2020-04-04

"الكورونا" وانعكاساتها على حالة التعليم..!


بقلم: محسن أبو رمضان

تضرر المجتمع البشري بأزمة "الكورونا"، ومن الطبيعي أن يتم التركيز على الحالة الصحية كأحد تداعياتها المباشرة  لأن بقاء الإنسان وصحته تحتل الاولوية والقيمة العظمى على ما عداها من أولويات.

ولكن يجب أن لا يلغي ذلك الاهتمام بالقطاعات الآخرى ومنها الأعمال والاقتصاد وكذلك على التعليم على اعتبار أن الصحة والتعليم تشكل مرتكزات للتنمية البشرية الى جانب الدخل.

ان القرارات المتخذة لمحاصرة الجائحة، وهي صحيحة من الناحية الصحية والوقائية لمنع الاختلاط والجلوس بالمنزل، سيكون لها تداعياتها على كافة القطاعات ومنها التعليم.

ان التركيز على التعليم الألكتروني عن بعد عبر اعتماد الطالب وليس مجتمع التعليم، اي المدرسة أو الجامعة، محورا مركزيا له يعني التركيز على الخيار الفردي والابتعاد عن ثقافة المشاركة، كما يعني تراجع قيم العمل الطوعي والاجتماعي والاهتمام بالآخر لصالح مصلحة الفرد الأمر الذي سيؤدي الى تفكيك الروابط الاجتماعية والشعور بالآخر ومد يد العون له بما سيساهم بتراجع قيم التضامن وثقافة التشارك.

يشار هنا أن مجتمع التعليم وخاصة في مرحلة الجامعة يساهم بصورة كبيرة في بناء الشخصية وذلك من خلال تعلم الطالب فن الحوار وتقبل الآخر المختلف داخل الصف وكذلك عبر الأنشطة اللامنهجية ايضا.
 
يذكر بانه يوجد قطاعات اجتماعية فقيرة لا تملك القدرة على التواصل مع شبكة الإنترنت وذلك بسبب البطالة والفقر التي عمقتها أزمة "الكورونا" فاننا سنجد أن هذه القطاعات المهمشة لن تستطيع أن تدفع ثمن تغطية نفقات الانترنت الى جانب انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، خاصة في قطاع غزة، الامر الذي سيحرمها من فرص التعليم الألكتروني بما انه الأداة الوحيدة السائدة في إطار هذه الأزمة.

والسؤال هنا يكمن بدرجة الاستعداد للتفاعل مع المعطيات الجديدة اخذا بعين الاعتبار أن هناك بعض المدرسين القدامى لا يجيدون فن التعامل مع التعليم عن بعد او استخدام تقنيات التواصل الاجتماعي.

من الهام الاهتمام بمبدأ تكافؤ الفرص بالتعليم وهو احد محاور البند الرابع من أهداف الألفية 2030 والذي ينص على التعليم الجيد والمنصف والشامل والمستمر للجميع اي دون تمييز.

ان التركيز على الفردانية كجزء من منظومة الليبرالية الجديدة بعيدا عن الثقافة الجمعية سيشكل خطرا على مستقبل فلسفة التعليم، كما ان التركيز على التعليم الإلكتروني سيضعف من مستوى المشاركة، وكذلك سيحرم قطاعات اجتماعية مهمشة وفقيرة واسعة من فرص الوصول لمصادر التعليم.

ان فن إدارة المعرفة يفترض التفكير بتوفر البدائل في زمن الطوارئ ومنها "الكورونا" وكذلك في اجتراح البدائل كذلك بما يشمل دمج الفقراء والمهمشين في إطار التعليم بعيدا عن آليات الإقصاء الناتجة اولا عن منهجبة الليبرالية الجديدة وعن جائحة "الكورونا" وافرازاتها ايضا.

من المناسب الإشارة هنا إلى أن أحد افرازات "الكورونا" تكمن في اختلاف وظيفة الأسرة والمنزل فالى جانب الوظيفة التقليدية لها كوعاء اجتماعي فقد تحولت الى وظيفة عملية ايضا وذلك في ظل اضطرار باقي أفراد الأسرة العاملين إلى العمل عبر الانترنت فقط ومن منازلهم.

لقد أصبح المنزل عبارة عن مكتب عمل الى جانب الواجبات المنزلية والاسرية التقليدية.

وعليه فكيف سيتم التصرف مع الطالب والتلميذ؟ وهل هذا بحاجة لتزويد أفراد الأسرة بتقنيات لاحتضان الطالب ومساعدته على التفاعل البناء مع محاضرات الانترنت؟

وكيف يمكن توفير بيئة عمل صالحة لكافة أفراد الأسرة للقيام بأعمالهم الوظيفية بسبب عدم تمكنهم من الوصول الى مكاتب العمل الخاصة بهم بسبب الجائحة؟

نحن أمام تحديات كبيرة حيث ستشهد البشرية على إثرها تغيرات كبيرة أثناء وبعد انتهاء أزمة "الكورونا".

ان منطلق التنمية البشرية والمبني على المساواة وتكافؤ الفرص والمشاركة هو الذي يجب ان يكون احد البدائل الهامة لمنهجية الليبرالية الجديدة التي تحصد البشرية نتائجها الكارثية يفترض أن تتكامل بها الحلول مع بعضها البعض وان لا يكون علاج التداعيات الصحية على حساب الأبعاد الأخرى وبالمقدمة منها التعليم والثقافة والتي تعتبر مرتكزات مهمة للحياة والتطور.

* كاتب وباحث فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - muhsen@acad.ps