2020-03-28

وداعا "كاحول لافان"..!


بقلم: عمر حلمي الغول

قبل ايام قليلة أقل من اصابع اليد الواحدة كتبت هنا زاوية بعنوان "الحاوي ولعبة الكورونا" إستشرفت فيها سقوط بيني غانتس في احابيل الحاوي الفاسد نتنياهو، وبالتالي ليس مفاجئا التطور الدراماتيكي وإنقلاب الجنرال عن مساره السياسي المعلن، والسير في الطريق المعاكس، والإرتماء في أحضان الثعلب الإسرائيلي بأبخس الأثمان، سلم التكليف مقابل تسلم رئاسة الكنيست مؤقتا، ثم تقلد منصب وزير الخارجية بالإضافة لوزارتي الأمن والقضاء، بآن المرج بعدما ذاب الثلج اول امس الخميس 26/3/2020، ودونت الوثائق الإسرائيلية شهادة وفاة  "كاحول لافان"، بعدما تعرضت حياتها لضربة قاضية مع إنهيار رئيسها أمام خصمة. إنتهت من المشهد السياسي بعد عمر قصير جدا نتيجة إفلاس ورخاوة ودونية زعيمها غانتس. حطم إتفاق الجنرال الساذج مع زعيم اليمين على تشكيل حكومة وحدة كل النواظم السابقة، وقلب الخارطة الحزبية والسياسية في إسرائيل رأسا على عقب. وغّير ملامح المعادلة ومركباتها، وكب على العديد من القوى الماء البارد، ووضعها في مهب الريح.

ومن نتائج الإتفاق المهزلة الموت المعلن لـ"تحالف أزرق ابيض"، وتشييعه نهائيا لمثواه الأخير بعدما قطع غانتس خيط المسبحة الرابط له مع حلفائه، لأنه باعهم بثمن زهيد مقابل فتات مواقع وزارية لا تقدم ولا تؤخر في حسابات الشيطان الساحر. إنتهى دور الكومبارس "كاحول لافان" مع الإتفاق وخروج حزب يئير لبيد "هناك مستقبل"، وايضا حزب موشي يعلون "تيليم". واستلم مبدئيا الجنرالات جوائز الترضية، وكان اولها رئاسة الكنيست المؤقتة لزعيم حزب "حوسين ليسرائيل"، ولاحقا سيتسلم كرسي وزارة الخارجية، في حين ان الجنرال إشكنازي سيتسلم وزارة الحرب. وهنا تجدر الإشارة، إلى ان الأخير كان مع أرييه درعي، زعيم "شاس" عرابا الإتفاق، الذي بلوراه منذ ايلول/ سبتمبر 2019، حيث تمكن درعي من وضع السم في عسل تحالف "أزرق ابيض"، واقنع الجنرال بأهمية الإتفاق مع نتنياهو.

 اضف إلى ان للإتفاق المذل أوجه اخرى من الإرتدادات على المشهد السياسي والحزبي، ولم تقتصر على تشييع "كاحول لافان" إلى مثواه الأخير، انما ضاع حزب "يسرائيل بيتينو" بزعامة ليبرمان، وسقط في واد سحيق. وفقد دوره، وورقته، التي إعتقد انها دائمة، فبات على هامش المشهد الإسرائيلي. ليس هذا فحسب، بل ان نتنياهو سيطارده في منامه، ولن يتركه إلآ بعد ان يمزق حزبه إن إستطاع، أو يجعله يستجدي العمل تحت قيادته طالما بقي رئيسا للحكومة، وإن لم يحدث تطور مفاجىء يغير معالم وأدوات اللعبة السياسية في دولة الإستعمار الإسرائيلية في المدى المنظور، فإن زعيم "الليكود" الفاسد سيبقى سيد المشهد الإسرائيلي، ليس هذا فحسب، بل انه لن يفي بتعهداته للجنرال الغر، وسينقلب مرة أخرى إسوة بتجاربه السابقة، وسيذل غانتس، ويلقيه على قارعة الطريق مهشم الوجه، وسيضطره للإعتزال في بيته.

الإستنتاج الأهم فيما حصل، هو ان لا ضابط عند القيادات الإسرائيلية الحزبية، ولا ناظم ايديولوجي، ولا سياسي، ولا حزبي تنظيمي، ولا حتى قيمي. كل شيء مباح للمساومة وللتجارة. اللهم إلآ نفسي، وحساباتي الشخصية، واستاذ هذة المدرسة الأول كان بن غوريون عندما إنشق عن المبام، وشكل حزب رافي، وكذلك شارون، الذي إنشق عن "الليكود"، وشكل "كاديما"، وحدث ولا حرج عن تجربة شمعون بيرس، الذي تنقل بين اكثر من حزب وإئتلاف مقابل البقاء في الحكم، حتى لو ناطور وزارة. وهذا ما حصل مع الجنرال غانتس، الذي إستخدم تحالف "كاحول لافان" ورقة مساومة لحسابه الشخصي وللمقربين منه في حزبه "حوسين ليسرائيل" (مناعة إسرائيل)، وباع حلفائه بابخس الأثمان بذريعة مواجهة الكورونا. ولكن الحقيقة، ليس وباء "كوفيد 19"، انما إستطلاعات الرأي، التي تقريبا جميعها اشارت، إلى ان اية إنتخابات قادمة، لن تمنح "ازرق أبيض" المقاعد الكافية لهزيمة نتنياهو، بل العكس صحيح، قد يتفوق عليهم، ويخرجهم من "المولد بلا حمص"، فضلا عن عملية التحريض الهائلة التي قادها رئيس حكومة تسيير الأعمال ضد الجنرال الغض وأقرانه، وساهمت "الكورونا" بإلقاء ظلال كثيفة على المشهد، وحسابات الجنرال. ولهذا من وجهة نظره، إختار الخيار الأنسب له، وباع لبيد ويعلون، ومعهم ليبرمان، واما "القائمة المشتركة" فهو باعها منذ البداية، وحرض عليها، وما مناورته المكشوفة معها، إلآ لتعزيز مساومته الرخيصة والفاسدة. ولم يتفاجأ اقطاب "المشتركة"، لكن سرعة الإنهيار اسقط في يدهم. والنتيجة وداعا "كاحول لافان"، ووداعا لغانتس وإشكنازي و"تيليم".

مع ذلك يمكن الجزم ان فوز نتنياهو الحالي بتحطيم خصمه "ازرق ابيض"، وهو الرهان الأهم في مسيرته، واهم من فوزه بالإنتخابات الأخيرة، لم، ولن يشكل حبل نجاة لبيبي إلآ مؤقتا، ورغم كل فهلوته، ودهائه، فإن طريقه وعر، وشاق ولن ينجيه من مقصلة السجن.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com