2019-10-28

هل حقًا إسرائيل دولة محبة للسلام؟!


بقلم: د. إبراهيم فؤاد عباس

كما أن هناك معجبون من أبناء عروبتنا بـ "الدولة الإسلامية" و"القاعدة"، هناك أيضًا معجبون بإسرائيل والصهيونية، وهذه أزمة حقيقية تعيشها الأمة تعكس حالة التردي العقدي والثقافي كنتيجة طبيعية للأكاذيب والمعلومات والأخبار الخاطئة التي تبثها بعض القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن يظل عزاءنا الوحيد أن الغالبية الكاسحة من أبناء الأمة العربية والإسلامية تقف في صف واحد ضد ممارسات إسرائيل العدوانية والعنصرية ضد الشعب الفلسطيني وتنكرها لاتفاقيات السلام بما في ذلك المبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمة بيروت العربية في ربيع عام 2002.

لذا لم يكن من المستغرب أن أقرأ بالأمس القريب لصديق في "الفيس بوك" يصف إسرائيل بأنها دولة محبة للسلام، وأنه يجب أن نطبق معها الآية الكريمة: "وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"..! وبالطبع ليس من الحكمة معاتبة هذا الصديق، فربما انه لم يحط علما بدرجة كافية عن حقيقة إسرائيل، أو أساليب الدعاية الإسرائيلية وترويج الأكاذيب الصهيونية التي استطاعت الصهيونية أن تغسل بها أدمغة العالم الغربي والتي تسعى في هذه الفترة الحرجة من تاريخ الأمة أن تغسل بها أدمغة أجيالنا العربية الحالية التي يقع بعضها طواعية فريسة لما يكتبه بعض الصهاينة أمثال "أفيخاي أدرعي" الذي يستعين بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة لتضليل ذوي القابلية من هذا الشباب الذين يسهل التغرير بهم على نفس النحو الذي يطبقه زعماء "داعش" و"القاعدة" لتضليل ذوي القابلية للانجذاب إلى أفكارهم الخبيثة. لا أريد أن أتحدث هنا عن تفنيد كل ما يدعيه أولئك الصهاينة من أكاذيب وأضاليل، وقد كتبت كثيرًا في هذا الموضوع مقالات وكتبًا بهدف تحصين الناشئة ضد ما أسميه دائما "محاولات تهويد العقل العربي".

ليسمح لي الصديق العزيز أولا باستعراض بعض الأقوال والتصريحات الصادرة من مفكرين وزعماء غير عرب ولا مسلمين، ومن بعض المصادر الإعلامية والإحصائية:
"الاستفتاء الذي أجراه الاتحاد الأوروبي عام 2003 أوضح أن 59% من المواطنين الأوروبيين يعتبرون أن إسرائيل تحتل المرتبة الأولى في تهديد السلام في العالم".
"إسرائيل لا تتصرف كدولة طبيعية" ... "إذا كنتم دولة محبة للسلام فعلاً، فلماذا تستمرون بالاستيلاء على الأراضي الفلسطينية إذا كنتم جادين بشأن اتفاقية أوسلو وحل الدولتين"- النائب الارلندي ريتشارد بويد مخاطبًا السفير الإسرائيلي في إيرلندا.
"السلام الذي تريد إسرائيل فرضه على الفلسطينيين يتضمن حكمًا ذاتيًا أبديًا للقلسطينيين في أجزاء غير متصلة وغير متواصلة من الضفة الغربية، مع ضرورة اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة وتخليهم عن حق العودة"-  مجلة "الإيكونوميست"، عدد 26 يوليو 2014.
"الأبارتيد جريمة ضد الإنسانية، وإسرائيل حرمت ملايين الفلسطينيين من الحرية والملكية، واتبعت تمييزًا عنصريًا بشعًا، وشنت حربًا على المدنيين، وخصوصًا الأطفال"- الزعم الجنوب إفريقي الراحل  نيلسون مانديلا.
"إسرائيل تنهض شاهدًا على عجز البشر عن العيش سويًا"- روبرت موسكين، مجلة "لوك"، العدد الصادر في 5/10/1965.
"هل سمعتم في تاريخ العالم عن سلام بين شعوب تفصلها جدران؟"- وزير خارجية فرنسا الأسبق ميشيل بارنيه.

لم تعد هذه الأكذوبة تنطلي على أحد  في عصر العولمة وثورة الاتصالات حيث أصبح من السهل توثيق الجرائم والمذابح الصهيونية التي تمارسها إسرائيل أولاً بأول ضد الفلسطينيين الذين تحتل أراضيَهم وتنتهك حقوقهم الإنسانية، وتضرب باحتلالها المتواصل للأراضي الفلسطينية عرض الحائط لكافة القرارات والاتفاقيات والمعاهدات الدولية ومبادئ القانون الدولي. فالفلسطينيون الذين يعيشون في الضفة الغربية والقدس الشرقية يرزحون تحت الاحتلال الاسرائيلي منذ عام 1967، فيما يعيش نحو مليوني فلسطيني في قطاع غزة تحت الحصار الإسرائيلي الظالم منذ الانسحاب الإسرائيلي من القطاع عام 2004. هذا الاحتلال وذلك الحصار- إلى جانب المستوطنات التي شيدتها إسرائيل في الضفة الغربية، والتي يسكن فيها  نحو نصف مليون يهودي اسرائيلي- تعد غير شرعية من وجهة نظر القانون الدولي وتقدم الدليل الدامغ- إلى جانب تنصلها من اتفاقياتها المعقودة مع الفلسطينيين، وعدم احترامها للقرارات الدولية- على أن إسرائيل دولة غير محبة للسلام.

وقد عبر الصحفي البريطاني دافيد هيرست عن مفهوم زعماء إسرائيل للسلام بقوله في مقال له في صحيفة "الاندبندنت" في 12/1/2014: "بالرغم من  معارضة شارون لاتفاقية السلام عام 1979 مع مصر، وتصويته ضد الانسحاب من جنوب لبنان فى عام 1985، ومعارضته مشاركة إسرائيل فى مؤتمر مدريد للسلام 1991، وتصويت الكنيست على اتفاق أوسلو فى عام 1993، وامتناع الكنيست عن التصويت لاتفاق السلام مع الأردن، وتصويته ضد اتفاق الخليل فى عام 1997، وإدانته طريقة تراجع إسرائيل لعام 2000 من لبنان، وبنائه بحلول عام 2002 لـ 34 مستعمرة يهودية غير شرعية جديدة على أرض عربية..  وبالرغم من شهرته بالبدلوزر، إلا أن الرئيس جورج دبليو بوش أطلق عليه لقب رجل السلام"..! كما انه من المعروف أن إسرائيل رفضت المبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمة بيروت العربية في مارس 2002، وتنكرت لاتفاقيتي أوسلو، وتحفظت على خريطة الطريق باثني عشرة تحفظًا، وأسقطت مبدأ الأرض مقابل السلام وأجهضت حل الدولتين، فكيف توصف بعد ذلك بأنها "دولة محبة للسلام؟".

ويعتبر صدور قرار الكنيست في 19/7/2018 الذي ينص على أن "إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي"، أكبر دليل على عنصرية دولة إسرائيل وعلى أنها "دولة" غير محبة للسلام، فالقانون بمفهومه العنصري الواضح ينسف كافة الجهود الإقليمية والدولية التي بذلت حتى الآن لحل قضية الشرق الأوسط، وفي مقدمتها المبادرة العربية للسلام وحل الدولتين.

وينبغي التذكير بأن قبول إسرائيل عضوا في الأمم المتحدة جاء بناءً على قبولها بشروط العضوية ومن أهمها أنه ينبغي عليها أن تكون دولة محبة للسلام، وقادرة على تحمل الالتزامات الواردة في ميثاق الأمم المتحدة وراغبة في ذلك، لكنها امتنعت عن تنفيذ كافة القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة والتي تطالبها بالانسحاب من الاراضي التي احتلتها في حرب يونيو 67 ووقف الاستيطان ووقف تغيير المعالم التاريخية  والدينية والحضارية لمدينة القدس.

وسؤالي للأخ الصديق: هل نقول إسرائيل دولة محبة للسلام حتى بعد أن جعلت القدس بأقصاها المبارك وصخرتها المشرفة عاصمة لها – أي سلام هذا الذي يبيح الاحتلال وتهويد أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين؟

* كاتب فلسطيني- الرياض. - ibrahimabbas1@hotmail.com