2020-03-28

"الكورونا" يطرق الأبواب.. مخيّماتنا في لبنان تصرخ من الحاجة والعَوَز.. أين منظّمة التّحرير الفلسطينيّة؟ وأين السّلطة؟!


بقلم: د. أحمد محيسن

لقد سمع الأموات في القبور صوت مناشدة أهلنا في مخيّمات المنافي في لبنان.. وهم يصرخون ويرجون ويقرعون الخزّانات في طلب العَوْن والمساعدة.. لسدّ رَمَق أطفالهم وعوائلهم الّذين يتضوّرون اليوم جوعاً.. ولَم تصل آذان السّلطة في رام الله أصواتهم وصراخهم.. ولا يعرف عن حجم معاناتهم وحاجتهم أحد من الممثّل الشّرعي والوحيد للشّعب الفلسطيني.. منظّمة التّحرير الفلسطينيّة.. ولم يأبه بهم أحد.. وصُمّت الآذان وعميت العيون .. وذهبت الرّحمة.. وماتت القلوب..!

لم يُطلّ مسؤولاً واحداً من هؤلاء في السّلطة ولا في المنظّمة.. في عصر جائحة فيروس "الكورونا" الّتي تجتاح العالم.. سائلاً مستفسراً عن أحوال المخيّمات الفلسطينيّة الّتي تُعاني أصلاً على كافّة الأصعدة ومنها الطّبّيّة والعلاجيّة.. هي مخيّماتنا الّتي شكّلت على الدّوام وقوداً للثّورة.. ولم تبخل بتقديم أرواح أبنائها من أجل فلسطين.. واليوم نجد من يدّعي قيادة شعبنا يجلس على مقاعد التّحكم برقاب العباد وللأبد.. إلى أن يودّعوا الحياة.. ويُقال لهم رئيساً ووزيراً ومديراً وسفيراً ومسؤولاً.. ولا يشعرون بأنهم معنيّين بأحوال ومعاناة شعبنا خاصّة في مخيّماتنا في لبنان..!

إنّ بعض أهلنا اليوم في مخيّمات لبنان لا يملك قوت يومه.. ونسمع كل يوم  مناشدة مسجّلة تأتينا من مخيّماتنا في لبنان.. ونعيش مع مبادرات أهل الخير.. بالتّبرّع للمخيّم.. مرّة بمولد للكهرباء.. وأخرى برشّ المبيدات في المخيّم.. ومؤخّراً مبادرة ربطة خبز للمخيّم.. ممّا استفزّ مشاعرنا ومشاعر كلّ أحرار الأمّة.. ونحن نعلم أنّ ما يُلقى في حاويات القمامة من منازل هؤلاء المسؤولين المصابين بالتُّخمة.. يكفي عائلات بأكملها من أهل المخيّمات..!

إنّها ليست مِنّة من أحد.. بل هو حقّ شعبنا المشروع.. هو نصيبهم وحصّتهم من الأموال الفلسطينيّة.. الّتي تخصّ الشّعب الفلسطيني.. خاصّة في المخيّمات الفلسطينيّة.. الّتي لا عون لهم اليوم إلا الله وسواعد أبنائهم.. و"الأونروا" الّتي يتمّ استهدافها لشطب المخيّم وشطب حقّ العودة..!

فلمن يلجأ أهلنا في المخيّمات الفلسطينيّة في هذه الأيّام العصيبة.. والعالم أصبح مشلولاً بدون تحرّك وتنقّل وعمل.. بفعل فتك الفيروس كورونا في المجتمعات؟!

أليست المخيّمات الفلسطينيّة.. هي مسؤوليّة الممثّل الشّرعي والوحيد للشّعب الفلسطيني.. أم أنّ مسؤوليّة التّمثيل الشّرعي والوحيد للشّعب الفلسطيني.. هي عمليّة مزاجيّة وموسميّة وانتقائيّة ومناطقيّة.. تُفَصّل حسب الحاجة.. زماناً ومكاناً؟!

لا يمكن أن يقبل شعبنا بما رسمته أوسلو الّلعينة من خرائط تُحدّد لنا من هو الفلسطيني وتضع الحواجز الّتي تقسّمنا.. أوسلو المشؤومة وملحقاتها.. هي الّتي اعتبرت الفلسطيني هو فقط من يقطن في الضّفّة المحتلّة وفِي قطاع غزّة.. وأفرزت سلطة بيت العنكبوت لإدارة الشّؤون البلديّة فيها.. ونرى هذه السّلطة اليوم وهي تتخلّى عن غزّة تماماً وتدير لها الظّهر.. وتتفرد بصرف أموال الشّعب الفلسطيني كما يحلو لها.. وسيّد الموقف والعنوان في الضّفّة المحتلّة.. هو الفساد والنّهب والتّرهّل في كلّ المناحي.. وفيروس "الكورونا" يحاول اختراق حواجز وأسوار غزّة.. دون أن تحرّك سلطة التّنسيق الأمني ساكناً رغم المناشدة من الكلّ الفلسطيني.. وحتّى في الصّفّة المحتلّة شاهدنا كيف التّعامل مع العمّال الفلسطينيّين المصابين.. واستمعنا بالأمس لتصريح السّيّد الدّكتور شوقي صبحة نقيب الأطبّاء الفلسطينيّين.. مشكّكاً في رواية الحكومة الفلسطينيّة في رام الله المحتلّة.. فيما يتعلّق بحجر الطّاقم الطّبّي في مُجَمّع فلسطين الطّبّي في رام الله..! 

إنّ السّلطة والمنظّمة ومن موقع تحمّل المسؤوليّة مُطالَبة اليوم.. بتأمين احتياجات أهلنا وأحبّتنا في المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان.. ليقتاتوا وعوائلهم بكرامة ولو بالحدّ الأدنى.. والعالم يتابع الأونروا كيف تتخلّى عن مسؤليّاتها تجاه اللاجئين الفلسطينيّين.. وتدير الظّهر لموظّفي المُياوَمة.. الّذين يكسبون لقمة معيشتهم من خلال عملهم اليومي.. وطلبت منهم  الأونروا الجلوس في البيت دون التّعهد لهم بدفع أجورهم أو تأمين البدائل لهم..!

‏مَن يعيل أهلينا وأبناء شعبنا في المخيّمات الفلسطينيّة في لبنان.. أيها العالم الديمقراطي المتحضّر؟!

ويستغيث المخيّم الفلسطيني في لبنان صارخاً.. أين السّلطة.. وأين منظّمة التّحرير الفلسطينيّة الممثّل الشّرعي والوحيد للشّعب الفلسطيني.. أين هم من المخيم الفلسطيني ومن أطفالنا ونسائنا وأمهاتنا؟!

أين أصوات وأفعال قوى وفصائل منظّمة التّحرير الفلسطينيّة.. أو بالأحرى ما تَبقّى من أسماء  لها؟

أم أنّ وظيفتها أصبحت تقتصر اليوم في التّزاحم بالوقوف بالصّفوف وبالطّوابير على صرّاف الصّندوق القومي للمنظّمة.. وتُقدّم مقابل ذلك الولاءات والسّمع والطّاعة.. وأصبح همّها فقط كما تشهد العواصم الأوروبيّة.. في السّعي لأخذ دور المؤسّسات الفلسطينيّة المدنيّة ومزاحمتها.. واحتواء مكوّنات الإتّحادات والجاليات والرّوابط والتّجمّعات لفلسطينيّة.. وتقاسم المقاعد فيها إن وجدت.. بل والذّهاب إذا لزم الأمر إلى فكفكة ما هو فاعل منها.. والتّشويش عليها وتشويهها وهدمها وإعادة تركيبها.. بل وصناعة الوهميّة منها.. لتكون هلاميّة وأسماء بلا مضمون.. ليتمّ قولبتها في القوالب المُصَنّعة خصيصاً لها.. لتُسَبّح بحمد وطول عمر سيّد نعمتهم.. دون التّعلم من دروس الماضي وإدراك معطيات الحاضر.. وأنّ الزمن والواقع قد تجاوز كل تلك الجمهوريات الشّمشونيّة الوهميّة.. الّتي تعشعش في أذهان البعض.. فما زال منهم من يعيش عصر "إحنا وبس والباقي خس".. ومعادلة النصف زائد واحد في تقسيم المقاعد.. ومعادلة الأبوّة والهيمنة والإحتواء والقولبة للبشر.. ومقولة الإلتزام التّنظيمي.. وشعار نفّذ ثم ناقش.. ونظريّات الإعتراض يكون فقط في الإطار.. ومبدأ الدّيمقراطيّة المركزيّة.. بل ومركزيّة الدّيمقراطيّة.. الإسم المُلَبّد بالمساحيق التّجميليّة للدّكتاتوريّة والتّسلّط وتغييب الفكر والإبداع.. كلها تنظيرات ومقولات.. تهدف الى الوقوف في وجه كل من يحاول الحدّ من كبح جماح المتسلّطين.. وفضح ممارسة البعض منهم.. التي تبلغ حدّ التّعامل والتّخابر مع الإحتلال.. ويتم استقبالهم من ضباط الموساد في المطارات.. بالقبل وبالأخذ بالأحضان..!

 فمن يريد العمل من أجل قضيّته العادلة.. لا ينتظر من يُلبسه قميصاً ملوّناً.. ويصنع له أيدي وأرجل.. فزمن المخاتير وأختامهم .. والدّواوين والجَهَوات والهيمنة.. ومنح الألقاب لبعض الجهلة الأقزام.. لتطويل قاماتهم.. بها أصبح اليوم آرشيفاً.. وأثَرَاً  بعد عين.. في ظلّ وجود هذه الثّورة المعلوماتيّة والإمكانيّات المهولة.. وانتشار سُبُل التّواصل الإجتماعي والإعلام الرّقمي.. وتطوّر العلم والمعرفة والتّكنولوجيا.. وتقصير المسافات واختصار الوقت.. فميادين البذل والعطاء لفلسطين عديدة ومتنوّعة وكثيرة.. والمجالات مفتوحة ومُتاحة.. والعمل لفلسطين لا يحتاج إذناً أو تصريحاً من أحد.. ولا يحتاج لعباءة يرتديها أو طربوشاً يتطربش به..!

وها هي مخيّماتنا في لبنان تنتظر من يعينها ويأخذ بيدها ويلتفت إليها.. ويعيد لأبناء شعبنا هناك.. كرامتهم وعزّتهم ويسد احتياجاتهم.. للعيش بكرامة الإنسانيّة.. فسمعناها منهم يقولون لقد أكلونا لحماً ورمونا عظماً.. وقد أشبعونا تنظيراً ووعوداً.. وها هم في المخيّمات البائسة.. ينتظرون مبادرات الأخيار من أبناء شعبنا.. كمبادرة ربطة خبز للمخيم..!

لك الله يا شعب فلسطين.. والفجر لا بد وأن يبزغ.. ولأهلنا في مخيّمات الصّمود في لبنان ترفع القبّعات.. وسيظلّ الخزي والعار لمن يتاجر بقضايا شعبنا.. ويلاحقهم وأحفادهم إلى يوم الدّين.. وستبقى فلسطين حرّة عربيّة.. تزهر ثوّاراً وأحراراً..!

* مهندس وناشط فلسطيني يقيم في برلين. - karmula@hotmail.com