2020-04-11

قرصنة المستلزمات الطبية جريمة ضد الانسانية..!


بقلم: د. هاني العقاد

لم يعد "الكورونا" ازمة عابرة يمر بها العالم، ولم يعد مرضا موسميا قد ينتهي قريبا، او يمكن ان يتعايش معه العالم، بل يعيش العالم كله من ادناه الى اقصاه ومن شرقه الى غربه، كارثة حقيقية ويتعرض لهجوم فيروس بيولوجي خطير مازال مصدره مجهولا، وقد يؤدي الى وفاة الملايين من البشر حول العالم. ولا أتوقع حتى الآن نهاية له، ولا أتوقع وصول العالم للقاح ناجح لهذا الفيروس اللعين وكل ما يجري في كثير من البلدان من ليس أكثر من تجارب وابحاث طبية، والاعتقاد انهم توصلوا الى لقاح ليس مؤكدا وانما مجرد محاولات تحتاج الى تأكيد طبي.

قد يحتاج العالم الى وقت طويل حتى يستطيع انتاج علاج فاعل لـ"الكورونا" ويصبح في متناول الجميع، ولا اعتقد ان توصل اي جهة كانت او بلد كانت مهما كان نظام الحكم فيها اوحتى اي من العلماء الذين تتبناهم اجهزة الاستخبارات التابعة لبعض الدول المركزية الوصول الى لقاح او علاج فاعل فلن تعلن عنه تلك الدولة وستبقى تستخدمه سراً في داخل حدودها وقد يكون دون علم المرضى انفسهم حتى يتم شفاء كل مصابيها، وهذا يعني تفشي فيروس آخر اكثر فتكا بالانسانية وهو فيروس الانانية كافة دول العالم وصوله الى مستويات غير مسبوقة ولم يعهدها  احد في اي ازمة عالمية قبل ذلك.

عندما تتعرض الانسانية لكارثة كالجائحة التي تجتاحها الآن يتوقع الجميع ان تتوحد الانسانية في مواجهتها وتتضافر الجهود في كل العالم لمواجهتها. والمنطقي والطبيعي ان من لديه يعطي من ليس لديه اي امكانيات طبية او اغاثية لكي يتم تجاوز الازمة والانتصار على الجائحة ونجاة سكانها. الحالة السليمة للعالم يفترض ان تقضي بان يساهم من يمتلك المال والقدرات والطب والادوية ليقف بجانب من ليس لديه حتى لو كانت من اكبر الدول.. والمنطقي والطبيعي ان يصبح العالم منطقة طبية واغاثية واحدة، لكن ما يجري الان في العالم هو العكس والسائد ان بعض الدول التي تعتبر ان لها الحق في العيش والبقاء علي وجه الحياة، يحق لها ان تأخذ وتسطوا على ما يمتلك الآخرون بالقوة وغير القوة في صورة قرصنة لم نتوقعها في يوم من الايام ولن نقبلها باي شكل من الاشكال.

لايمكن ان نتصور ان تسيطر قوة عسكرية محمولة جوا او بحرا تابعة لدولة ما تسطوا على ناقلة مدنية تابعلة لدولة اخرى تحمل معدات طبية كاجهزة التنفس والكمامات والملابس الطبية الواقية والكحول والمعقمات وكل ما يحتاجه الجهاز الطبي من ادوات ومواد لمواجهة هذا الفيروس وعلاج الاصابات بمستوياتها المختلفة.

ليست قرصنة تقليدية تقوم بها مجموعة عصابات تتبع للمافيا او لمنظمة ارهابية محلية او دولية وانما جريمة ضد الانسانية تنفذها بعض الدول التي تفشى في قصورها واجهزة استخباراتها فيروس ليس اقل خطرا من "الكورونا"، انه فيروس الانانية وباتت هذه الدول لا يهمهما اذا ما نجت الانسانية ام لا وما يهمهما فقط نجاة شعوبهم ودولهم.

لعل توفير ما تحتاج الدولة واجهزتها المختلفة وخاصة الطبية من ادوات بطريق غير شرعية يعتبر انتهاكا للقانون الدولي وجريمة ضد الانسانية، ولابد من موقف دولي تجاهها ولابد من محاسبة تلك الدول عاجلا او آجلا وتقديمهم الى محكمة الجنايات الدولية باعتبار هذا الشكل من القرصنة جريمة كاملة المعالم ضد الانسانية.

مؤخرا كانت هناك اتهامات للولايات المتحدة الامريكية بالسطو وسرقة 200 الف كمامة من طراز FFP2  كانت متجهة الى المانيا، وهناك حوادث اخرى وقعت، فقد تم اعتراض باخرة محملة بمادة الكحول الطبي من قبل البحرية الايطالية في عرض البحر المتوسط وتم اقتيادها لايطاليا وحادثة اخرى نفذتها قوة عسكرية تشيكية بالاستلاء على 680 الف قناع اضافة الى اجهزة تنفس كانت متوجهة من الصين لايطاليا، وزعمت التشيك ان هذه الشحنة تتبع لمهربين. والحادث الآخر هو السطو على  شحنة كمامات تقدر بحوالي ستة ملايين كمامة اختفت في احد مطارات كينيا عندما كانت في طريقها إلى ألمانيا. كل هذه الحوادث التي تم رصدها ليست الا جزء صغيرا من ما اعلن عنه من قرصنة وسطو غير انساني على ممتلكات دول اخرى كانت ستكون سببا في نجاة مرضى، وقد تساعد تلك الدولة للحد من انتشار هذا الفيروس اللعين. 

الانانية كانت سببا في اسلوب المافيا والعصابات الخارجة عن القانون الذي تنتهجه بعض الدول لحماية مواطنيها دون الاكتراث ان هذا يشكل انتهاكا لكل الاتفاقيات والمعاهدات التي تحرم القرصنة وتعتبرها جريمة ضد الانسانية، ودون اكتراث لما تتعرض له الانسانية جمعاء من تهديد موحد وعدو واحد. ولا اعتقد ان هذه الانانية سوف تنتهي بزوال  "الكورونا" وقد تتطور الى شكل من اشكال العداء وبالتالي تنتهي بحرب بين اكثر من دولة.

نعم  ستبقى دول بعينها كيانات غير نظيفة، انانية النظام امبريالية التوجه ترفض تقديم المساعدة والعون للآخرين وترفض التعاون في مجال يفيد الآخرين وتساهم في حماية الانسانية بجهود موحدة.

اعتقد ان فيروس الانانية لن ينتهي بسهولة وفي وقت قياسي، اي بانتهاء "الكورونا"، بل قد يجر الى نشوب حرب طاحنة تشترك فيها اكثر من دولة لتحمي كل دولة ذاتها من الانهيار والفقر، وتسارع من خلال هذه الحرب الى السيطرة على ثروات الدول الاخرى التي لم تعد تؤمن بقوة السلاح، ليكون بمقدور تلك القوى المارقة ان تنقذ ما يمكن انقاذة كي تبقى صاحبة السيادة والمال والهيمنة على باقي دول العالم.

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com