2019-10-24

فرص غانتس..!


بقلم: محمد السهلي

من الواضح أن انتخابات إسرائيلية أخرى لن تأتي بجديد على صعيد توزع القوى بين الخصمين الكبيرين المتنافسين، أي أن الدوامة ستستمر بشأن تشكيل الحكومة.

ويرى محللون أنه إذا كانت هناك ثمة فرصة ضعيفة لتجاوز ذلك من قبل ، فقد أصبحت أضعف مع انتقال التكليف إلى غانتس، الذي لا يملك عمليا سوى الرهان على تقديم لائحة إتهام بحق نتنياهو في فترة قريبة، وقبل انتهاء المهلة التي أمام «أزرق ـ أبيض» لتشكيل الحكومة.

لكن محللين آخرين يرون أن أمام غانتس فرص للنجاح لأن المشهد الحزبي في إسرائيل عرضة لتبدلات في مواقف بعض أطرافه نتيجة المراوحة في ملف تشكيل الحكومة، وعلى خلفية توجس هذه الأطراف من مفاجئات غير سارة في نتائجها المتوقعة بالانتخابات الثالثة .. إن وقعت.

تذهب معظم التقديرات إلى أن غانتس سيفشل أيضا بتشكيل الحكومة، أو أنه سيشكل حكومة أقلية سرعان ما تسقط، ما يعني أن التوجه إلى جولة انتخابات أخرى شبه مؤكد، بعدما استحكم الاستقطاب بالخريطة الحزبية الإسرائيلية ووقف عقبة أمام تشكيل الحكومة الجديدة، في ظل تعنت القائمتين الكبيرتين تجاه مسألة حكومة الوحدة، بينما يقف ليبرمان أمام موقف فاصل بعدما أعاد نتنياهو التفويض إلى رئيس الدولة العبرية الذي كلف غانتس، ليحاول ماعجز المكلف السابق. وعلى ذلك، تساءل المراقبون فيما إذا سيتعاون ليبرمان مع غانتس في تشكيل الحكومة ويسعى لإنجاحه كردة فعل على مواقف نتنياهو حول حكومة الوحدة وتفاديا لانتخابات ثالثة؟

يستند المراقبون في طرح هذا السؤال إلى مؤشرين متكاملين وردا في تصريحات رئيس «إسرائيل بيتنا»، الأول هجومه العنيف غير المسبوق على الليكود وتحديدا على شخصيات قيادية فيه لأنهم «أضعف من أن يواجهوا نتنياهو»، وفهم بعض المراقبين من ذلك بداية تغير في موقف ليبرمان من حكومة الوحدة التي هي خياره الأساسي باتجاه (ربما) القبول بحكومة «أقلية». والمؤشر الثاني المتمم هو تحاشيه الهجوم على القائمة المشتركة هذه المرة في وقت تحدث فيه محللون عن سيناريو تشكيل حكومة من «أزرق ـ أبيض» و«إسرائيل بيتنا» و«العمل ـ غيشر» و«المعسكر الديمقراطي»، ومدعومة من النواب العرب. لكن هناك من يرى أن هذا السيناريو يقع  في خانة التوقعات النظرية بسبب التناقضات القائمة بين عدد من هذه الأطراف.

الفرصة الثانية أمام غانتس تتركز بيد المستشار القضائي للحكومة وبيد المدعي العام، في حال تم توجيه لوائح اتهام رسمية لنتنياهو على خلفية ملفه القضائي، ويأمل غانتس والمرشح الثاني في كتلته، يئير لبيد، أن يؤدي ذلك إلى تفكك كتلة اليمين وحدوث تمرد ضد نتنياهو من داخل الليكود. وبذلك يتم إخراج نتنياهو من اللعبة السياسية. ورأى المحللون أن توقع حدوث هذا الاحتمال كان السبب الأساسي في مماطلة غانتس تجاه تشكيل حكومة الوحدة وحل إشكالية التناوب على رئاستها.

ولكن محللين رأوا أن قرار المستشار القضائي ضد نتنياهو لن تمس به بالضرورة كمرشح لليكود، وربما العكس. حيث يشكل «الشعور بالغبن وقودا قابلا للاشتعال باقتراب الانتخابات، والمرشح الذي سيحاول تقويض زعامة نتنياهو قد يدفع ثمنا باهظا». ويرى هؤلاء أن أطراف معسكر اليمين يلتفون حول نتنياهو بقوة خاصة في ظل محاولات إخراجهم من تشكيلة أي حكومة قادمة بحسب شروط غانتس وليبرمان.

الفرصة الثالثة تبدأ بوصول غانتس إلى قناعة بأنه سيفشل في الاحتمالين السابقين، ويوافق بالتالي على حكومة تناوب بالآلية التي اقترحها ريفلين، رئيس الدولة العبرية. ومن خلالها، يترأس نتنياهو الحكومة في السنة الأولى من ولايتها، وبعد ذلك غانتس لسنتين، ونتنياهو يعود للحكم في السنة الرابعة. لكن السؤال هنا: هل يتنازل غانتس وباقي مكونات «أزرق أبيض» عن شرط استثناء أطراف معسكر نتنياهو اليميني من الحكومة؟ ويبدو حتى الآن أن هذه ستبقى إحدى العوائق الكبرى في طريق تشكيل حكومة الوحدة.

يمكن القول إن كلا من الطرفين الكبيرين يخشى من تعرضه لخيارات صعبة في حال خضع لشروط الطرف الآخر. وهناك من أحال تمسك مكونات «أبيض ـ أزرق» بالتحالف فيما بينها إلى تداعيات الاستقطاب الحاد بين الطرفين، ويتوقع تعرض هذا التماسك إلى الخلخلة في حال وافق على شروط نتنياهو بشأن أسبقية الولاية والتمسك بأطراف معسكره اليميني، والأمر كذلك بما يخص نتنياهو الذي لايستطيع التخلي عن هذا المعسكر الذي شكل له غطاء سياسيا في وجه المعارضة، ولا يتخلى عن أسبقيته في التناوب كحماية له من تطورات قريبة «غير مرغوبة» بخصوص ملفه القضائي. ولهذه الأسباب يرى المراقبون أن اللجوء إلى الانتخابات الثالثة سيصبح أمرا واقعا مع مرور الوقت واستمرار هذه الاعتبارات لدى الطرفين الكبيرين.

في ظل ما أفرزته المواقف من عقبات أمام تشكيل الحكومة، صدرت دعوات لتغيير طريقة الانتخابات الإسرائيلية، وقد سبق أن أجمعت الأحزاب الصهيونية والحريدية على تعديل طريقة الانتخابات بإجراء انتخابات مباشرة لرئيس الوزراء وطبق ذلك في العام 1996 العام الذي فاز فيه بنيامين نتنياهو بالمنصب للمرة الأولى.

ولكن هذه الصيغة - كما يرى محللون - التي كانت تهدف إلى تجنيب رئيس الحكومة والحزب الحاكم المعادلات الصعبة لدى تشكيل الحكومة، انقلبت على الحزبين الكبيرين في حينها، «العمل» و«الليكود»، بمقايضات صعبة ومكلفة مع القوائم الصغيرة لتوجيه أصوات جمهورها لدعم مرشح الحزب في انتخابات منصب رئاسة الحكومة. ولم تستمر هذه التجربة طويلا وتمت العودة إلى النظام القديم.

على كل حال، ما تشهده إسرائيل من استعصاءات حول تشكيل الحكومة هو نتاج عقود من الصفقات والمناورات الحزبية التي انشغلت بها مكونات المشهد الحزبي الصهيوني في إسرائيل، في معترك الصراع على رأس الهرم السياسي. وقد شكلت المقايضات والشروط المتبادلة أساس المفاوضات الائتلافية على عتبة تشكيل كل حكومة جديدة.

وقد احتل نتنياهو في هذا الميدان مساحة عقد متصل السنوات في الحكم ماعدا سنوات حكومته الأولى في عقد التسعينيات من القرن الماضي. ويمكن القول إنه تفوق على أسلافه من رؤساء الحكومات والأحزاب بتملكه قدرة عالية على المراوغة، وعقد الصفقات، من أجل استمراره  في منصة القيادة والحكم.

وعلى الرغم من كثرة الأحاديث عن قرب خروجه من اللعبة السياسية، لايزال كثيرون يتوقعون أن يتجاوز العقبات التي تمعنه من تشكيل الحكومة.. لكن ليس فقط بسبب قدرته على المناورة، بل وأيضا وقبل كل شيء بسبب ضعف خصومه ومنافسيه.

* *رئيس تحرير مجلة "الحرية" الناطقة بلسان الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين- دمشق. - -