2020-03-29

خزعبلات حول "كورونا" والعقول الميتة..!


بقلم: بكر أبوبكر

كثرت في الآونة الأخيرة الخرافات والاشاعات المتعلقة بفيروس "كورونا" المستجد، كما حصل قبل ذلك مع مواضيع أخرى شغلت العالم سابقا، فمن مقطع مرئي مزوّر للرئيس الصيني يتهم فيه أمريكا بالحرب البيولوجية، حيث الصوت المترجَم لا صلة له بمضمون الخطاب الى تقرير منسوب للمخابرات الروسية حول المعامل الحيوية "البيولوجية" الامريكية في جورجيا، وفيه العنوان المرافق للشريط لا يتفق مع الإيحاء المقصود، فالخبر الوارد من أن أمريكا تقوم بتجارب جينية وبيولوجية صحيح، ولكن الإيحاء المقصود أن لذلك صلة بما يحصل اليوم..! مالا تجده بالشريط من فضائية "آرتي" الروسية.

كما انتشرت مقاطع تهكمية عن وجود علاج للمرض في هذا البلد العربي أو ذاك، يتم الإعلان عنها على ألسنةووأشرطة متعددة بمنطق السخرية من العرب والمسلمين من جهة وبمنطق الاستهتار بالمرض، وبعقول الناس من جهة أخرى.

ناهيك عن الانتشار المكثف القائل إن السبب بالمرض هو غاز وليس فيروس؟! رغم كفاح آلاف العلماء الذين يجتهدون بالمختبرات لإيجاد العلاج أو اللقاح للفيروس..! وكل دول العالم التي تقاوم الفيروس..! ليصبح المعروف مجهولا، والخرافة تتقدم لتأخذ مقعد الحقيقة..! عند ذوي العقول الميتة، وليصبح الواضح وكأنه بلا أي معنى حين يتشبث العالم الواهم بأهداب الخرافات، كما الحال بالتشبث بخرافات التوراة التي استغلت لإحتلال واستعمار وطننا فلسطين.

إضافة لتسخيفات متعمدة من وضّاعين (مزورين) وكذابين يهينون الدين الإسلامي والقرآن الكريم عمدًا في محاولة للافتراء على الدين ولليّ عنق الآيات القرآنية الكريمة لإثبات..! أن الفيروس مذكور بالقران؟! كما حصل مع غزوة نيويورك بتاريخ ١١/٩ ومحاولة إثبات ورود الرقم سواء ٩/١١ او عام ٢٠١٩ بالقرأن الكريم؟ في "عليها تسعة عشر".

وسبقها انتشار الخبر التنبؤي لشريط (فلم) Contagion المستند لقصة جميلة وخيالية حملت بعض التشابهات، وهي من ميزات الكتاب والأدباء الذين يجعلون من الخيال محطة لتسويق الكتاب أو الشريط، حيث الاستناد لمعطيات حقيقية قليلة مع فن أدبي وجموح الخيال الذي قد يصيب وقد يخيب، بالطبع مع انتشار نقولات غير أمينة أو تستند لنظرية المؤامرة أو الرغبة بالتصديق والولع بالغيبيات عن الكتاب أو غيره مثل ما نقل عن الشريط (الفلم) أو عن كتاب: نهاية الأيام لأحد المنجمات الامريكية، أو رواية "دين كونتز" عيون الظلام.
 
كل هذه الخزعبلات باعتقادي لم تنطلي على أحد من الغالب الواعي، ولكن القلّة الجهولة تظل متمسكة بالأوهام وبالأكاذيب، وبنظرية المؤامرة، وأن قوى خارجية تتحكم بنا أو أن أمريكا الآن هي من تلعب بنا كالكرة ونحن مجرد سلبيين أو (أحجار على رقعة الشطرنج) فقط من خلال كل شيء ومنه تصدير الأمراض لتعود -ويا للغرابة- وتفتك بها أي بأمريكا؟

وفي المنتج الأخير الذي وصلنا نقرأ ادعاء أو إيحاء ورود خبر فيروس كورونا منسوبا لهذا العالم أو المؤرخ أو ذاك ولنضرب مثالا هنا بعالم الكونيات والفيزياء الشهير "مارتن ريز" بادعاء أنه كتب أن هناك إرهاب بيولوجي عام ٢٠٢٠ سيقتل مليون إنسان؟! في كتابه: ساعتنا الأخيرة؟ (وفي مواقع تضليلية أو مضللة أخرى ينسب لعالم الهندسة الكهربائية العربي هشام طالب!).

المهم أننا عدنا لجميع الصفحات التي تتحدث بالموضوع، والتي تقول ارجع لرابط الكتاب وبعشرات المحاولات لتنزيل رابط الكتاب التي تعود كلها لموقع واحد لا يتم التنزيل أبدا؟ لأنه ببساطة لا يوجد ما قيل من إيحاءات وأكاذيب في الكتاب مطلقا.

بالعودة لعنوان الكتاب بالانجليزية فهو:  Our Final Hour: A Scientist's Warning:
How Terror, Error, and Environmental Disaster Threaten Humankind's Future In This Century - On Earth and Beyond.
بعد الترجمة اسمه: "ساعتنا الأخيرة: تحذير العلماء: كيف يهدد الإرهاب والخطأ والكوارث البيئية مستقبل البشرية في هذا القرن - على الأرض وما بعده"، وكله كلام علمي هام كما يرد الملخص عنه في "ويكيبيديا". وهو في سياق علمي تحذيري هام من كثير مصائب بيولوجية أو كونية وغيرها قد تحطمنا إن أسأنا التصرف في عالمنا.

أنك تأسف على انتشار منطق التنبؤ وبالتواريخ، وكأننا أمام توقعات من يسمّون أنفسهم علماء الأبراج..! وليس منطق التحذير العلمي والتخوف الهام والمطلوب، وتأسف على سرعة النقل والانتشار للخدع التي تستند لواحد بالمائة حقيقة لتشوهّها بالتزييفات التي تخرق العقل عامة، وتحتل العقل الميت، وتكتسح الشابكة بلا تمييز أو تدقيق بين الخيال الجموح والأدب وبين العلم، وبين الخرافات وبين العلم، ما سيصبح سمة التواصل الاجتماعي المليء اليوم بالمقاطع المرئية والصور، والاقتباسات المزورة والمكذوبة أو المبتورة أو المشوهة من الكتب، وهذا مجرد مثال عليها.

نحتاج لإعادة برمجة عقولنا من خلال تعلم مهارات جديدة هامة هي مهارة التدقيق والفرز، ومهارة التمييز بين الغث والسمين، ولمن لم يتعلمها بالأمس يمكنه تعلمها اليوم من خلال عديد المواقع الموثوقة التي تتحدث عن الأمر، وسنعقد دورة حول الموضوع بعد انقضاء الجائحة ايضا لإعادة ضبط عقولنا وفق مناهج التفكير العلمية.

مناهج التفكير المستقيمة تبنى على العلم وعلى منهج الفرز والتقييم والتيقّن، وعلي الاستناد لوثيق المعلومات والمصادر في الشابكة (انترنت)، فنتخلى رويدا رويدا عن اولئك الذين يتعمدون قصف عقولنا بالأوهام والترهات والاكاذيب لأهداف عديدة منها السخرية والتهكم علينا، ومنها الحطّ من قدرة عقولنا، ومنها الطعن بتاريخنا وبديننا الاسلامي الحنيف ولأهداف جعل الجهالة علامة فارقة لدى الامة العربية والاسلامية.

وقبل ان اختم فحيث تذهب للموقع الموبوء بالأكذوبة السابقة عن الكتاب لعالم الفيزياء الفلكية "مارتن ريز" تجد لديك أيضا إحالة أخرى -أسخم من الأولى- لكتاب مفقود..!- لاحظ مفقود- اسمه أخبار الزمان وعجائب البلدان، للمؤرخ والجغرافي، والعالم العربي بالكائنات الحية، الشهير والملقب "هيرودتس العرب" أبوالحسن المسعودي، وبذا يتم عمدًا تسخيف الكاتب وانجازاته وتاريخنا. أو تتم إحالتك أيضا لكتاب آخر لا وجود له وبنفس السمة التهكمية التسخيفية أنه يتنبأ بـ"كورونا"..!

الكتاب (المفقود؟!) ينسبه الوضّاعون أحيانا للمسعودي، وأحيانا لشخص آخر..! على ادعاء أنه تنبأ بـ"الكورونا" أو ما يشبهها من ألف عام؟! يا للهول،  في عملية طعن بكتّابنا وعلمائنا ومؤرخينا وبشكل مقصود حتما، فمن سيرجع أصلا لكُتب العلامة المسعودي الحقيقية والمعروفة والضخمة لينفي الأكذوبة؟ ومن لا يعرفه ولديه حكم سلبي مسبق على تراثنا -بغثّه وسمينه- سيشتم بالرجل وأمتنا بدون علم؟!

وما ينسحب على كل تراثنا الذي سيتم وصمُه بالخبل والجهالة والخرافات، مع العلم أن الخرافات والخيال بالقصص والنُقولات ضمن الروايات والقصص هي أدب وخيال جميل ومطلوب بحد ذاته للمتعة والتذوق الفني والأدبي، وليس علم أو معلومة.

نحتاج ليس فقط هذه الأيام، وإنما دوما، لكثير من التعقل والوعي وحسن التلقي والفهم، كما نحتاج لاحترام عقولنا فلا نُقاد كالأموات الى الهاوية ونحن نظن بأنفسنا سواء السبيل.

حاشية: في كتاب  العالم "ريس" المعنون: "في ساعتنا الأخيرة"، يتوقع "ريس" استنادا لمقدمات علمية إحدى النتائج التالية التي لا مفر منها للبشرية برأيه: الانقراض البشري، نتيجة للتأثيرات الجامحة للتّقانَة    (للتكنولوجيا) الجديدة (مثل تقنية النانو) أو نوع مسرعات الجسيمات الضخمة فائقة التوصيل من نوع Super Collider أو البحث العلمي غير المنضبط؛ العنف الإرهابي أو الأصولي؛ أو تدمير المحيط الحيوي؛ أوالتوسع البشري في جميع أنحاء الفضاء، من خلال تقليل هذه المشاكل أو تجنبها أو التغلب عليها. ومن أجل تجنب الانقراض البشري، يدعو "ريس" إلى التحكم في البحث العلمي في جميع أنحاء العالم   والتحكم في الوصول المفتوح إلى مثل هذه البحوث.

* الكاتب أحد كوادر حركة "فتح" ويقيم في رام الله. - baker.abubaker@yahoo.com