2020-03-01

الوطنية والمفاهيم الخاطئة (2)..!


بقلم: عمر حلمي الغول

خيار المساومة المشروعة والمسؤولة لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد لم يقبل القسمة على الكل الفلسطيني، لإن بعض القوى بقيت أسيرة شعار "تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر"، وإعتبر هذا التيار ما ذهبت إليه القيادة الشرعية تنازل خطير عن الحقوق الوطنية التاريخية. وتجاهل هذا البعض قراءة الواقع بمستوياته المحلية والعربية والإقليمية والدولية، ووضع رأسه في الرمال كالنعامة. وساهم في ذلك، بروز تيار إسلاموي غير أصيل، لا يمت للوطنية بصلة، ويرفضها من حيث المبدأ، لإن منظومته العقائدية تتناقض مع روح الوطنية، ويمثل هذا التيار حركة حماس، فرع جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، والتي إستخدمت الخطاب الديماغوجي بإسم "المقاومة" و"رفض الإعتراف بالدولة الإسرائيلية" والمناداة ب"تحرير فلسطين كلها" لتسويق ذاتها في اوساط الشعب والأمة العربية وللأسف الشديد تناغم معها قطاعات من الشعب والنخب العربية.

بيد ان سيرورة وصيرورة الأحداث والتطورات خلال العقود الثلاثة الأخيرة كشفت للفلسطينيين والنخب العربية، ان نشوء حركة حماس لم يكن لتعزيز المشروع الوطني، انما لإستهدافه، وهزيمته عبر عملية تمزيقه وتقسيمه، وهو ما كرسه إنقلابها على الشرعية الوطنية أواسط عام 2007 باختطافها قطاع غزة، والسيطرة عليه، ورفض خيار المصالحة، رغم كل الإتفاقات المبرمة بينها وبين منظمة التحرير ومازالت حتى الآن تساوم على المشروع الوطني مقابل تسيدها على المحافظات الجنوبية كجزء من مخطط التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، الذي يستهدف كل شعوب الأمة العربية، ولخدمة المشروع الأميركي الإسرائيلي الهادف لتعميق عملية التقسيم الهوياتي لشعوب الأمة على اساس ديني وطائفي ومذهبي وإثني، وبناء الشرق الأوسط الجديد.

ولم يعد المشروع خافيا على الكل الوطني بمن في ذلك أولئك، الذين تساوقوا مع فرع جماعة الإخوان في محافظات الجنوب لإعتبارات ذاتية وموضوعية (ليس هنا المجال لعرضها). جملة التطورات ساهمت في إضعاف المشروع الوطني، ولا تقتصر عملية التراجع النسبي عند حدود العامل الذاتي، وإن كان هو اخطرها، بل لعب ضعف وتهالك العامل العربي، والصراعات والحروب البينية العربية العربية، والعربية الإيرانية والتركية، وصعود اليمين القومي والديني ( الأفنجليكاني) في الولايات المتحدة الأميركية مع تولي الرئيس دونالد ترامب، وتعاظم نفوذ اليمين الصهيوني المتطرف في إسرائيل خلال العقد الأخير دورا مهما في إلقاء ظلال كثيفة وقاتمة على مستقبل الكيانية والهوية الوطنية الفلسطينية. بيد ان القيادة لم ترفع راية الإستسلام، ولم تذعن لإملاءات أميركا وإسرائيل وصفقتهما، ليس هذا فحسب، بل رفضتها، ومازالت تقاوم بحدود ما لديها من إمكانيات لصد الهجمة الشرسة، وإن كان عليها واجب رفع وتيرة المواجهة.

في خضم هذة العوامل المعقدة، وقبلها لجات القيادة الفلسطينية لإحداث إختراقات في جدران ومترايس الإستعصاءات الإسرائيلية والدولية وحتى العربية لحماية المشروع الوطني، وصون الحقوق والثوابت الفلسطينية، التي اقرتها دورات المجلس الوطني الفلسطيني المتعاقبة منذ الدورة الـ12 عام 1974، والتي عمقتها الدورة ال13 عام 1977، والدورة ال17 عام 1984 والدورة ال19 عام 1988 وصولا للدورة ال23 عام 2018 حيث تم التأكيد على إقامة اي سلطة وطنية على اي شبر يتم تحريره من الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، ثم جرى التوافق على إقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران عام 1967 مع ضمان حق عودة اللاجئين لديارهم وفقا للقرار الأممي 194، والمساواة لإبناء الشعب في مناطق ال48 من حملة الجنسية الإسرائيلية. وتلازم مع ذلك إقرار قرار بالتواصل مع القوى الإسرائيلية المؤمنة بخيار السلام على اساس ما ورد اعلاه، وتطور لاحقا حتى فتح الباب للحوار مع كل القوى الإسرائيلية لإزالة الغشاوة عن عيون المضللين من اتباع الديانة اليهودية، الذين أعمتهم الصهيونية وقواها المتطرفة عن رؤية حقائق الصراع، وعن الإطلاع على مصالح وحقوق وأهداف الشعب العربي الفلسطيني المتمسك بخيار السلام على اساس قرارات الشرعية الدولية، ومرجعيات عملية السلام بما في ذلك مبادرة السلام العربية.

وعلى هذا الأساس شكلت القيادة الشرعية لجنة للتواصل مع القوى الإسرائيلية لإحداث الإختراق المراد. ولم يكن عمل هذة اللجنة سهلا، ولا يسيرا، بل كما شبهه أحد الأخوة في اللقاء الأخير قبل ايام  مع الرئيس محمود عباس، بانه يشبه العمليات خلف خطوط العدو. بمعنى ادق هو عمل محفوف بالمخاطر على اكثر من مستوى وصعيد. وهذا العمل لا يشبه، وليس له علاقة من قريب او بعيد بما يسمى التطبيع، بل هو شكل من اشكال المقاومة الوطنية لتوسيع دائرة التأييد لبناء جسور السلام الممكن والمقبول. وهنا يبرز السؤال هل نجح هذا الجهد في إحداث إختراق حقيقي داخل المجتمع الإسرائيلي؟ هل يؤثر على عمل لجان المقاطعة الدولية لإسرائيل؟ وهل يتعاكس مع دعوة الأشقاء والأصدقاء برفض التطبيع؟ أولا يصعب الجزم أن لجنة التواصل أحدثت إختراقا حقيقيا. ولكن تم إحداث إختراقات محدودة، ويحتاج إلى مراكمة؛ ثانيا لا يؤثر التواصل على عمل منظمة الـ (BDS) نهائيا، بل كل يصب في ذات القناة الوطنية؛ ثالثا لا يؤثر ولا يضير التواصل بدعوة الأشقاء والأصدقاء لرفض التطبيع نهائيا، بل يكمله، ويعززه.

صيانة الهوية والشخصية والمصالح الوطنية في ظل الظروف المعقدة، وفي ظل إختلال فاضح وغير مسبوق في موازين القوى يحتم تصعيد المواجهة مع العدو الإسرائيلي الأميركي في كل الجبهات بما في ذلك داخل الجبهة الإسرائيلية ذاتها، حتى تحقيق هدف الحرية والإستقلال وتقرير المصير وضمان حق عودة اللاجئين الفلسطينيين لديارهم وفقا للقرار 194.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com