2020-01-22

ذكرى وتاريخ بطل افريقي..!


بقلم: عمر حلمي الغول

هناك اشخاص لا ينساهم التاريخ، ولا يستطيع حتى أعداءهم، وخصومهم نفيهم من ذاكرة شعوبهم. حفروا اسماءهم، ودونوا تاريخهم بأحرف من نور وذهب في سجلات الكفاح الوطني التحرري الأفريقي والأممي، من بين الإسماء الخالدة في النضال، المناضل الكونغولي البطل، بارتيس لومومبا، الذي حلت ذكرى إغتياله ال59 من قبل الجيش البلجيكي قبل ايام قليلة. كونه ارغمهم (البلجيكيين) على الرحيل عن الكونغو عام 1960، وفرض عليهم الإذعان لإرادة الشعب الكونغولي، الذي إنتخب قائد فصيل الحركة الوطنية (لومومبا)، رغم مشاركة مائة حزب في الإنتخابات في مايو/ ايار 1960، وتولى رئاسة الوزراء مع نهاية ايام الإستعمار البلجيكي وبزوغ فجر الإستقلال في 23 حزيران/ يونيو 1960.

غير ان المستعمرين البلجيكيين لم يمهلوا لومومبا كثيرا في قيادته لوطنه وشعبه، فلم تهنأ البلاد سوى إسبوعين من الإستقلال الحقيقي، بعدها عادت البلاد لدوامة الإزمات والتناقضات الداخلية، التي غذتها بلجيكا وأميركا آنذاك، بعد ان فشلت (بلجيكا) في العودة من الشباك لإدارة شؤون الكونغو. لإن لومومبا كان لها بالمرصاد، وهو ما منحه شعبية كبيرة في اوساط شعبه والنخب السياسية والثقافية بفضل جهودة وعطائه دفاعا عن الشعب وحرية وإستقلال وطنه الكونغو.

جاء بارتريس لومومبا للكفاح التحرري الوطني من عائلة ميسورة، سمحت له ظروفه بالحصول على العلم زمن الإستعمار البلجيكي، وهو ما أسهم في تنويره، وتبنيه خيار النضال والدفاع عن بلده وشعبه. فاسس الحركة الوطنية عام 1958، وبرز كزعيم وطني من خلال قيادته المظاهرات والإضرابات ضد المستعمرين البلجيكيين، وأعتقل مدة ستة اشهر. ولكن الشعب الكونغولي أرغم سلطات الإستعمار نقله من سجن تايسفيل إلى بلجيكا للتفاوض على الإستقلال. وهو ما حصل عليه الشعب الكونغوليعام 1960. إلآ ان الإستقلال تعرض للعبث من خلال تأجيج الصراعات الداخليه، حيث حصل تمرد عسكري في الجيش، وحدث إنفصال ولاية كتانغا، اهم إقليم في الكونغو بدعم من بلجيكا، كما حدثت إضطرابات عمالية ..إلخ.

وعندما حاول لومومبا الإستعانة بالأمم المتحدة لتوحيد بلاده، جوبه بتدخلها ضده، وألبوا عليه أصدقائه وحلفائه الأساسيين بدعم بلجيكي أميركي وأمم متحدة، وحتى رئيس الجمهورية، كازافونو، إنقلب عليه، مع ان صلاحياته تشريفية، غير انه أعلن عن إقالة الحكومة. إلا ان مجلس الشيوخ تصدى له، ورفض القرار غير الدستوري. لكن المؤامرة لم تتوقف ضد الرجل، فتم إنفصال مقاطعة كازائي، واتحادها مع كتانغا. مما سمح لرئيس هيئة الأركان موبوتو بإستغلال الفوضى في البلاد، وقاد إنقلاب عسكري، هو الأول من نوعه في افريقيا آنذاك. والقي القبض على لومومبا وإثنين من رفاقه الخلص، وأعدموا من قبل ضابط بلجيكي يقود كتيبة، يدعى جيرارد سويت في 17 كانون ثاني / يناير 1961، وخلال ساعات قليلة تم تقطيع اوصالهم، وإذابتها في حمض الكبريتيك. وقد إعترف سويت بفعلته في لقاء تلفزيوني عام 1999. وعند إعتقال لومومبا في مطار إليزابثتفيل كان هناك ستة جنود سويديين تابعين للأمم المتحدة. وهو ما يدلل على تورطها في العملية.

وكان لومومبا متزوجا من باولين، كتب لها رسالة من السجن (تاسيفيل) قبيل إعدامه، ولإهميتها وما تضمنته من دلالات سياسية وكفاحية، ويقين بإنتصار قضية شعبه، وشعوب الأرض المكافحة، اشعر من الضروري نشرها في المقال بهدف تعميمها، والإستفادة من تعاليم البطل الأفريقي، جاء فيها:
أكتبُ إليك هذه الكلمات، وأنا لا أعرف ما إذا كانت ستصل إليك أم لا، أو ما إذا كنت سأكون على قيد الحياة عندما تقرأيها.
طوال كفاحي من أجل استقلال بلدنا، لم أشك أبداً في انتصار قضيتنا المقدسة، التي كرستها أنا ورفاقي طوال حياتنا.
ولكنَّ الشيء الوحيد الذي أردناه لبلدنا هو الحق في حياة جديرة بالكرامة دون ذريعة والاستقلال دون قيود.
لم تكن هذه أبدًا رغبة المستعمرين البلجيكيين وحلفائهم الغربيين، الذين تلقوا دعمًا مباشرًا أو غير مباشر، علنيًا أو مخفيًا، من بعض المسؤولين الرفيعي المستوى في الأمم المتحدة، الهيئة التي وضعنا عليها كل أملنا عندما ناشدناها للمساعدة.
لقد قاموا بإغواء بعض مواطنينا واشتروا آخرين وفعلوا كل ما في وسعهم لتشويه الحقيقة وتشويه استقلالنا.
ما يمكنني قوله هو أنّ هذا الأمر - حياً أو ميتاً - حراً أو في السجن - لا يتعلق بي شخصياً.
الهمُّ الرئيسي هو الكونغو، شعبنا التعيس، الذي يُداس استقلاله.
لهذا السبب حبسوني في السجن ولهذا أبعدونا عن الناس. لكنَّ إيماني لا يزال غير قابل للنقض.
أعلم وأشعر عميقًا في قلبي أنَّ أبناء شعبي إنّ عاجلاً أم آجلاً سيخلصون أنفسهم من أعدائهم الداخليين والخارجيين، وأنهم سوف ينتفضوا من أجل قول "لا" للاستعمار، بجرأة، وينهون الاستعمار، من أجل كسب كرامتهم في أرض محررة.
نحن لسنا وحدنا. إنَّ إفريقيا وآسيا والشعوب الحرة والشعوب التي تكافح من أجل حريتها في جميع أنحاء العالم ستكون دائمًا جنبًا إلى جنب مع الملايين من الكونغوليين الذين لن يتخلوا عن النضال بينما يوجد مرتزق أو مستعمر واحد في بلدنا.
لأبنائي، الذين سأغادرهم والذين ربما لن أراهم مرة أخرى، أريد أن أقول إنَّ مستقبل الكونغو رائع وأنني أتوقع منهم، كما هو الحال من كل الكونغوليين، إنجاز المهمة المقدسة المتمثلة في تحقيق استقلالنا واستعادة سيادتنا.
بدون كرامة لا توجد حرية، وبدون عدالة لا توجد كرامة وبدون الاستقلال لا يوجد رجال أحرار.
إنَّ القسوة والشتائم والتعذيب لا يمكن أن تجبرني أبدًا على طلب الرحمة، لأنني أفضل أن أموت برأس مرفوع، بإيمان لا يقهر وإيمان عميق بمصير بلدنا بدلاً من العيش بذل ونبذ المبادئ المقدّسة.
سيأتي اليوم الذي سيتحدث فيه التاريخ. لكنه لن يكون التاريخ الذي سيتم تدريسه في بروكسل أو باريس أو واشنطن أو الأمم المتحدة.
سيكون التاريخ الذي سيتم تدريسه في البلدان التي انتزعت حريتها من الاستعمار.
ستكتب إفريقيا تاريخها، وفي الشمال والجنوب على السواء سيكون تاريخ المجد والكرامة.
لا تبكي من أجلي، أعلمُ أنَّ بلدي المعذب سيكون قادرًا على الدفاع عن حريته واستقلاله...

تحيا الكونغو!
تحيا افريقيا!

تجربة لومومبا قصيرة زمنيا، لكنها غنية ومشبعة بالدروس والقيم التاريخية والمعاصرة. وتؤكد ان الإنتصار على المستعمرين يكون بالتمسك بالأهداف الوطنية، والعمل في اوساط الشعب وبالشراكة مع فصائل الحركة الوطنية هنا أو هناك، وعدم الرهان على القوى الأخرى، والإعتماد على الذات في توحيد البلاد والطاقات، وعدم خشية المستعمرين مهما إمتلكوا من الأسلحة، واي كانت موازين القوى. كما ان الكفاح التحرري يستدعي تمثل إرادته وأهدافه في كل المنعطفات السياسية حتى نيل الحرية والإستقلال وتقرير المصير.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com