2020-02-19

المؤسسة السياسية والجيش ورضا الشعب..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

المؤسسة ورضا الشعب دعامتان أساسيتان للنظام الديمقراطي، فالمؤسسية نقيض للشخصانية والفردانية التي تقوم عليهما الأنظمة الأبوية السلطوية. والمؤسسية أحد أعمدة الحكم الرشيد، وتقوم على التخصص الوظيفي وتوزيع السلطات، وعدم إحتكارها في مؤسسة واحدة، أو في تنظيم أو جماعة.

والمؤسسية تنقسم إلى: 1) المؤسساتية السلطوية ويقصد بها السلطات الثلات التقليدية المتعارفة في علم السياسة التنفيذية والتشريعية والقضائية، والعلاقة بينهما يحكمها طبيعة النظام السياسي رئاسي أو برلماني، لكنها في كل الأحوال تقوم على الفصل في وظائفها، والحيلولة دون تغول إحداهما على الأخرى، وهنا كما نرى في نظام الكوابح والجوامح الذي يحكم العلاقة بين السلطات الثلاث في الولايات المتحدة.

وكما يقول مونتسيكيو السلطة تحد من السلطة، والهدف الحفاظ على ديمقراطية النظام، والمؤسساتية تبقى والشخص يذهب، وهو ما يضمن الإستمرارية وإستقرار النظام السياسي، وهذا أحد أهداف النظام الديمقراطي الرشيد.

2) والمستوى الثاني الذي يكمل الشبكة المؤسساتية هي مؤسسات المجتمع المدني، والتي تقوم بوظيفة كبح النظام السياسي او السلطة من التغول والإنحراف، فتحدث قدرا من التوازن السياسي، فهي تمارس وظائف مهمة وضروية لتجديد وتفعيل النظام السياسي الديمقراطي والحفاظ على حيوته وفعاليته، فهي تقوم بوظيفة التجنيد السياسي أي تهيئة المواطن لممارسة الوظيفة السياسة، ووظيفة التنشئة السياسية بزرع الثقافة والقيم الديمقراطية وأساسها المواطنه العامة، ووظيفة المشاركة السياسية في الحياة السياسية العامة والمشاركة في الانتخابات.

وتعتبر مؤسسات المجتمع المدني أحد أهم الركائز الاجتماعية للديمقراطية، فالديمقراطية تقوم على جناحين: المؤسساتية السياسية والمؤسساتية المجتمعية، وكلاهما يكمل الآخر. والركيزة الرئيسة التي تعرف بحجر الأساس لأي نظام ديمقراطي هو رضا الشعب، فالأصل في تعريف الديمقراطية حكم الشعب وبواسطة الشعب وللشعب. هذا التعريف نحن في حاجة ماسة لإستعادته اليوم لفهم التحولات السياسية في عالمنا العربي وما لمسناه من دور مهم وحيوي وحتمي للمؤسسة العسكرية الحامية للنظام السياسي في مصر والجزائر. فالأساس في الحكم هو الشعب لأن الحكم لا يكتمل إلا بقاعدته الشعبية، بمعنى أن الحاكم لا يشعر انه حاكم إلا إذا توفر له رضا من يحكمهم، والحكم غايته رضا الناس، وحفظ كرامتهم الوطنية. وأي حكم يعمل على تحقيق هذا الهدف فهو للشعب أيا كان شكل الحكم، المعيار هنا بالرضا، وما يميز الحكم الديمقراطي هو هذا الهدف، وعليه يمكن ان نطلق هذا الحكم على أي نظام حكم يحقق نفس الغاية.

ولتحقيق هذه الغاية يتم الحكم بواسطة، وهنا الأشكال تتعدد، والمقصود بذلك ان يختار الشعب من يحكمه، ويعبر عن مطالبه وإحتياجاته، وبإختيار من يعبر عن إرادته، ومن هنا أهمية الإنتخابات، وإختيار الشعب لمن يمثله فيما يعرف بالسلطة التشريعية أو النيابية أو التمثيلية، ومن هنا تتعدد وسائل الرقابة الشعبية والتي من أبرزها الرقابة والمساءلة البرلمانية، والإستفتاءات الشعبية التي تعبر عن آراء الشعب من قضايا الحكم، وأهمها الإستفتاء على الدستور او بعض نصوصه أو الحاجة لتعديل بعض مواده، فهذا حق للشعب، وليس لشخص أو حزب أو جماعة.

إذن الأساس في الحكم هو الشعب ورضاه والتعبير عن هذا الرضا بوسائل وآليات متعددة. ومن هنا بتنا أمام نماذج جديدة للحكم من أهمها مثلا الحكم الرشيد والذي يوازي في رأيي الحكم الديمقراطي.

وفي هذا السياق يمكن أن نفهم دور المؤسسة العسكرية كما رأينا أخيرا في الجزائر وقبلها مصر، فالمؤسسة العسكرية مثلها مثل باقي المؤسسات السياسية، لكن ما يميزها أن أهم وظائفها حماية المؤسسات السياسية القائمة، وحماية الدستور وحماية مصالح الشعب عندما تتعرض للإنتهاك بسبب حكم معين حتى لو جاء بالإنتخاب، فالانتخابات ليست مبررا للحكم السلطوي الإستبدادي. فالمؤسسة العسكرية في البلدين من أكبر المؤسسات، ولو تعرضت للإنهيار والضعف فالنتيجة الحتمية إنهيار كامل للنظام السياسي.

ولعل من أهم ألأسباب التي تدفع للتدخل العسكري أن يذهب الحاكم بعيدا في حكمه، ويحول المؤسسات السياسية إلى مؤسسات خاصة يسيطر عليها، ويحول الحكم إلى حكم شخصاني، فرداني تستفيد منه قلة منتفعة فاسدة، هنا التدخل الشعبي المسنود بالجيش وهذا ما رأيناه في النموذجين.

وإذا حاول تنظيم معين كما في حالة "الأخوان" وسيطرتهم ومحاولاتهم تغيير كل نظام الحكم، والسيطرة على المؤسسة العسكرية، هنا يأتي التحرك الشعبي المسنود بحماية الجيش، وقد يصعب في نظمنا التمييز الدقيق بين دور المؤسسة العسكرية السياسي ودور المؤسسات السياسية، ولكنها في النهاية هي الحامية للقانون والدستور وضمان رضا الشعب. في هذا المنظور يمكن ان نفهم النموذج الذي يقوم به الجيش بدور سياسي دستوري.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com