2020-04-05

المديونية الأمريكية الضخمة لا تشكل عبئا على اقتصادها وتحرك القاطرة الصينية لقيادة اقتصاد العالم مسألة وقت


بقلم: محمد خضر قرش

طرح هذا الموضوع في أكثر من مكان ومناسبة على صفحات التواصل الاجتماعي بطريقة توحي وتشير وأحيانا تؤكد ان المديونية الامريكية الهائلة والتي تبلغ نحو 23 تريليون دولار، وخاصة بعد فشل أمريكا في مواجهة انتشار فيروس "كورونا"، سيكون له تأثير كبير على استمرار قيادتها للنظام المالي والنقدي الدولي. مما سيتيح للاقتصاد الصيني العملاق من تبوأ دفة قيادة الاقتصاد الدولي والذي يستحقه بلا منازع.

أغلب الاعتقاد بان دوافع هذه الامنيات والرغبات سياسية وايدولوجية، نظرا للكره الشديد الذي يكنه العالم اجمع لسياسة واشنطن المعادية لحق وحرية الشعوب وللعنصرية الزائدة والملموسة في كل مواقفها تجاه الدول المخالفة لسياستها مما دفعها – وما زال – إلى اللجوء لسياسة فرض العقوبات الاقتصادية عليها وحرمانها من المشاركة في النظام المالي الدولي ووضع اسمها واسماء مؤسسات وشركات تابعة لها أو محسوبة عليها على قوائم الارهاب مما يحول بينها وبين التعامل المهني والحر في الاسواق الدولية، ويفقد الدول المغضوب عليها تدريجيا المزايا النسبية والمنافسة الحرة مع المؤسسات الأمريكية بالدرجة الاولى والغربية بدرجة ثانية.

ومع امنية كاتب هذا الورقة الكاملة بتصدر الصين لقيادة دفة النظام المالي الدولي والبدء بتغيير الأوزان النسبية في المعادلة الاقتصادية الدولية السائدة حاليا (والتي بدأت بالتخلخل الملموس والتشقق بسبب كبر حجم الاقتصاد الصيني والاقتصاديات الأخرى فلم تعد تكفيهم المساحة التي كانت مخصصة لهم في المعادلة) بغرض إتاحة الفرصة للدول الاكفأ ماليا واقتصاديا للتأثير الترجيحي لصياغة معادلة اقتصادية جديدة أكثر عدلا ولكي تستوعب كل التغيرات التي طرأت على الاقتصاد الدولي. لكن تحقيق الامنيات والرغبات شيء وما هو قائم على ارض الواقع شيء أخر مختلف تماما.

وحتى لا اطيل في عملية السرد المعروفة لدى جموع الاقتصاديين والمحللين وذوي الاختصاص والمعنيين، سألج على الفور في مناقشة الموضوع، باختصار وبتركيز شديدين.

1-النظام الاقتصادي العالمي الذي نشأ عقب الحرب العالمية الثانية والذي ارست قواعده وأسسه اتفاقية 
بريتون وودز عام 1945 ألغى النظام النقدي الذي كان سائدا والمعروف بقاعدة الباوند/ الذهب إلى قاعدة الدولار / الذهب. وفق مقياس سعري ووزن متفق عليه قدره 35.25 دولار / اونصة ذهب. وعليه كان المجلس الفيدرالي الأمريكي لا يستطيع طباعة دولارات جديدة الا وفق ما هو متوفر لديه من كميات من الذهب طبقا للسعر المعلن والمقر دوليا بشكل اساسي. فقراره (المجلس الفيدرالي الأمريكي) لم يكن مطلقا في طباعة النقود، كما هو الواقع حاليا، لأنه كان ملزما باستبدال أي كمية من الدولارات بالذهب بالسعر المعلن، يضاف اليها تكلفة الشحن سواء للأفراد او المؤسسات (البنوك المركزية او البنوك التجارية) واستمر الوضع على هذا المنوال حتى نهاية عقد الستينات (وخاصة بعد العدوان الامريكي الواسع والوقح على فيتنام والذي كلف الخزينة مليارات الدولارات في ذلك الوقت) وتوقف رسميا عام 1972 حينما ألغى الرئيس نيكسون القاعدة التبادلية المشار اليها وخفض قيمة الدولار بنسبة 10% ثم اتبعه بتخفيض مماثل اخر فيما بعد. وبات سعر اونصة الذهب تحدد وفقا لقانون العرض والطلب. ولم يعد المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ملزما بمبادلة الدولارات بالذهب في أي وقت. فقد تم وقف العمل بالقاعدة المنوه عنها وعليه لم يعد للدولار نفس المكانة القوية التي كان يستأثر بها قبل العام المذكور.

2-لقد حصلت تطورات متسارعة في أسواق المال الدولية في النصف الثاني من عقد الستينات أدت الى اضطرابات كبيرة وملموسة في الأسواق المذكورة والناجمة بالأساس عن:
 أ-زيادة عرض الدولارات (كمية النقود بعملة الدولار على وجه التحديد) في الأسواق النقدية والمالية الدولية والمتولدة بالأساس من استمرار طباعة النقود بدون تغطية فعلية كافية من الذهب والاحتياطات النقدية الأخرى.
ب-تراكم الأرصدة الدولارية الناجمة عن بيع النفط في البنوك والمؤسسات المالية الأوروبية وخاصة لندن وباريس وامستردام والتي عُرفت فيما بعد " بأزمة اليورو دولار" وكانت أحد أسباب توقف العمل باتفاقية بريتون وودز، حين قررت فرنسا بعهد الجنرال ديغول استبدال مئات الملايين من الدولارات بالذهب من المجلس الاحتياطي الفيدرالي بالسعر الذي كان سائدا حينها (35.25 دولار/اونصة).
ت-وكنتيجة للعاملين (أ، ب) بات مجموع الدولارات المطروحة بالتداول وفي المؤسسات المالية الدولية أكبر بنحو ثلاث مرات من قيمة الذهب المحتفظ به في خزائن المجلس الفيدرالي الأمريكي بالسعر المحدد في اتفاقية بريتون وودز. وخطورة هذه النقطة تكمن في حال لو تمت مبادلة الكميات المعروضة من الدولارات في الأسواق الدولية والمقدمة لاستبدالها بالذهب (وفقا لاتفاقية بريتون وودز) فإن خزائن المجلس الاحتياطي الأمريكي من الذهب سوف تنفذ ولن يبقى لديه أي أونصة؟ مع بقاء كميات كبيرة من الدولارات غير المغطاة في التداول والتي لا يمكن مبادلتها بالذهب لنفاذ الكمية.

3-وكنتيجة للتطورات سالفة الذكر خسرت الدول النفطية والتي تحتفظ باحتياطياتها النقدية بالدولار 20% من ارصدتها في نفس العام (1972).

4-وحتى نبين حجم الخسائر الفعلية التي لحقت بدول العالم نتيجة لوقف العمل بنظام بريتون وودز، سنقدم مثالا توضيحيا واحدا فحسب. فأونصة الذهب كانت تساوي 35.25 دولار، اصبحت تباع الان– وفقا للسعر المتداول عند كتابة الورقة-نحو 1250 دولار، وهذا المبلغ كان يشتري نحو 35 أونصة (وسنغض الطرف عن التقلبات الحادة التي كانت تحدث بين فترة وأخرى بسعر الذهب والذي تجاوز على سبيل المثال سقف الاف دولار في نهاية 1979). وهذا يعني ان الشخص/ المؤسسة، خسر/خسرت 34 أونصة وفقا للسعر الحالي.

5-الولايات المتحدة الأمريكية حاربت عمليا إنشاء وحدة حقوق السحب الخاصة"Special Drawing    Rights " والتي كان الغرض الرئيس من خلقها (ايجادها) إتاحة المزيد من السيولة في النظام المالي الدولي. فالدولار بات قاصرا لوحده على تلبية الطلبات المتزايدة على السيولة بالإضافة الى الخسائر المترتبة من وراء الاحتفاظ به واستخدامه كاحتياطي لعملاتها سواء كأصل لتقوية نظامها المالي او لربط عملتها بالدولار نتيجة التقلبات التي تحدث على اسعار عملتها بين الفترة والأخرى بسبب تقلب أسعار صرف الدولار إزاء العملات الدولية.

6-لا تعير الولايات المتحدة الأمريكية أي أهمية تذكر لمديونيتها ولا تسعى لتخفيضها أيضا. فالمديونية الحالية تزيد على 23 تريليون دولار وهو ما يعادل تقريبا ناتجها المحلي السنوي.

7-الولايات المتحدة الأمريكية لا تستهبل العالم ولا تسرق ثرواته وموارده من نفط وذهب وغيرهما فحسب وإنما تحارب وبقوة كل من يفكر باستبدال الدولار بعملة أخرى وتلزم الدول على التعامل بها بشكل أساسي باعتبارها عملة التسويات والمدفوعات الدولية الرئيسة.

8-الدولار عمليا لا يساوي سوى تكلفة طباعته فحسب بالإضافة إلى أنها غير ملزمة بدفع رسوم السينيوريج Seniorige للعالم مقابل استخدامه لعملتها على نطاق واسع. فهي لم تعد معنية بما تساويه عملتها ولا تخسر شيئا من تقلبها سوى تكلفة طباعة الدولارات. ولعل ذلك يعود الى وجود طلب عليه وقبول العالم باستخدام الدولار كعملة احتساب وتقاص دولية. لذا فهي لا تحتفظ بعملات أخرى او بالذهب عند قيامها بإصدار وطباعة الدولارات ووضعها بالتداول.

9-تسديد المديونية الأمريكية للدائنين على تنوعهم (محليا ودوليا) لا يزيد عن كونه عملية حسابية فنية تتضمن القيام بإجراء قيود دفترية وتسجيل ذلك في حسابات الدائنين المصرفية لدى البنوك الأمريكية أو فروعها في الخارج أو لدى مصارف أخرى بما في ذلك المجلس الاحتياطي الفيدرالي.

10-الولايات المتحدة الأمريكية غير ملزمة بتكوين احتياطي من الذهب والعملات الدولية مقابل طباعة وإصدار دولارات جديدة، فهي تعتمد على قوة اقتصادها الذي بدأ بالتراجع التدريجي لصالح الاقتصاد الصيني. فطباعة الدولارات ووضعها بالتداول المحلي والدولي هو قرار امريكي بامتياز بغض النظر عن أوضاع وظروف وتطورات اقتصادها المحلي واستمرار العجز الدائم في موازين مدفوعاتها منذ عقود. فلم يعد قرارها يستند إلى معايير ومتطلبات اقتصادية كما هو حال الدول الأخرى، فما دام العالم يقبل بالدولار كأداة لتسعير السلع والخدمات ووسيلة للمدفوعات والتسويات وتسديد الالتزامات بدون بروز معارضة فعلية حتى تاريخه، فسيستمر المجلس الاحتياطي الفيدرالي باتباع هذه السياسة (التمويل الذاتي من خلال طباعة الدولارات) إلى ابعد مدى ممكن. فالولايات المتحدة تشتري ثروات العالم بثمن بخس لا يزيد عن سنتات قليلة هي في الحقيقة عبارة عن تكلفة طباعة الدولار. وبناء على ما تقدم فإن المديونية الأمريكية المحلية والدولية من خلال طرح سندات واذونات الخزينة لبيعها للدول والمستثمرين والعجز المتواصل والمستمر والمتفاقم في ميزان مدفوعاتها على حد سواء، لا تشكل أي عقبة أو عبء مالي على اقتصادها وتجارتها.

الصين ليس على عجلة من أمرها..
من المبكر جدا القول بأن الصين ستحل محل الولايات المتحدة الامريكية باعتبارها القوة الاقتصادية الأولى في العالم، رغم توفر كل الإمكانيات والموارد الاقتصادية والمالية والقدرة التنافسية لديها. فالصين نفسها لا تستعجل تبوأها المركز الأول عالميا، ولا ترغب به حاليا، فهي تدرك تماما صعوبة الإقرار الأمريكي بتحولها إلى دولة رقم = 2= بعد الصين. وهناك نقطة في غاية الأهمية وهي ان الصين من أكبر الدول الدائنة في العالم للولايات المتحدة من خلال استثمارها في سندات وأذونات الخزينة (ولا ينافسها في ذلك الا اليابان). فالمبلغ تجاوز أكثر من مرة حاجز التريليون دولار، وبالتالي فان استعجالها التبوأ سيُخسرها كثيرا بالإضافة إلى كونها غير جاهزة بعد بما فيه الكفاية. الصين تدرك وتعلم علم اليقين بأن تصدرها لقيادة الاقتصاد العالمي باتت مسألة وقت ليس أكثر. وهذه سياسة ذكية انتهجتها الصين منذ عقود. فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان بإمكان الصين استرجاع جزيرة هونغ كونغ من عقود طويلة خلت ولكنها لم تفعل ذلك رغم قدرتها العسكرية الواضحة. فلم يكن في الجزيرة الصينية سوى بضعة مئات من الجنود البريطانيين، فإعادتها بالقوة العسكرية كان لا يستغرق منها سوى ساعة، لكنها تجنبت ذلك حفاظا على قوتها الاقتصادية ومعدلات النمو السنوية التي بدأت بتحقيقها. فالجزيرة ستعود اليها عام 1997 بدون ان تطلق رصاصة واحدة ضمن شروط وضعتها هي لتكون نافذتها على العالم الرأسمالي وقد حققت مكاسب كبيرة جدا جراء اتباعها هذه السياسة. والصين رأت وهي على حق، بأن بإمكانها تحقيق معدلات مرتفعة من النمو الاقتصادي في ظل عدم الاشتباك والمواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة الامريكية، لأنها كانت مصممة على تخصيص كل الموارد المتاحة – كما حصل مع اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية-للتنمية الاقتصادية ولذلك كانت تتجنب الدخول في صراعات عسكرية أو في افتعال الحروب لكونها ستشكل استنزافا لمواردها المالية، كما انها لم تكن طرفا مباشرا في الحرب الباردة التي كانت قائمة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية، لذلك لم تتأثر معدلات نموها الاقتصادي  وخاصة الصناعي والتقني. بالإضافة إلى نقطة هامة جدا وهي أن الولايات المتحدة خاصة والغرب عامة لم يكن يتوقع هذه الطفرة التنموية الصينية المتسارعة وغير المسبوقة خلال العقدين الأخيرين حيث حققت تقدما تكنولوجيا هائلا في عالم الالكترونيات فاق كل التقديرات والسيناريوهات.

الآليات والعوامل المساعدة..
من المستحيل مواصلة زعامة الولايات المتحدة للاقتصاد العالمي وللنظام النقدي الدولي لأسباب عديدة معروفة لا داعي للتطرق اليها في هذه الورقة. لقد ركزت الولايات المتحدة الأمريكية في العقد الماضي تحديدا وحينما استشعرت قوتها الاقتصادية، على استنزافها من خلال مزاحمتها في السيادة على جزرها الاصطناعية والطبيعية في مجالها البحري الحيوي في المناطق الجنوبية الشرقية، وكذلك خلق إشكاليات مختلفة لها في هونغ كونغ وادراج العديد من مؤسساتها على قائمة المقاطعة والعقوبات وفرض رسوم جمركية عالية على سلعها ومنتجاتها المصدرة للولايات المتحدة كما فرضت على بعض شركاتها عقوبات بحجة التعاون والمتاجرة مع إيران وفنزويلا وكوبا وغيرها وكذلك فعلت مع روسيا ايضا. ومن المفيد في هذا السياق الإشارة الى كتاب حرب العملات بجزيئه الأول (2007) والثاني (2009) والذي تطرق إلى وجود جهات مصرفية من عائلات روتشلد ومورغن وروكفلر وجهات نافذة أخرى تخطط لعرقلة معدلات النمو الصيني وإحداث هزات له مماثلة لتلك التي أحدثتها لاقتصاديات دول جنوب شرق اسيا والملقبة بالنمور الثمانية في عقد التسعينيات من القرن الماضي. فالفروق كبيرة وهائلة بين الاقتصاد الصيني واقتصاديات النمور من كل النواحي. صحيح بأن الصين تأثرت في بعض الجوانب وخاصة أن نسبة لا يستهان بها من الشركات والمؤسسات الصناعية والخدمية في دول النمور، يملكها صينيون لكن ذلك تم امتصاصه والتغلب على آثاره الاقتصادية. فكتاب حرب العملات المشار اليه كان واضحا في وجود خطط يتم الاعداد لها لتدمير الاقتصاد الصيني، بغرض إبقاء السيطرة الأمريكية وبالأدق فئات ومؤسسات محددة على التجارة والنظام النقدي الدولي، أشار اليها الكتاب بوضوح وبدون لبس، وقد أُتهم الكاتب (سونغ هونغ بينغ) على إثره باللاسامية. وبغض النظر عن صحة نظرية المؤامرة التي وردت به في غير مكان وفي الجزأين، فإنه يعطي فكرة واضحة عما ينتظر الاقتصاد الصيني في المستقبل. فإذا كانت الصين تتهيأ لقيادة اقتصاد العالم فإنه لا بد من القيام فرديا وجماعيا من الصين وروسيا والهند والبرازيل والأرجنتين وتركيا ومصر وجنوب افريقيا ودول جنوب شرق اسيا وخاصة اندونيسيا وماليزيا بالخطوات والإجراءات التالية-على سبيل المثال لا الحصر-والتي من شأن تطبيقها وتنفيذها ان يؤدي لاقتراب موعد خبو وتراجع التعامل بالدولار في التجارة الدولية وإجبار الولايات المتحدة الأمريكية على التخلي عن قيادة الاقتصاد الدولي.

1-على الدول المشار اليها وبقية دول العالم، ان تبدأ بالتفكير جديا بتقليص تعاملها بالدولار الأمريكي أو تضع خطط على المدى المتوسط لتقليل نسبة التعامل به واحلال العملات المحلية عبر الاتفاقيات التجارية الثنائية والجماعية كما يحصل حاليا وان كان على نطاق غير كبير بعد، مع أنه أخذ بالازدياد التدريجي. فمعظم الدول باتت قلقلة جدا من استمرار التعامل بالدولار وخاصة ان استمرار طبع كميات كبيرة منه، فاق كل الحدود والمعايير والقواعد الاقتصادية لذا فهي باتت تخشى التأثير السلبي على احتياطاتها النقدية واستقرار عملتها وخاصة في مرحلة التحول الحالية.

2-حصة الدولار الأمريكي في التعاملات الدولية تصل ما بين 62-65 % والنسبة الباقية موزعة على بقية العملات وفي المقدمة منها اليورو واليوان الصيني والين الياباني والباوند الاسترليني. فالمطلوب هو تخفيض نسبة التعامل في الدولار بالتجارة الدولية والنظام النقدي الدولي الى 40% خلال السنوات العشر القادمة كحد اقصى.

3-وقف تقييم التجارة الدولية بالدولار الأمريكي ووقف قيام الدول وخاصة المشار اليها آنفا إصدار حساباتها الخارجية وميزانياتها بالدولار أو الاستدانة به.

4-عدم حصر تسعير النفط بالدولار وجعله متاحا بكل العملات، وفي هذا الاتجاه، فقد بدأت الصين عبر البورصة (شانغهاي) ببيع وشراء النفط بالعملة الصينية وقد بلغت نسبتها 10% من سوق التعاملات الدولية بالطاقة.

5-البدء بالتخلص من استثمارات الدول في سندات واذونات الخزينة الامريكية. فروسيا قطعت شوطا كبيرا في هذا المضمار لكن الصين ما زالت متحفظة بعض الشيء، فهي واليابان من أكثر الدول الدائنة للولايات المتحدة الأمريكية بمبلغ يصل الى تريليون دولار لكل واحدة. لذا فيتوجب على الصين تخفيض امتلاكها للسندات الحكومية الأمريكية إلى 500 مليار خلال السنوات الخمس القادمة سواء لشراء عملات دولية أخرى او شراء أصول مختلفة.

6-ولأن الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الوحيدة في العالم التي تستمر بطباعة النقود دون الخشية من حدوث التضخم الجامح Hyper Inflationn، لكون الطلب الدولي على الدولار مستمر ولا يتوقف من قبل الدول ومن الأسواق العالمية. وحينما تتراجع حصته في التجارة الدولية إلى 35% مثلا فهذا سيعني ان كمية الدولارات في الأسواق العالمية لن تجد من يطلبها ويحتاجها سواء كاحتياطي أو لتمويل أثمان السلع والخدمات مما يؤدي إلى زيادة العرض منه وانخفاض الطلب عليه بذات الوقت، ففي هذه الحالة ستشهد الولايات المتحدة الأمريكية تضخما جامحا سيضعفه أكثر ويقلل من قيمته التبادلية إزاء العملات الأخرى، مما سينتج عنه عزوف الدول والمستثمرين على التعامل بالدولار.

7-يتوجب على الدول المشار اليها وغيرها التوقف عن استخدام الدولار كاحتياطي نقدي لعملاتها مما يؤدي إلى ضعف إضافي في الطلب عليه.

8-إنشاء صندوق للتنمية مواز لصندوق النقد والبنك الدوليين لتقديم المساعدات والقروض للدول النامية بعملات الدول الأعضاء، مما سيقلل الطلب على الدولار وبالتالي تقليص الهيمنة الأمريكية على دول العالم.

9-إنشاء مؤسسة للتقاص الدولية وتسوية المدفوعات مما يؤدي إلى إفراغ سياسة قوائم الإرهاب من مضمونها وإضعافها وبالتالي انعدام الجدوى من استخدامها.

السلوك الأمريكي المتوقع..
ارتبطت قوة الدولار قبل عام 1972 بإمكانية تحويله إلى ذهب بالسعر المتفق عليه في اتفاقية بريتون وودز، لكنه بعد ذلك ارتبط بشكل أساسي بالقوة العسكرية الأمريكية وبسيطرتها على النظام النقدي الدولي وبعض المؤسسات كصندوق النقد والبنك الدوليين. ومن نافلة القول التأكيد بان الولايات المتحدة الأمريكية لن تسلم الراية للصين لقيادة الاقتصاد الدولي والعالم فيما بعد بسهولة ويسر. فالمعادلة البديهية تقول: بان من يقود الاقتصاد الدولي هو عمليا من سيتولى قيادة العالم بشكل رئيس أو سيكون له الكلمة الترجيحية في النظام العالمي الجديد. وقد ذهب بعض الاقتصاديين قليلي الخبرة في إدارة الصراع الدولي إلى الجزم بأن الحرب الأمريكية الصينية حتمية بسبب الاختلافات الكبيرة بينهما في المجالين الاقتصادي والإقليمي. إن إمكانية نشوب حرب بين البلدين كما يبشر البعض ليس فقط مستبعدة وإنما هي لغير صالحهما وتضران بهما معا بشكل أساسي وبالبشرية أيضا، كما انه لا يمكن الجزم بإبقائها محصورة في نطاق الحروب التقليدية العسكرية. فكلا الدولتان تملكان أسلحة تدميرية لا يمكن استبعاد استخدامها من قبلهما. وحيث ان الإمكانيات والقدرات الصينية باتت ضخمة ولا يمكن إعادة تحجيمها أو تعليبها في إطارات وحدود متفق عليها أو حتى بتقسيم وتوزيع الجغرافيا الدولية فيما بينهما كما أنه لا يمكن الاعتقاد بأن الحرب ستبقى محصورة فيما بين الدولتين فحسب. وعليه فأصحاب نظرية الحرب الحتمية بين الصين والولايات المتحدة لديهم قصور نظر وعمى ألوان وقلة إحاطة ومعرفة وإدراك بالواقع الحالي للعالم وتشابكه.  بالإضافة إلى ان العالم ليس كما كان زمن سايكس بيكو، فقد بات قرية صغيرة يمكن مشاهدة كل ما يجري فيه بذات اللحظة، من خلال شبكات التواصل الاجتماعي والاقمار الصناعية وبث كل ما سيجري بشكل مباشر. فالحروب التدميرية عبر استخدام الأسلحة النووية والجرثومية والبيولوجية لن تستثني أحد من آثارها ونتائجها التدميرية ولن يكون فيها منتصرا كما كان الحال في الحربين العالمتين الأولى والثانية وما قبلهما وما بينهما. لذلك فمن المستبعد نشوب الحرب بين الصين وامريكا كما يريدها ويراهن عليها بعض المراهقين الاقتصاديين من كبار السن. وما دام الوضع كذلك، فإن الخيارات المتاحة بين الدولتين هو الوصول الى تسويات تتوافق والوزن النسبي لكليهما والدول المرتبطة بهما. واغلب الاعتقاد بأن ما سينتج عن الخلافات والتباينات الصينية الأمريكية هو عالم متعدد الأقطاب سنشهد فيها فترة تحول ربما تمتد لعشر سنوات قبل الإقرار عمليا بعالم متعدد الأقطاب سياسيا واقتصاديا. وبالتالي تراجع دور الدولار في النظام النقدي الدولي لصالح العملات الأخرى وكف يد الولايات المتحدة الأمريكية عن الاستئثار والتحكم بثروات الشعوب والهيمنة عليها ونهبها باستخدام القوة العسكرية تارة والتآمر الدوري تارة ثانية وفرض العقوبات والمقاطعة وقوائم الإرهاب تارة ثالثة.

الخلاصة..
أ-الولايات المتحدة الأمريكية، وإن كانت لن تسلم بسهولة بالدور الصيني المتوقع في المشاركة الريادية وعلى نفس المستوى والدرجة معها على الأقل، في الاقتصاد العالمي إلا انها باتت تقترب من الإقرار الضمني بالواقع الجديد الذي احدثته الصين في الاقتصاد الدولي. فالولايات المتحدة لن تبقى سيدة العالم اقتصاديا وماليا وبالتالي ستُحرم من استمرار نهب ثروات الشعوب بثمن بخس كما أنها ستُحرم أيضا من تسديد ديونها عبر التمويل الذاتي من خلال طباعة المزيد من الدولارات. فالعقد القادم على ابعد تقدير سيشهد افول بريق الورقة الخضراء (الدولار) في الأسواق المالية الدولية.
ب-الولايات المتحدة الأمريكية تدرك أيضا، بأن خوضها حربا ضد الصين بغض النظر عن نوعها تقليدية او نووية أو بيولوجية لن يكون في صالحها، لأنه سيلحق بها خسائر كبيرة من الصعب ان تمكنها من إعادة فرض هيمنتها الوحشية من جديد على العالم.  فنشوب حرب بين الصين والولايات المتحدة ليست لعبة لوغو فالدولار لن يتسيد العملات الدولية وسيتراجع الطلب الدولي عليه ولن يبقى وسيلة تسوية الحسابات الدولية وأداة تسديد الالتزامات المتعددة. فالصين وامريكا ستخرجان خاسرتان من المواجهة مهما كان شكلها ونتائجها
ت-العالم الغربي وبالذات بريطانيا وفرنسا بالدرجة الأولى لن تستطيعا مساندة ودعم الولايات المتحدة ميدانيا وعمليا، لكونهما تفتقدان للموارد والامكانيات الاقتصادية والبشرية والتكنولوجية التي تملكها الصين. وينطبق عليهما مثل "فاقد الشيء لا يعطيه".
ث-اما المانيا واليابان فلن تكون لهما دورا ملموسا في الصراع ولن تنحازا الى ايهما على الاغلب وستنتظران النتائج للتعامل معها. ففي اعماقهما ما زالت ترسبات كبيرة من إذلالهما من قبل الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا في الحرب العالمية الثانية. فالولايات المتحدة الأمريكية في مأزق حقيقي حيث لن تجد من يساندها ويدعهما عمليا وفعليا في مواجهتها للصين سوى بالبيانات.
ج-الصين تدرك تماما بان قاطرتها الاقتصادية العملاقة قد بدأت بالإحماء وان موعد انطلاقها ومغادرتها المحطة لقيادة العالم اقتصاديا باتت مسألة وقت ليس إلا. فالعالم كله وليس الصين بدأ يقر بهذه الحقيقة.
ح-الصين أولا وروسيا ثانيا والهند ثالثا بالإضافة إلى المانيا واليابان سيكون لها دور ملموس في قيادة الاقتصاد العالمي في المستقبل، وسيتراجع دور كل من بريطانيا وفرنسا كقوتين اقتصاديتين كان يشار اليهما بالبنان. اما الولايات المتحدة الأمريكية فإنها لا تملك سوى المشاركة مع الدول المذكورة على نفس المستوى، إن لم يكن أقل قليلا.
خ-ليس من المستبعد إعادة تشكيل الخارطة الدولية سواء فيما يتعلق بهيكلية الأمم المتحدة ومن ضمنها تركيبة مجلس الأمن الدولي والمؤسسات الاقتصادية والصحية والاجتماعية والثقافية لتعكس الحقائق الجديدة على الأرض وفي الخارطة الاقتصادية العالمية.
د-أثبت انتشار فيروس الكورونا في العالم كفاءة واقتدار الصين على تقديم المساعدات الفنية والخبرات في التعامل مع انتشار الوباء، فمساعداتها المجانية وصلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وللعديد من دول حلف شمال الأطلسي (إيطاليا واسبانيا وفرنسا) بينما عجزت واشنطن على حماية نفسها من الوباء وفي التعامل معه وباتت من أكثر دول العالم إصابة به. ويمكن القول بأن تعامل الصين مع هذا الوباء كان بمثابة تمرين حيً لقدرة الصين القيادية وفشل واضح للغرب في التعامل مع انتشار مثل هذه الأوبئة مما سيجعل الغرب يفكر ألف مرة قبل القيام بحرب بيولوجية ضد الصين أو روسيا.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة القدس. - Kirresh_mohammed47@yahoo.com