2019-10-08

الانتخابات وأوهام الصبر السرمدي..!


بقلم: د. عبير عبد الرحمن ثابت

تلقف الفلسطينيون خبر الانتخابات كما الغريق الباحث عن القشة كونها احتكام للمنطق والعقل الذي يستند إلى خيار الأغلبية لمن يرون فيه الأفضل لتمثيلهم. وقد كانت المطالبة بالعودة للإرادة الشعبية وإجراء الانتخابات دوما الخيار الحاضر لدى الشعب بينما هي الخيار الغائب لدى الفرقاء الفلسطينيين كونها عملية تقييم لنجاحهم في تحقيق ما وعدوا به الشعب حينما انتخبهم في المرة السابقة، وكذلك ستعكس الصورة الحقيقية لحجم الرضى الشعبي عن الأداء السياسي لهؤلاء الحكام، وهذا الرضى هو الشرعية الحقيقية لأي حاكم والاختبار الأصعب الذي هابه الجميع لما يزيد عن عقد من الزمن كان من المفترض أن تجرى خلالهما دورتين انتخابيتين على أقل تقدير، ولكنهم فضلوا دوما الهروب إلى الأمام من خلال جولات المصالحة الفاشلة التي أدمنتها الفصائل وحاولت في كل جولة تخدير الإرادة الشعبية لمنع عضبها وإبقائها في حالة حياد ضمن معسكري الانقسام السياسي وهو ما أوصلنا بنهاية المطاف لتغييب الإرادة الشعبية لصالح إرادة الفصيل المتأكلة الشرعية وذلك لأنها تمثل إرادة الأمر الواقع المفروض على الأرض تحت عنوان الشرعية الثورية؛ والتي فقدت كل معاني الثورة عندما تحول ثوارها لحراس لسلطة سياسية؛ والسلطة كما نعلم هي فن إدارة المصالح في نطام الممكن وهو ما يتعارض مع كل أدبيات الثورة.

وعليه يجب أن نؤكد أن خطوة إجراء الانتخابات الفلسطينية وبكل المقاييس هي خطوة في الاتجاه الصحيح سواء كانت تلك الانتخابات تشريعية فقط أو تشريعية ورئاسية، لأن أي مؤسسة من تلك المؤسسات ستكون ذات شرعية حقيقية ستمثل رافعة للمؤسسات الأخرى للانضمام لها خاصة وأن الديمقراطية تنتقل بالعدوى، وقد لا تتكرر الفرصة السانحة للانتخابات الفلسطينية المرتقبة لكل الفصائل الفلسطينية للتكفير عن الخطايا التي ارتكبتها بحق الشعب خلال العقود السابقة؛ وخلال العقد الأخير باسم الشرعية الثورية. وهي فرصة ليتطهر الجميع من تلك الشرعية الوهمية التي فقدت مضمونها بتعثر مشروع التحرير عبر الثورة المسلحة وعبر إدراك الفصائل الفلسطينية تباعا واحدة تلو الأخرى بحجم التفاوت العسكري مع العدو وتعذر، إن لم يكن استحالة استخدام ورقة الكفاح المسلح على طاولة أوراق اللعبة السياسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ وللأسف أصبح جُل ما يمكن لأي فصيل فلسطيني تحصيله من حمل السلاح هو أن يحظى بموطئ قدم له في قيادة الشعب ليس عبر رضى الشعب من خلال صناديق الاقتراع، إنما عبر بوابة شرعية لبندقيته الحزبية والتي تحول الشعب فيها إلى حقل تجارب فاشلة أوصلتنا إلى ما نحن فيه اليوم والذي لا يخفى عن أي فلسطيني.

واليوم وبعد ما أوصلنا إليه مراهقو السياسة لن يكون مطلوبا من تلك الفصائل سوى التنازل عن وهمها والرضوخ لإرادة الشعب والبدء بمرحلة شرعية صندوق الاقتراع؛ وهذا في الأساس يتطلب وجود قادة مدركين لحركة التاريخ وحساسية ومفصلية اللحظة السياسية الراهنة والتي لن تمنح أي قوة لأي قيادة لا تستند في وجودها لإرادة شعبية حقيقية نابعة من صندوق الاقتراع.

إن سيناريوهات نجاح أو فشل الانتخابات والأخذ بنتائجها أو رفضها من البعض منوط بقدرة الفصائل الفلسطينية على تحمل مسؤوليتها والتخلي عن حساباتها الفصائلية الضيقة لصالح الوطن عبر السماح بإجراء الانتخابات بكل ديمقراطية وشفافية وقبول نتائجها أيا كانت لبناء سلطات تشريعية وتنفيذية جديدة ومنتخبة تخضع لقراراتها كل المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية الفلسطينية، وهذا أقصر وأبسط الحلول لتوحيد شطري الوطن وإنهاء الانقسام.

ومن سيرفض الانتخابات هو في الحقيقة صاحب المصلحة في بقاء واقعنا على ما هو عليه؛ وهو من يخشى إرادة الشعب ويسعى إلى شلها لكنه سيكتشف، وبعد فوات الآوان، وفي لحظة لن يطول انتظارها، أنه قد ارتكب خطأه الأخير عندما اعتقد أن صبر الشعوب هو صبر سرمدي.

* أستاذ علوم سياسية وعلاقات دولية. - political2009@outlook.com