2020-02-18

الضم.. في صندوق الاقتراع الصهيوني


بقلم: محمد أبو شريفة

تشهد أجواء الانتخابات الاسرائيلية الحالية - وهي الثالثة التي تجري في أقل من عام -  الكثير من المزايدات بين الأحزاب اليمينية الصهيونية، ويتصدر رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو حملته الانتخابية بفرض مبادرته الجديدة القديمة ضم أراضي غور الأردن إلى أراضي الاحتلال، والتعهد أمام الأحزاب اليمينية المتطرفة وعموم الناخبين الصهاينة بفرض السيادة على المستوطنات في الضفة الغربية وضم ما يسمى بالمنطقة (ج). وأكد في عدة مناسبات أنه "لن يقتلع أي مستوطنة في أرض اسرائيل، بموجب أي خطة سياسية، لا يهودية ولا عربية".

ويرى البعض أن مثل هذا الإعلان الاستيطاني جاء في توقيت يعاني فيه نتنياهو من مخاوف شتى أبرزها تراجع شعبيته واحتمال خسارة انتخابات الكنسيت الـ23 التي ستجري في مطلع آذار(مارس) المقبل، وحينها من المحتمل أن يواجه مصيره بالسجن بسبب قضايا الفساد التي تطارده. كما أن توقيت الإعلان بحسب مراقبين جاء ليرجح فرضية تعزيز الدعم الأميركي له في كسب الانتخابات وتأمين غطاء لمساعيه الاستيطانية بعد أن وجه له الرئيس الاميركي دونالد ترامب دعوة لزيارة البيت الأبيض لمناقشة بنود ما يسمى (صفقة القرن) قبل إعلانها المرتقب. وبلغت ذروة الاستقطاب بين الأحزاب الصهيونية المتنافسة بتحويل موضوع أراضي المنطقة "ج" في الضفة الغربية إلى ورقة مقايضة بين أقطاب كتلة اليمين  حيث تهامست أوساط سياسية وإعلامية عبرية خبرا عن نتنياهو مفاده أنه "مستعد للتخلي عن طلب الحصانة مقابل أن ينظم له بيني غانتس رئيس حزب (أزرق ابيض) في مبادرته لاستصدار قرار من الكنسيت بوضع منطقة غور الأردن وشمال البحر الميت  تحت السيادة الإسرائيلية". الأمر الذي اعتبره المراقبون بمثابة مصيدة لحزب "أزرق ابيض" والتي تباينت مواقف كتلها الثلاثة ازاء هذه المبادرة، فقد صرح موشي يعالون رئيس حزب (الحركة الوطنية لرجال الدولة)  بوجوب "ضم غور الأردن والكتل الاستيطانية في الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية بقرار من جانب واحد" بينما دعا يائير لابيد رئيس حزب (هناك مستقبل) إلى "التوافق وانجاز ذلك بغطاء وتنسيق دولي".

ويبدو أن حزب "الليكود" لم يعد بجعبته ما يؤهله إلى دخول المزادات الانتخابية وضمان الفوز سوى الحديث العلني عن فرض السيادة على المستوطنات التي طالما أجل الخوض فيها بالسنوات الماضية. وهذا الطموح لا يعني بالضرورة تجميد أو نسيان الطموح التوسعي الاستيطاني الذي يقضم الأرض ويكرس واقع احتلالي جديد وخطير يهدد الحقوق التاريخية الفلسطينية. فلم تتوقف المخططات والمشاريع الاستيطانية أثناء المفاوضات التي بدأت منذ نحو ربع قرن، وبالرغم من  تأجيل البت في مستقبلها إلا أن  البناء الاستيطاني تغلغل وتصاعد بعد اتفاقيات اوسلو، وحظي بدعم غير مسبوق من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي ألغى التحفظات السابقة لرؤساء الولايات المتحدة من قبله، وشجعت إدارته حزب الليكود على المضي في انجاز المشاريع الاستيطانية، ودفعه بالانتقال من مرحلة "التوسع الاستيطاني" إلى مرحلة "ضم الأراضي الفلسطينية لإسرائيل". وفي المقابل نلاحظ أن   تكتل بيني غانتس (أزرق أبيض) لم يشذ في مواقفه الانتخابية عن "الليكود" وأعلن في حملته الانتخابية على ضرورة الحفاظ على أمن الكيان الصهيوني من خلال الإبقاء على غور الأردن والكتل الاستيطانية في الضفة الغربية تحت سيادة الاحتلال الإسرائيلي، وأكد غانتس أننا "لن نعود لحدود عام 1967 وسنبقي على القدس موحدة، ولن نقوم بخطوة أحادية الجانب".

وتصاعدت المطالبات العلنية من الأحزاب الصهيونية المتنافسة لفرض سيادة اسرائيل على المستوطنات وأراضي المنطقة "ج" التي تمثل نحو 60 في المئة من عموم مساحة أراضي الضفة الغربية، ويسكنها نحو مئتي الف مواطن فلسطيني في مقابل نصف مليون مستوطن. وأدى شعار فرض سيطرة الاحتلال على المستوطنات إلى فتح شهية اليمين المتطرف بإعلان وثيقة مبادئ تنص على أن "إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، وتضمن الحقوق الفردية والمساواة لجميع مواطنيها، ومعارضة إقامة دولة فلسطينية، وفرض السيادة الإسرائيلية على مناطق في يهودا والسامرة". وتم إطلاق حملة توقيع على هذه الوثيقة يتعهد فيها المرشحون لعضوية الكنيست بالعمل من أجل ضم المنطقة "ج" إلى السيادة الإسرائيلية. ولسان حالهم يقول إن المستوطنات باتت أمرا واقعا ولا مجال للتفاوض حولها.

في الواقع، ليست الخطوات والاجراءات الاستيطانية وليدة اللحظة الراهنة أو انها ظهرت فجأة من خلف الكواليس بل هي مخططات استراتيجية واضحة ومتفق عليها ويعلن عنها الكيان الصهيوني بكل صراحة ووقاحة وبأنه لم يعد يبالي بقرارات الشرعية الدولية ولا بالاتفاقيات الموقعة معه، وأن المشروع الاستيطاني لم يعد قاصرا على الأحزاب اليمينية في كيان الاحتلال بل بات يشكل نهجا سياسيا تتعهد المؤسسات الصهيونية على تنفيذه ورفض أي خيارات لحلول سياسية، وغالبا ما تؤدي في نهاية المطاف إلى تأجيج عوامل الصراع في فلسطين والمنطقة عموما.

* كاتب فلسطيني. - mohabo00@hotmail.com