكات، وتجاوزت الفشل والهزيمة والإنكماش والركود الإقتصادي، وإنتصرت على ذاتها. ويمكن إعتبار عام 1978 مع وصول الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ لسدة الزعامة، محطة فاصلة بين تاريخين ونموذجين مختلفين من الصين إختلافا جذريا من حيث مكانة الصين العالمية، ومستوى تطورها الإقتصادي والإجتماعي ..إلخ. محطة لها ما قبلها، ولها ما بعدها. رغم ان المحطة الأخيرة شهدت في بداياتها إنعطافات حادة منها مظاهرات ميدان "نيانانمين"، التي أدت إلى تجميد الإصلاحات الإقتصادية، لكن القيادة سرعان ما أمسكت بدفه البلاد والشعب، وواصلت مسيرة التحولات الإقتصادية الهائلة. التي إنعكست على الأرض وعلى الشعب الصيني الشجاع، فبلغ متوسط معدل النمو الإقتصادي للصين 9,5% سنويا على مدار الأربعة عقود الماضية، وفي بعض السنوات وصل إلى ما يزيد عن 17%، و15%، وهو ما يعني إرتفاع حجم الناتج المحلي الإجمالي للصين بمقدار 44 ضعفا. وحدوث قفزة نوعية هائلة في زيادة الناتج المحلي الإجمالي، فبعد ان كان عام 1980 حوالي 305 مليار دولار، وصل عام 2018 إلى 13,5 تريليون دولار أميركي، وهذا بدوره أدى إلى إرتفاع نصيب الإقتصاد الصيني من 2,7% إلى 16% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وبنفس الفترة تراجع الإقتصاد الأميركي من 25,7% إلى 24,2% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. مع الأخذ بعين الإعتبار أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي إرتفع من 11,1 تريليون دولار عام 1980 إلى 84,5 تريليون دولار 2018. ولهذا دلالة واضحة على التطور العاصف للصين الشعبية.

هناك الكثير من المبادىء والقوانين والعبر والدروس الناظمة للتجربة الصينية، تحتاج إلى دراسات بحثية، ليس هنا مجالها. لكن تملي الضرورة تدوين الإعجاب والتقدير للتجربة الصينية العبقرية، والتمني للقيادة والشعب الصيني المزيد من التقدم والرخاء وتحقيق كامل الأهداف، التي رسمتها القيادات الصينية المتعاقبة، والتي يتمثل دورها، ويعكس إرادتها حاليا الرئيس شي جين بينغ والحزب الشوعي الصيني، الذي يعد 90 مليونا، وايضا الحكومة الصينية. وكل التحية للشعب الصيني في ذكرى إستقلاله الـ70.

لم اتوقف امام تجربة مبادرة "الحزام والطريق" الرائدة، والتي تمثل نقلة نوعية في مسيرة الصين الإقتصادية، وفي قدرتها على الربط بين الإقتصاد الصيني العملاق وإقتصادات العشرات من الدول، بفضل إعادة إحياء طريق الحرير التاريخي. والتي تستحق قراءة خاصة.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com