2020-03-31

إسرائيل وغزة وسيناريو الرعب الزاحف..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

غزة 345 كيلو متربع يسكن منها لا يزيد عن 265 كيلو متربع أكثر من مليوني نسمة، ويعيشون في حصار منذ أكثر من أربعة عشر عاما، منهم خمسين في المائة تحت خطر الفقر وبطالة تقترب الآن من نهاياتها، وبنية صحية فقيرة لا يتوفر فيها الآن أكثر من خمسين جهاز تنفسي مستعملين ما يعني أن أي إصابة بالوباء تعرض صاحبها للوفاة، ومياه شرب ملوثة، وكهرباء متقطعة لا تأتي إلا لساعات محدودة والبديل مولدات كهربائية تجلب مزيدا من التلوث، ومعابر مغلقة تتحكم في منافذها إسرائيل التي تمارس حصارا شاملا وتتحكم بجرعات الأوكسجين التي يتنفسها سكان القطاع، وبيوت غالبيتها من صفيح يسكنها الآلآف، ويعيش في الغرفة الواحدة من خمسة إلى عشرة أفراد، ومخيمات ضيقة يعيش فيها مئات الآلآف في بيوت متلاصقة لا تحول دون الرذاذ الذة قد يخرج عبر جدران متهالكة. والغزيون يعيشون في مربع ضيق جدا طوله الأربعين كيلومتر وعرضه يتراوح ما بين التسعة إلى الأربعة عشر كيلو متر، وهذا له دلالة صحية خطيرة ان تفشي الوباء معناه ان ينتشر كالنار في الهشيم، لا أحد يستطيع ان يوقفه، وليحول غزة إلى أسوأ منطقة للوباء في العالم، والناس في غزة لا يملكون إلا التضرع والدعاء لله أن يبعد عنهم الوباء.

وغزة اليوم معرضة لإبادة كاملة بسبب الفقر الصحي والحصار، وإسرائيل من تتحمل المسؤولية الكاملة، وهذا لا يعفي حركة "حماس" بإعتبارها المسؤولة عن حكم غزة من بعض المسؤولية وضرورة إتخاذ القرارات العقلانية التي تحول دون غزو الوباء وإنتشاره، وهذا يتطلب منها الذهاب لمزيد من المصالحة والتنسيق مع السلطة وتوحيد الجهود، والحيلولة دون إشعال الحدود مع إسرائيل، فالمردود سيكون كارثيا.

وهذا يتطلب منا مقالة أخرى، لكني في هذه المقالة أركز على السيناريوهات التي تتوقعها إسرائيل، وكيفية التعامل معها، والسؤال وهل إسرائيل والتي تعاني من زحف سريع للوباء في مجتمعها بمنأى عن إنتشار الفيروس في غزة؟ وهل ستمنع قبتها الحديدية وجدرانها الأسمنتية المقامة على الحدود مع غزة دون إنتقال الوباء إليها؟

لقد أثبت الوباء أن رذاذ عطسة طفل من غزة ستصل إلى قلب تل أبيب ولن تحول معها كل الحدود والسلاح الذي تملكه، فلن تمنع اقوى الطائرات لإسرائيل دون وصول هذا الرذاذ. فغزة الأقرب، بل الملاصقة لمناطق سكانية كالمجدل أو ما يسمى بمنطقة الغلاف, وهذا التقارب والتداخل دفع بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية إلى التخوف وإعداد التقارير التي تحمل مخاطر كبيرة في حال إنتشار الوباء في غزة، وان إسرائيل سيكونون الأكثر تهديدا وإصابة، عندها ستكون إسرائيل معرضة، ولأول مرة، لأكبر تهديد لأمنها القومي، ليس من حرب بل من وباء صغير يعرض سكانها وبقاءهم للتهديد، بل قد يدفع الكثيرون منهم للهجرة.

في هذا السياق برزت الكثير من السيناريوهات كما تصورها الصحفي اليكس فيشمان في صحيفة "يديعوت أحرنوت"، وشبه السيناريو الأول بشبه القيامة، وهو سيناريو كما حمل عنوان المقالة "سيناريو الرعب الزاحف"، وهو في حال ان إنتشر الوباء بشكل كبير لدى السكان في غزة فليس أمامهم إلا الزحف عبر الحدود وهو أشبه بزحف "الكورونا" ولن يقفهم أحد حتى الموت، وعندها إسرائيل أمام خيارين سيئين إما قتلهم وهو ما يعني إرتكابها لجريمة العصر وتهمة الإباده البشرية لشعب كامل، وإما الهرب منهم وهو ما يعني القتل الجماعي داخل إسرائيل، فهو سيناريو القيامة. أما السيناريو الثاني سيناريو أنا والطوفان ومن بعدي، وهو ان تقوم المقاومة وبعد ان تفقد الأمل في الحياة وبدلا من الموت الفرادي ان تقوم بإطلاق كل ما تملك من صواريخ وبالونات حارقة قد تكون محملة برذاذ الوباء، والهاونات، ومن شأن هذا السيناريو أن يضع إسرائيل أيضا أما خيارين كل منهما أسوا من الآخر: إما أن تقوم بتوجيه ضربات عسكرية قوية لشعب مصاب، أي القتل الجماعي والذي لن تنجو منه إسرائيل، والخيار الآخر تدكس سكان الغلاف وفي داخل إسرائيل في الملاجئ وفشل سياسة العزل، أي تفشي الفيروس داخل إسرائيل وفشل الحكومة في إحتوائه والسيطرة عليه، وبالتالي إنتشار حالة من الخوف والفوضى العارمة وحالة قريبة من يوم القيامة الكاملة.

هذان السيناريوهان متشائمان وهما اقرب للمبارا ة الصفرية لغزة وإسرائيل، فكلاهما خاسر، وكلاهما مقتول وميت، والبديل لذلك السيناريو الإنساني والتعاون والتنسيق ورفع الحصار وتقديم المساعدات ودعم غزة بالمساعدات وتسهيل مهمة المنظمات الدولية، هذا السيناريو قد يقود للإفراج عن الأسرى الإسرائيليين في غزة وإنجاز صفقة تبادل أسرى كبيرة للفلسطينيين تنقذهم من الوباء، ومن شأن هذا السيناريو أن يغير من تصورات "حماس" تجاه إسرائيل، وقد يفتح الباب امام عمل الآلاف من العمال الغزيين داخل إسرائيل وبالتالي تحل مشاكل الفقر والبطالة، وقد يحمل توافقا على تهدئة شاملة تحيد السلاح في المواجهة.. هذا السيناريو وهو تعبير عن إجتهاد شخصي لكاتب المقالة، هو الحل الأمثل لمستقبل غزة.. وهو البديل للحرب والفناء، وقد يخلق آفاقا أفضل للمستقبل، وفي سياقه لا يمكن تجاهل، أو القفز عن التنسيق الفلسطيني الشامل والمصالحة والوصول لحالة سلام شاملة تحقق قيام الدولة الفلسطينية وتنقل العلاقات مع إسرائيل من العداء والحرب إلى التعاون والبحث عن حلول مشتركة وتحديات مستقبلية في المستقبل كظهور وباء جديد.

هذا مجرد تصور وإن حمل في طياته درجة من المثالية لكنه الواقع الذي يفرضه وباء "الكورونا". وهل من بديل آخر لهذا السيناريو إلا الفناء والحرب والقتل والفقر والبطالة والجوع؟ والصراع الدائم وهو نقيض الأرض الواحدة وحقائق الجغرافيا المشتركة التي تفرض البحث عن دوائر مشتركة للمصلحة والمصير الواحد.. والله من وراء القصد.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com