2020-02-23

التعايش في أمة المهاجرين الأمريكية.. إلى أين؟


بقلم: د.ناجي صادق شراب

زعزعة، تفسخ، إنقسام كلها باتت مصطلحات تستخدم لتوصيف حالة الأمة الأمريكية الواحدة.. وهناك من يتحدث من التعايش إلى اللا تعايش..!

وبقراءة للتطورات السياسية الداخلية للولايات المتحدة تعاني من تحدي وحدة الروح التي تفاخر الأمريكيون دائما انها أهم وأعظم إنجازاتهم، وكما وصفها الرئيس الأمريكي جون كينيدى امة من المهاجرين، وان البيئة السياسية الأمريكية أقرب إلى بيئة إنصهار لكل من يأتي إليها. فالمهاجر وما أن تطأ قدماه الأرض الأمريكية يتشرب الروح الأمريكية والتي تعبر عنها بمنظومة الحقوق التي أخذت بالأمريكيين طويلا لترسيخها، ولروح المواطنة الواحدة، وهذا ما أسس له المؤسسون الأوائل ووثقوه في الدستور الأمريكي، وهو من الدساتير النادرة والوحيدة في العالم الذي لم يتغير، ولكن هذا لا يمنع من بعض التعديلات في إتجاه تثبيت ودعم الروح الأمريكية الواحدة. وهذا التعايش عبرت عنه مارثا نوسباوم فى كتابها التعصب الديني الجديد "مخرج من سياسة الخوف"، بالإنتماء القومي من خلال المثل السياسية العليا ومشروع سياسي مشترك.

هذه الروح تتعرض اليوم للكثير من التحديات والمشاكل التي تعمل على تفكيكها وإحداث الفرقة الداخلية، وإثارة نزعات دفنت في قلب هذه الأرض، ولتبرز نزعات من الشعبوية والعنصرية البيضاء. فمنذ أن تولى الرئيس ترامب منصبه وروح الأمة الأمريكية تعاني من مخاطر الإنقسام، والتحول من أمة المهاجرين إلى مهاجرين من أمم كثيرة. الرئيس ترامب ومن اجل الفوز أدخل الولايات المتحدة في نفق سياسي لا يمكن التنبوء بمنتهاه، هل من خروج ام الهاوية؟ والهاوية كما رأينا التهديد بالحرب الأهلية التي عانت منها الولايات المتحدة ما بين 1860 إلى 1865، وراح ضحيتها 800 الف قتيل، وأضعافهم من الجرحى. هذه الصورة ما زالت ماثلة في عقل كل مواطن أمريكي، ومجرد التلويح بها نذر خطر.

ويرد البعض على هذا التخوف أن للولايات المتحدة حكومة فيدرالية قوية، ولها دستور ملزم، ومؤسسات قوية تفوق سيطرة وهيمنة الشخصانية والفردانية التي يروج لها الرئيس ترامب. ولكن الرد على ذلك نمو وإستعادة الروح التي أدت إلى الحرب الأهلية. الشعبوية العنصرية البيضاء والتي يرتكز عليها ترامب ويروج لها، وهي سلاحه الذي يشهره اليوم في وجه الديمقراطيين. ومما يزيد من مخاطر الإنقسام تنامي العشرات من المليشيات المسلحة التي لا تقبل بالسلطة الفيدرالية، وتهدد باللجوء إلى السلاح. وقد ذهبت بعض المليشيات مثل "المحافظين على العهد" إلى دعوة أعضائها إلى الإستعداد إلى حرب أهلية ساخنة كما جرت عام 1859، والتهديد بالتعبئة العامة إذا ما أمرها ترامب. وترامب كما رأينا في معركة عزله وكيف انه لم يقدم حتى إعتذارا كما فعل الرئيس كلينتون، وانه على إستعداد في انتخابات قادمة إذا خسرها أن يشكك في نزاهتها، وعدم قبولها..!

ولا شك أن أمريكا تعيش كثيرا من مظاهر الإنقسام ومنها هجومه على المهاجرين والتضييق عليهم، وهجومه على عضوات مجلس النواب رشيدة طليب وإلهان عمر ومطالبتهما بالعودة من حيث أتوا، وسخريته من الإعلاميين.. ترامب يعرف روح الأمة الأمريكية، ويعرف قوتها في هذه الروح، لكنه يعمل على إستعادة البذور الأولى، وإسعادة روح الإستعلاء العنصرية، ولو جاء ذلك على حساب هذه الروح ووحدتها. ويعتمد ترامب على الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ وهي التي حالت دون عزله، والتي خرج منها أكثر قوة وتحديا. ويعتمد على قاعدته الشعبية التي ترى انه منزه عن الخطأ، ولا يمكن ان يرتكب أي مخالفات قانونية، وانه يعمل من اجل الرجل الأبيض أولا..!

وكما رأينا لم يحدث معه ما حدث مع الرئيس نيكسون عندما ذهب إليه بعض قادة الحزب الجمهوري ليحثوه على الإستقالة، هذه المرة وقفوا معه في وجه الديمقراطيين. هذا الإنقسام الحزبي تحول لأداة في يد ترامب لمواجهة خصومه.

ومن الصور التي توضح كيف ان هذه الروح تتعرض لحالة من الزعزعة ارتفاع نسبة الجريمة والقتل حتى في قلب المدارس، وتعرض دور العبادة لمزيد من التهديدات.. خطور هذا الإنقسام أنه يغوص في أعماق هذه الروح لينزع منها كل مكونات وحدتها، ويدعو ولو بخطاب ليس مباشرا لسيادة فئة واحدة وسموها على كل شرائح المجتمع الأمريكي، ويعيد صور كثيرة من الكراهية بين أفراد المجتمع الأمريكي، ويقسمهم ما بين بيض، وسود ومهاجرين. ولا يكتفي الأمر عند هذا الحد بل ان منظومة القيم الديمقراطية التي قامت عليها روح الأمة الأمريكية معرضة للخطر والتفسخ والتراجع، وهى التي كانت ترى في الولايات المتحدة أرض الحلم التي يتمنى كل إنسان في العالم أن يعيش عليها.

والصورة الثالثة للتفسخ الصراع بين المؤسسات السياسية الأمريكية وتراجع نظام "الكوابح والجوانح" الذي وفر قدرا كبيرا من التوازن والإستقرار بين المؤسسات حال دون تغول إحداها على الأخرى، وخصوصا تغول السلطة التنفيذية التي يمارسها الرئيس ترامب في وجه منتقديه ومنافسيه. ولعل الصورة الأخيرة التي رأيناها في اعقاب خطاب الإتحاد الثالث كيف تجاهل وتغاضى عن مصافحة نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب وهو الذي يمثل إرادة الشعب الأمريكي، وكيف كان ردها بتمزيق هذا الخطاب والإلقاء به. هذه الصورة تجسد مدى الخطورة التي وصلت إليها روح الأمة الأمريكية الواحدة، وهي التي وفرت للولايات المتحدة مقومات ان تكون القوة العالمية الواحدة.

ولعل فقدان الولايات المتحدة لهذه المكانة العالمية التي تقود العالم ستكون عبر تفسخ هذه الروح، والنموذج السوفيتي ليس بعيدا، وإن كان النموذج الأمريكي يبقى يملك من عناصر القوة الكثير الذي يحول دون تراجع هذه الأمة.

ويبقى ان الإختبار الكبير سيكون في الانتخابات الرئاسية القادمة، وكيف سيتعامل معها الرئيس ترامب؟ وكيف سيتعامل معها الشعب الأمريكي حفاظا على وحدته؟

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com