2020-02-16

إسرائيل ما بين فلسطين والفلسطينيين..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

لعل الإشكالية الكبرى التي تواجه إسرائيل انها جاءت على نفس الأرض التي نشأ وعاش عليها الفلسطينيون آلاف السنين، وأنها تريد هذا الأرض كاملة لها لتحقيق نبؤاتها الدينية، وهي نجحت أولا في في قيام دولة على المساحة التي أقرتها لها الأمم المتحد وفقا لقرار 181 بمساحة تقارب الـ55 في المائة، والقدس تحت الوصاية الدولية، ثم نجحت في المرحلة الثانية بعد حرب 1948 ان تمدد هذه الدولة على ما مساحته 80 في المائة، أي ما نبسته 25 في المائة، ثم مرحلة التمدد الثالثة بعد حرب 1967 لتضم كل فلسطين بكل من يعيش عليها من شعبها لتجد نفسها امام إشكالية كبرى في كيفية الجمع بين الأرض والسكان.

فهي تريد مسح فلسطين من على الخارطة السياسية للمنطقة كلها، وتريد ان يحل محلها دولة إسرائيل اليهودية. وكانت عينها على منطقة الضفة الغربية لأسباب كثيرة انها تشكل ما نسبته 19 في المائة من مساحة فلسطين، وانها تتسم بأهمية إستراتيجية وجيوسياسية كبيرة ومنطقة العمق القلب لنواة دولتها الكبرى، وتسكنها غالبية الشعب الفلسطيني، ولعل الظروف التاريخية قد ساعدتها ووفرت لها فرصا تاريخية كبيرة حيث ان معظم المنطقة الفلسطينية بقيت خالية من سكانها بسبب التجمع السكاني في قلب المدن الفلسطينية في الضفة فكانت فرصتها بالشروع بعملية بناء إستيطاني كبيرة تكتمل بها مفهوم إسرائيل الكبرى، فقامت وبسهولة بمصادرة الآراض وبناء المستوطنات وملأها بالمستوطنين بهدف تحقيق معادلة سكانية أولا ثم تفوقا على العنصر السكاني، وكان لها ذلك بوصول المستوطنين اليوم لأكثر من 650 الف مستوطن في الضفة و400 ألف آخرين في منطقة القدس. 

ولعل مما ساعد أيضا على هذا البناء الإستيطاني إتفاق أوسلو الى منحها فترة هدوء سياسي لتبني مستوطناتها بدون مقاومة تذكر، ولتحقق إنجازا بإعتراف أمريكا على لسان وزير خارجيتها بشرعنة المستوطنات، تمهيدا لمرحلة ضم منطقة غور الأردن الإستراتيجية والتي تفصل فلسطين عن عمقها العربي، وتحولها لمنطقة جغرافية معزولة في داخل كانتونات ومناطق عزل جغرافية، وكل هذا لهدف إستراتيجي وهو شطب إسم فلسطين والتعامل معها كمجموعات سكانية لهم بعض الحق الاقتصادية والإجتماعية ولا ممانعة من سلطة حكم ذاتي فلسطينية ذات طبيعة إدارية بدون أي سلطات سيادية، وهي من سمات ومكونات أي دولة، والخيار الثاني تفعيل الخيار البديل وهو الأردن كدولة.

وفي هذا السياق يمكن فهم المقاربات الإسرائيلية في التعامل مع غزة التي من منظورها لا تزيد أيضا عن كتلة سكانية كبيرة تصل لمليونيين نسمه، فهنا في نموذج غزة الضغوطات اقل بكثير من الضفة الغربية، من ناحية مساحة صغيرة جدا لا تصلح لقيام دولة قوية مستقلة قابلة للحياة، ومن ناحية أخرى خصائصها الجغرافية والجيوسياسية تجعل منها منطقة يمكن التحكم في كل مداخلها البرية والبحرية والجوية، ففي النهاية وإن كانت تقع في قلب الدائرة الأولى لأمنها لكن يمكن التحكم فيها من خلال خيار سيناريو الحرب المستمرة التي تجهض قدرات المقاومة بها، ومن خلال الحصار المسيطر عليهأ او من خلال التوصل لهدئة طويلة المدى تنزع من المقاومة سلاحها. وتجعل من غزة منطقة حياة وسكن، وحتى في حال تحولها لكينونة سياسية مستقلة فهذا يصب في تحقيق هدفها الإستراتيجي وهو شطب إسم فلسطين كدولة وكإسم سياسي، وهذه هي وظيفة الإنقسام السياسي الذي تعمل إسرائيل على تحويله لحالة فصل سياسي مستفيدة من الإنقسام، ورغبة "حماس" بقيام كينونة لها تحفظ لها بقائها وتساعدها في ذلكعوامل إقليمية كدور دول مثل تركيا وقطر والأخوان، ولا تمانع إسرائيل لهذا الدور طالما أنه يصب في تحقيق هدفها الإستراتيجي وهو شطب إسم فلسطين كدولة.

ويبقى المستوى الثالث لشطب فلسطين الملف اللاجئيين الفلسطينيين، وقد بدأت خطوات نزع الشرعية والتفكيك، ولعل اكبر تواجد للمخيمات في الأردن ولبنان، وكما يبدو لنا السياسات التي تمارسها بدعم أمريكي بتوطين كامل للاجئين الفلسطينيين في لبنان مع توسيع هذا المفهوم. وهذا قد يفسر لنا الضغوطات التي تتعرض لها الأردن، وهنا تتعددد الوسائل بإغراءات الهجرة، وتقليص دور الوكالة وخدماتها. واما اللاجئون الفلسطينيون في سوريا فهم الآن في مرحلة هجرة قسرية، ولا يبقى الا التعامل مع المخيمات في داخل الآراضي الفلسطينية واليوم التعامل معهم ليس كلاجئين بل كمجرد عدد او رقم يضاف للسكان، وبالعمل الجاد على إنهاء دور الوكالة في داخل فلسطين تمشيا مع هدف شطب إسم فلسطين.

هذه هي مقاربات إسرائيل في التعامل مع القضية الفلسطينية التعامل معها ليس كدولة بل ككتل سكانية بحقوق إقتصادية وإجتمناعية وقليل من الحقوق السياسية التى لا تصل لمستوى السياده وهذا هو مضمون "صفقة القرن".

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com