2019-10-30

القدس دوماً تلبي النداء..!


بقلم: راسم عبيدات

القدس لم يهزم لا اطفالها ولا شبابها ولا حرائرها ولا شيوخها ولا كهولها في معاركهم التي خاضوها.. وكانوا القدوة والأنموذج في كل الساحات والميادين.. في الهبات والإنتفاضات الشعبية.. في معارك الدفاع عن المقدسات والأقصى ومعركة البوابات الألكترونية في تموز 2017 على بوابات الأقصى خير شاهد ودليل على ذلك، ورفض المشاركة في انتخابات بلدية الإحتلال والمعركة المحتدمة حول محاولة تغيير الوضعين التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى بالسيطرة على باب الرحمة والقسم الشرقي من المسجد الأقصى.. واليوم في ظل ما تتعرض له مؤسسات القدس الكبرى من مشافي وشركة كهرباء القدس وغيرها من تقصير وإهمال وعدم وفاء السلطة بإلتزاماتها المالية والتي وصلت حد فقدان ادوية السرطان في صيدلية ومستودع مشفى المطلع، حيث تصل فاتورة العلاج لمريض السرطان ما بين 20 الى 40 ألف شيكل، وهذا العلاج لا يحتمل التأجيل او المماطلة والتسويف، فكل تأخير في العلاج قد يفقد المريض حياته.

هبت القدس عن بكرة أبيها إستجابة لمبادرة حرائر القدس بقيادة السيدة فادية فتيحة، واستعدت حرائر القدس لبيع جدائلهن وحليهن ومجوهراتهن من اجل توفير الأدوية والعلاج لمرضى السرطان وأطفال المدارس تبرعوا بمصروفهم اليومي، وزحف المقدسيون الى ساحة مستشفى المطلع للتبرع وهم مستمرون في تبرعاتهم معبرين عن أرقى أشكال التضامن والتكاتف والتعاضد والإنتماء، ولكي يوصلوا رسالتهم وصوتهم لكل المعنيين بالأمر من صناع القرار، بأنه لا يجوز لأحد مهما علا شأنه ان يعبث بالقدس ومؤسساتها، وبأن المقدسيين قادرون على تدبر امورهم، وهم لم يعودوا قاصرين، لكي يستمر البعض بالتعامل معهم بلغة "الفرمانات"، وتدوير المناصب، فالقدس ليست مزرعة او اقطاعية لأحد.

حملة التبرعات المستمرة من قبل المقدسيين، يجب ان يكون لها صندوق طوارىء خاص وبحساب خاص، توضع فيه التبرعات من الجمهور والمؤسسات واللجان الشعبية والقطاع الخاص، بشكل منفصل عن الصندوق التي تحوله اليه الحكومة إلتزاماتها المالية.

ما أعظمكم أيها المقدسيون فأنتم دوماً صناع المجد.. دوما طليعيين في كل الساحات والميادين والمجالات، مقدامين وسباقين لعمل وفعل الخير.. لا تبخلون بالجود والعطاء والتضحية.. أنتم اكبر من كل ألقابهم ونياشينهم.. انتم قادة بحجم وطن.

نعم اهلنا في القدس وفي كل الوطن تلبون النداء والواجب وتحفظون جيداً اتجاه البوصلة ولا تضيعونه.. في تواصلي المستمر مع مدير المستشفى الاستاذ وليد نمور.. قال بالحرف الواحد: "شعبنا معطاء ونتلقى مئات الإتصالات من فلسطين والعواصم العربية ومن كل أنحاء العالم من أجل التبرع.. الآن أشعر بأن هناك سياجا شعبيا ووطنيا لمؤسساتنا الطبية والوطنية في مدينة القدس".

نحن ندرك قيمة واهمية مثل تلك المبادرات، ولكن تلك المبادرات لا تشكل بديلاً عن قيام السلطة بالوفاء بالتزاماتها المالية تجاه مؤسسات القدس، تلك المؤسسات التي أصبحنا نقف كل عام أمام أزمة تعصف بواحدة منها او اكثر، ولذلك من الملح والضروري، رسم استراتيجية شمولية تخرج تلك المؤسسات من ازماتها، وتضع النقاط على الحروف، فيما يخص أي فساد إداري أو مالي في تلك المؤسسات، عبر أدلة وبراهين وحقائق، بدون نثر للإشاعات، او حملات التحريض والتشويه المنظمة والمبرمجة، فلا حصانة لأحد.

نحن ندرك بأن الإحتلال يهدف الى تصفية أي مظهر من مظاهر الوجود الفلسطيني في مدينة القدس، ويستهدف مؤسساتها بالإغلاق والتضيق عليها، فمنذ بداية هذا الإحتلال أغلقت 35 مؤسسة مقدسية، ومارس التضييق والخناق على عشرات المؤسسات الأخرى من اجل نقل مركز عملها الى خارج ما يسمى بحدود بلدية القدس.. وليس هذا فقط، بل أن الأمريكان شركاء مباشرين في العدوان على قدسنا، وتصفية وجود مؤسساتنا الوطنية فيها، حيث قطعت أمريكا المساعدة المالية التي كانت تقدمها لمشافي القدس والبالغة 20 مليون دولار، لكي تعمق من ازمة تلك المؤسسات، مترافقة مع ازمة مالية مرت بها السلطة الفلسطينية، نتيجة رفضها إستلام اموال المقاصة مخصوماً منها قيمة ما تدفعه السلطة من رواتب لعائلات الشهداء والأسرى، وهذا شكل ضغطاً كبيراً على مؤسسات القدس، وأدخلها في ازمات مالية ضاغطة، والسلطة لم تجعل من مؤسسات القدس أولية في اوجه صرفها، وهذا دفع الأمور لكي تنفجر في شركة كهرباء القدس ومشفى المطلع، ونحن واثقون بأن المؤسسات المقدسية، لا تريد الدخول في صراع مع السلطة، وبغض النظر انه في الأزمات، هناك من يسعى لتوظيف تلك الأزمات لخدمة اجندات ومصالح، قد تدخلنا في صراعات ومناكفات وإتهامات وتشويهات، ولكن بالمقابل لا يجوز شيطنة أي حراك ووسمه بالمتأمرين والمرتزقة والمأجورين، فالناس في مدينة القدس ملت من كثر الشعارات والوعود، وهي تريد خطوات عملية وجدية، تحمي وتدافع عن وجودهم وثباتهم ورباطهم في المدينة المقدسة.

المشروع الصهيوني يتسارع لتهويد المدينة أرضاً وأسرلتها سكاناً، ومخططات ومشاريع قلب واقعها الديمغرافي لصالح المستوطنين، لم تتوقف للحظة واحدة، وقد عبر قائد لواء شرطة الإحتلال لمدينة القدس السابق ميكي ليفي عن المخططات الرامية الى تجريد المقدسيين من الإقامة المؤقتة "الهوية الزرقاء"، والإنفصال عن 28 تجمعاً مقدسياً داخل جدر الفصل العنصري وحدود ما يسمى بلدية القدس، والهدف واضح التطهير العرقي، وما يمارس من عقوبات جماعية بحق سكان بلدة العيسوية والتنكيل اليومي بهم بشكل يومي، من قبل اجهزة الإحتلال الأمنية والمدنية، بشكل ممنهج ومنظم يندرج في هذا الإطار والسياق، ولذلك المطلوب من السلطة والمنظمة أن تتحملان مسؤوليتهما تجاه مؤسسات القدس وسكان المدينة في مختلف المجالات والميادين، فـ 78% من سكان مدينة القدس دون خط الفقر، والإحتلال "يتغول" و"يتوحش" عليهم في أدق تفاصيل حياتهم..!

* كاتب ومحلل فلسطيني يقيم في مدينة القدس. - Quds.45@gmail.com