2020-01-19

غوشة أصغر مؤرخي فلسطين: تحية وسلامًا..!


بقلم: د. إبراهيم فؤاد عباس

السبت 18 يناير 2020 كان موعدًا مع القدس ممثلة  بهذا الشاب المقدسي المبدع  الذي  يجيد التخاطب مع التاريخ.. وأي تاريخ؟ يجيبك بصمت: "أنا قطعة من القدس تمشي على الأرض"..  إنه  د. محمد هاشم أبو غوشة.. يذكرك بمصطفى مراد الدباغ وعارف العارف ووليد الخالدي.. يحضر وتحضر معه القدس أغنية ووثيقة.. براقًا ومنبرًا وكنيسة.. بوابة وسوقًا.. زيتونة وسراجًا.. يخاطبها من أرض تعرفها من زمن إبراهيم الخليل.. فترد التحية صبرًا وصمودًا وأنينًا.

وغوشة كالحسيني، والخالدي،  والنشاشيبي، والدجاني، والبديري، والفتياني، ونسيبة، والعفيفي، والخطيب.. عائلات مقدسية عريقة تشهد على عروبة القدس ووجهها الحضاري الذي يزداد إشراقًا مع الزمن رغم الأوجاع والمعاناة والألم.

والقدس نهار ذلك اليوم كانت حاضرة بقوة في بيت السيدة سعاد الحسيني الجفالي ليس فقط باللوحة المقدسية النادرة التي تزين أحد جدرانه، وبكل ما يرمز للقدس من مقتنيات مقدسية هنا وهناك، وإنما أيضًا  بالحضور الرائع لهذا الشاب النجيب ابن القدس المتحدث باسم تاريخها وكنوزها وضميرها ووجعها وتراثها وشهدائها.. والحقيقة لم يكن هذا اللقاء أول عهدي به، فولعي بالقدس كان يجعلني دائمًا اقتني أي كتاب يصدر عنها.. وكم كانت دهشتي عندما ابتعت كتابًا باسم "القدس الشامخة عبر التاريخ" في بداية التسعينيات على ما أذكر، لأفاجىء بأن المؤلف هو طفل في الخامسة عشرة من عمره.. هو هذا الشاب الذي أصبح علمًا من أعلام القدس وعلمائها الذين يطرزون تاريخها العربي الإسلامي العتيد.

هذا الكتاب كان بداية المسيرة في رحلته الطويلة عبر القدس التي توجها بموسوعته "إنسيكلوبيديا باليستينكا"  التي صدرت في يناير العام الماضي، والتي  تقع في أربعة وعشرين جزءًا وسبعة آلاف صفحة باللغة الإنجليزية أمضى  د. غوشة اثني عشر عامًا في تأليفها.  ولم يكن الوقت ليتسع حتى ليتصفح المرء جزء أو جزأين  من هذه الموسوعة الضخمة  التي تصدرت البهو الكبير في القصر، وهو ما جعل سمو الأمير حسن بن طلال يصف ذلك العمل بأنه أهم عمل أكاديمي صدر عن فلسطين في مئة عام.

هذا العمل المبهر، بجانب أكثر من ثلاثين مؤلف آخر، جعله يستحق العديد من الجوائز كان أحدثها وأكبرها جائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية بجدارة ليكون ثالث فلسطيني يحصل على هذه الجائزة المرموقة بعد د. محمد يوسف نجم ود. إحسان عباس. ويمكن لمس أهمية هذا العمل الموسوعي الضخم من خلال اقتناء البنتاجون له، والعديد من المكتبات الجامعية المشهورة عبر العالم، وتقديمه لبابا الفاتيكان.

والحقيقة كل شىء كان في ذلك الملتقى الراقي (أوريجينال) : صور الموسوعة عن الحياة في القدس التي تشهد أنها لم تكن قط – كما يروج الصهاينة – أرضًا بلا شعب، الإلقاء الشعري الجميل  للدكتور غوشة وكأنها الياذة  فلسطينية، أغنية لأم كلثوم عن القدس لم أسمعها من قبل.. والمستوى الثقافي والحس الوطني العروبي الصادق للمدعوين من عشاق أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين الذين أثبتوا أن القدس رسالة سعودية في المقام الأول.. والقدس عنوان الجائزة تحية أمير منطقة مكة المكرمة سمو الأمير خالد الفيصل.. وكلمة قصيرة اختتمها بكلمات لم أجد عناءً في وضعها في إطارها الصحيح: ليكن مثل هذا العمل سلاحنا الأمضى في مقاومة المحتل الغاصب.

* كاتب فلسطيني- الرياض. - ibrahimabbas1@hotmail.com