2020-01-04

قراءة سياسية في أهداف إسرائيل..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

فوزه في انتخابات "الليكود" بنسبة كبيرة تصل إلى 79% على منافسه جدعون ساعر، هو فوز متوقع نظرا لإرتباط مصير "الليكود" بقوة شخصية بنيامين نتنياهو في هذه المرحلة رغم ملفات الإتهامات الموجهة له.

لا يعيننا كثيرا هذا الفوز، لكن ما يعنينا الأهداف الستة التي اعلنها نتنياهو، والتي قد تشكل تحولا في الإستراتيجيات والأهداف العليا لإسرائيل، وكيف ترى مستقبلها وسط زخم من التحولات الإقليمية والدولية التي ليست ببعيدة عن إسرائيل، بل إن إسرائيل تقع في قلب هذه التحولات التي تشهدها المنطقة العربية.

إسرائيل كدولة قوة، وهذا ما يميزها عن بقية الدول العربية، إذ انها ليست مجرد شاهد على هذه التحولات، ولا تقبل دور الإنتظار لتداعياتها، بل تقوم بدور الفاعل والمحرك لها بما يتفق ومصالحها وأولوياتها الأمنية.

وتدرك إسرائيل أنها في قلب منظومة جغرافية وسياسية وهوياتية ليست جزءا منها، فلذلك تقوم علاقاتها معها دائما على اكثر من إعتبار ومحدد، الأول: داخلي، التفوق النوعي في بنية القوة وإحتفاظها دائما بالتربع على سلم هذا الميزان، وفرض أولوياتها الأمنية على أي إعتبار وألوية أمنية لأي دولة عربية، ولذلك في هذا البعد تقوم سياساتها على الحيلولة دون قوة المنطقة، والحيلولة دون وجود دولة مركزية قوية، والحيلولة دون منافسة أو السماح للقوى الإقليمية الصاعدة مثل إيران وتركيا بالسيطرة والهيمنة، وتقوم على تنمية النعرات او الدويلات المذهبية والطائفية.. بمعنى التغلب على الدولة الوطنية العربية القوية وتفكيكها، إدراكا منها أن المشروع العروبي يناهض مشروعها الصهيوني الذي يقوم على إسرائيل الكبرى بمجالها الأمني. وفي البعد الخارجي تقوم سياسة إسرائيل على بناء التحالفات مع الدول القوية والمتحكمة في النظام والقرار الدولي بدءا من بريطانيا واليوم الولايات المتحدة، والتنويع في هذا التحالفات كما روسيا والصين وبناء شبكة قوية مع بعض الدول الإقليمية الصاعدة القوية كالهند، وتقوم سياستها أيضا على التحرر من قيود العضوية في المنظمة الدولية، وإخضاع الشرعية الدولية لأمنها وألوياتهأ، فهي تعتبر نفسها فوق القانون الدولى وفوق العقاب الدولي وهذا بفضل الفيتو الأمريكي الذي يحميها من تطبيق الفصل السادس والسابع لميثاق الأمم المتحدة عليها.. وفي هذا السياق تأتي الأهداف الستة التي أعلن عنها نتنياهو، والتي تحتاج منا إلى قراءة هادئة وموضوعية لأن عليها يفترض ان تبنى الخيارات الفلسطينية.

إبتداءهذه هي الأهدا ف الستة التي اعلنها نتنياهو والتي قد تكون مدخلا له لتجديد رئاسته وفوزه في الانتخابات القادمة. اول هذه الأهداف تحديد الحدود النهائية لإسرائيل، وهو بهذا الهدف يشكل تحولا في رؤية إسرائيل لحدودها. فكما هو معلوم إسرائيل الدولة الوحيدة في العالم التي لم تحدد حدودها، فهي دولة مفتوحة الحدود، وحدودها ترتبط بتصوراتها لمجالها الحيوي الذي يتجاوز الحدود الجغرافية، ولو اخذنا بالحدود الجغرافية نلاحظ االحدود التي أعلنها القرار الأممي 181 والذي حدد حدودها ومساحتها بـ 53% من مساحة فلسطين الإنتدابية، ثم مرحلة التوسع مع حرب 1948 لتضم ما يقارب الـ 80%، ثم مرحلة التمدد مع حرب 1967 لتضم كل مساحة فلسطين، والآن مرحلة التمكين والإعلان الرسمي عن الحدود والتي تكتمل بضم منطقة غور الأردن وضم كل الكتل الإستيطانية، اي السيطرة الأمنية الكاملة على الضفة مع إسقاط مساحة غزة التي تقارب الواحد في المائة من مساحة فلسطين، وهذا يعني أن مفهوم الحدود النهائية لإسرائيل يعني كل فلسطين ورفضا قاطعا لأي دولة فلسطينية في الضفة الغربية.

وثلاثة من أهدافه تتعلق برؤية إسرائيل لعلاقاتها بالولايات المتحدة، إدراكا منها وفي ظل المعطيات الجغرافية والبشرية التي تحكم علاقاتها بالمنظومة العربية لن تقوى على البقاء وتحقيق أهدافها بدون دعم أمريكي مطلق. فإسرائيل تريد ما هو أبعد من العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة، وإدارة الرئيس ترامب إدارة غير مسبوقة او هي المؤهلة لما تريده إسرائيل. فهي من أعلنت موافقتها على القدس عاصمة لإسرائيل وشرعنت المستوطنات وضم الجولان، والان تريد علاقات تحالفية دفاعية بمعنى عقد تحالف دفاعي ملزم للولايات المتحدة وإعترافا بكل مستوطناتها وعدم السماح بقيام الدولة الفلسطينية، أي تحقيق هدفها الأول.
ويتوقف على هذه العلاقات الجديدة مع الولايات المتحدة تحقيق الهدف الخامس والمتعلق بعدم السماح لأي قوة إقليمية بالبروز وتهديد إسرائيل، وهنا المقصود حسم قوة إيران وتمددها وإنحسارها من سوريا.
وأخيرا لا تكتمل مرحلة التمكين السياسي الكامل لإسرائيل إلا بالضغط على الدول العربية لإقامة علاقات سلام وتطبيع كاملة..!

هذه الأهداف تشكل الإستراتيحية العليا لإسرائيل، وأخطر ما في قراءتها تجاهل حل الدولتين او أي تفاوض مع الفلسطينيين، والإشارة الضمنية ان حدود الفلسطينيين لا تتعدى سلطة حكم ذاتي موسع تعنى بخدمات السكان ترتبط بالأردن وإن لم يعلن ذلك صراحة.

ويبقى السؤال كيف سيتعامل الفلسطينيون مع هذه الأهداف وهذه الإستراتجية الإسرائيلية الجديدة في السنوات المقبلة، بوجود نتنياهو أو عدمه؟

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com