2020-03-08

مدرسة أبو مازن الواقعية..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

هذا المصطلح للكاتب والمفكر عماد الدين أديب في مقالة له في جريدة "الوطن" بعنوان "الصبر الإستراتيجي". وفيها يصف الرئيس بالواقعي والبرجماتي، وانا أتفق مع هذا الوصف.

الرئيس محمود عباس ينعت بالكثير من النعوت والصفات التي تعكس كل متغيرات ومكونات ومحددات القضية، فكل صفاته مستمدة من القضية ذاتها.. هناك من يصفه بالسهل الممتنع، وإسرائيل تصفه كما وصفت من قبله الرئيس عرفات بالتصلب والتشدد وانه ليس شريكا للسلام، وخصومه كـ"حماس" يصفونه بالتنازل والإستسلام. وهناك من يذهب بعيدا ويصوره انه باع القضية الفلسطينية..! ومتنمر وإستبدادي سلطوي.

ومن الصفات التي ينعت بها الرئيس أنه عنيد رغم مرونة اللسان، وانه لا يسمع إلا ما يحب. رغم كل الصفات فلا أحد ينكر انه وحتى اللحظة من وقف بقوة في وجه "صفقة القرن" ونعتها بـ"صفعة القرن"، ورفض كل محاولات الإتصال بالإدارة الأمريكية، ومن تجرأ على رفض الوساطه الأمريكية، واعلانه انها لم تعد شريكا لأي إتفاق. هنا التساؤلات كثيرة حول موقف الرئيس وقدرته على تحدي أمريكا وإسرائيل و"صفقة القرن"..
أولا ما هي المحددات والعوامل التي تحكم السلوك والقرار السياسي للرئيس؟ وما هي مصادر قوته؟ وما هي الخيارات والبدائل المتاحة والممكنة له؟ عوامل كثيرة تقف وراء هذا التصلب والتشدد في موقف الرئيس محمود عباس، وهو ما لم يتوقعه حتى المقربون منه.

إبتداء هذا التشدد والرفض لخطة ترامب حتى من قبل ان تصدر لا يعني ان الرئيس قد تخلى عن المفاوضات وخيار السلام، فما زال يتمسك بالسلام كخيار إستراتيجي، ويتمسك بالمفاوضات كأحد الآليات للتوصل لحل سياسي يحقق الحد الأدنى من الثوابت الفلسطينية، والنقطة الثانية أن الرئيس وعلى غير ما تحاول إسرائيل ان تصفه الآن بانه لا يمثل شريكا للسلام، او كما قال عنه جاريد كوشنر نفسه ان الرئيس يشجع ويتبنى العنف كرد فعل.. وهذا قول غير واقعي.

عوامل كثيرة تفسر لنا موقف الرئيس عباس، وأول هذه العوامل بلا شك العمر، وقد تكون هناك علاقة قوية بين التمسك والتشدد في الموقف السياسي، فهو بعد هذا العمر لا يستطيع ان يقدم على قرارات ومواقف فيها تنازل ويسجل في سجله بالخيانة، وقد عبر عن هذا بشدة. النقطة الثانية التي لها علاقة بشخصية الرئيس أنه قد عاصر المفاوضات منذ أوسلو ومن قبلها وهو مؤمن بالخيار السلمي وفاوض كل الحكومات الإسرائيلية وحصل على أفضل بكثير مما تعرضه "خطة ترامب"، فلا يعقل ان يقبل بأقل مما عرض عليه. وكما وصفه ابنه ياسر فهو رجل لا يعرف اليأس، ولديه صبر لا ينفذ. واليوم يوصف بالتشد من قبل إسرائيل وبالتنازل من قبل خصومه في "حماس".
العامل الثاني الذي يفسر لنا سلوكه هو الشرعية الثورية، فهو من جيل المؤسسين التاريخيين، فلديه إيمان ثابت وإن أبدى مرونة في الرؤية السياسية إلا ان القاسم المشترك بينهم جميعا عدم الخروج عن هذه الشرعية الثورية والتاريخية. ويعرف موقف الرئيس عرفات الذي جاء في مذكرات الرئيس كلينتون انه قد تردد في قبول دولة على كامل الضفة وغزة لأنه كان خائفا من التخلي عن "حق العودة". والرئيس عباس نفسه كما جاء في مذكرات كوندليزا رايس لم يوقع على الخارطة التي قدمها له أولمرت وطالب بإسشارة القيادة الفلسطينية والتي نصت على إستثناء 9 في المائة من مساحة الضفة مع تبادل بالمثل، وممر يربط غزة، وتقسيم للقدس وعودة رمزية لخمسة آلاف لاجئ، كيف يمكن ان يقبل بخطة الغت كل هذا؟ والقبول بضم ثلاثين في المائة من الضفة ودولة مخروطية الشكل، أو كما قال الرئيس اشبه بـ"قطعة الجبن السويسرية".
العامل الثالث الشعب الفلسطيني فهو يعرف من هو شعبه وسجله النضالي، هذا الشعب يفرض من يكون الرئيس، والقرار الذي سيتخذه. ولا شك ان عامل الإنقسام ومواقف الفصائل و"حماس" التي تحسب للرئيس كل موقف عامل يؤخذ في الإعتبار. ولا شك أن رئاسته لمنظمة التحرير وحركة "فتح" التي قادت الثورة الفلسطينية وتعتبر ام الجماهير لا يمكن لرئيس يرأس هذه الحركة ان يقبل بما ترفضه الحركة. فبحكم المنصب السياسي ومهما تفرد الرئيس في قراره يبقى هذا إلإطار المؤسسي أحد اهم المحددات التي تحكم قرار الرئيس وسلوكه السياسي. فمن هذا إلإطار المؤسسي يستمد شرعيته السياسية.

ومن أهم المحددات التي تحكم السلوك السياسي للرئيس ما يعرف بالواقعية السياسىية، فبلا شك الرئيس حقق العديد من الإنجازات السياسية على المستوى الدولي من أبرزها مكانة فلسطين الدولية، وحصولها على دولة مراقب في الأمم المتحدة، وعضويتها في العديد من المنظمات الدولية. وداخليا لا يستطيع احد ينكر أن هناك الكثير من الإنجازات الداخلية سواء على مستوى السلطة ومؤسساتها او الإنجازات الاقتصادية والإجتماعية، رغم قلتها بمقارنة بإنتزاعها من يد سلطة محتلة.

لا شك هذه الإنجازات تحكم على الرئيس ضرورة المحافظة عليها، وعدم التضحية بها والعودة إلى ما يعرف بالمربع رقم واحد، فمن منظور الرئيس وجود منظمة التحرير على أرض فلسطين يعتبر هذا إنجازا ينبغي الحفاظ عليه، ولا يمكن تصور ان نعود نبحث عن مقرات جديدة في زمن التراجع والتمايز العربي بين الأولويات الوطنية للدول العربية وأولوية القضية الفلسطينية.

المحافظة على هذه الإنجازات تفترض تبني سياسة تتسم بالمرونة، ولعل أبرز الإستراتيجيات التي يتمسك بها الرئيس وتتفق مع كل العوامل السابقة ما يعرف بإستراتيجية التشدد المرن. ومما يساهم في هذه المرونة البعد الإقليمي والدولي الذي تمر فية القضية الفلسطينية، والقرار السياسي الفلسطيني، فلا يمكن للرئيس أن يتجاهل التحولات في موازين القوى على الصعيدين العربي والدولي، وأن يتجاهل التحولات في السياسات العربية والدولية وان يأخذ موقفا متشددا، فلا يمكن تصور ان تقف السلطة في وجه كل الضغوطات الإقليمية والدولية لوحدها، فالنتيجة الحتمية الفشل، وتجنبا لهذا الفشل لا بد من الإحتفاظ بقدر من الواقعية السياسية المرنة، حتى يمكن الحصول على مزيد من المواقف الداعمه للقرار الفلسطيني. فلا يمكن مطالبة الدول الأخرى بدعم القرار السياسي الفلسطيني وانت تتبنى قرارا وسياسة رافضة للمفاوضات والسلام، وتتمسك بالخيار العسكري مثلا.

هذه الواقعية تعبر عن نفسها في الكثير من التصريحات والمواقف، وخصوصا الخطب السياسية التي يلقيها الرئيس في المحافل الدولية، وأبرزها خطابه الأخير في مجلس الأمن في أعقاب الإعلان عن "صفقة القرن"، وهو خطاب إتسم بالكثير من الواقعية السياسية بتمسكه بالشرعية الدولية وإستعداده للتفاوض تحت مظلة مجلس الأمن، وتمسكه بالسلام خيارا إستراتيجيا وبـ"المبادرة العربية".

وتظهر هذه الواقعية في لقاءاته مع الكثير من الوفود الإسرائيلية، وفي إدانته لكل أشكل العنف والإرهاب. وفي مرونته في مناقشة بعض القضايا التي تطالب بها إسرائيل كالإحتياجات الأمنية، وإستعداده لدولة ديمقراطية غير مسلحة وفي التعامل مع قضية اللاجئين وغيرها. ويبقى ان قضية في حجم القضية الفلسطينية بمكوناتها العربية والإقليمة والدولية وبقوة شرعيتها الدولية تحتم على من يتولى مسؤولية صنع القرار السياسي الفلسطينة أن يتسم بقدر كبير من الواقعية السياسية والمرونة والإستعداد لتقديم قدر من التنازلات التي تقف عند حدود الثوابت الدنيا للمصلحة الفلسطينية العليا.

ويبقى أخيرا أن عهد الرئيس وما بعده سيشكل مرحلة سياسية فارقه حبلى بالتغيرات والتداعيات، ولا شك حكم الرئيس شكل قبضة ميزان السياسة الفلسطينية، وشكل الاتفاق والإختلاف في آن واحد. نختلف معه لكن لا ننكر أنه رئيسا له شرعيته الإقليمية والدولية المجمع عليها.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com