2020-04-13

فشل ترامب في السيطرة على الوباء ضيّع الفرصة


بقلم: د. ألون بن مئيــر

بالنسبة لرجل نرجسي ومتعطش للسلطة ويريد أن يتم الإعتراف به كواحد من أعظم رؤساء الولايات المتحدة في حين يحاول يائسا إعادة انتخابه، فشل ترامب فشلاً ذريعاً في الإرتقاء إلى المناسبة التي أثارها الظهور والإنتشار المؤسف لفايروس "كورونا". فبدلاً من التقليل من الخطر المحدق من الفايروس وتجاهل تحذير كبار العلماء من العواقب الوخيمة المحتملة التي يمكن أن يطلقها هذا الفايروس، كان بإمكانه تعبئة كلّ الموارد الوطنية منذ بداية هذا الوباء للتصدي له مباشرة. وهذا يشمل الجيش والحرس الوطني وآلاف الشركات والمؤسسات الطبية لإنتاج المعدات الهامة والإختبار على نطاق وطني وإنشاء برنامج وطني قوي لمحاربة هذا الفيروس كحرب على جميع الجبهات.

لو فعل ذلك، لكان قد حقّق كل شيء يريده. كان يمكن، في الواقع، أن يخرج من تفشي هذا الوباء المأساوي كبطل. كان الجمهور سيغفر له أكاذيبه المتواصلة وتصريحاته المضللة المتعمدة وخصائصه وفساده. أعتقد أيضًا أن ترامب كان بإمكانه في نوفمبر هزيمة أي مرشح ديمقراطي محتمل، بما في ذلك جو بايدن.

السؤال هو: لماذا لم يتّبع ترامب هذا المسار المنطقي للعمل؟ هناك عدد من الأسباب التي تفسر سلوكه الغريب، وإن لم يكن هناك أي منها سيحجب خطورة الموقف، هذا إذا لم يكن هو فقط مغمورًا بنفسه. من وجهة نظره، يبدأ كل شيء أولاً وقبل كل شيء بما يمكن أن يخدم مصالحه الشخصية.

سعى ترامب منذ البداية بتنائي نفسه عن تفشي الفيروس بإنكار أنه فشل في إعداد البلاد لمثل هذا الوباء، في حين أنه ساهم بشكل كبير في عدم استعداد البلاد له. ففي ربيع عام 2018 قام بتفكيك الفريق المسؤول عن ردع الأوبئة، بما في ذلك رحيل رئيس الفريق، الأميرال تيموثي زيمر. إضافة إلى ذلك، قام بقطع تمويل مركز السيطرة على الأمراض ويواصل حتى الآن الضغط من أجل خفض التمويل الأمريكي لمنظمة الصحة العالمية. وعلاوة على ذلك، يبدو أنه غير راغب في تبني الفحص على المستوى الوطني لأنه لا يريد أن يظهر أن عدد المصابين يتزايد بشكل كبير، مما يجعل البلاد أكثر عرضة للخطر من أي وقت مضى.

كان اهتمام ترامب مركّزا على الإقتصاد أولاً وقبل كل شيء. وكما يراه هو، كان الإزدهار الإقتصادي المتواصل أمرا ً محوريًا في حملته لإعادة انتخابه ورفض أي شيء يمكن أن يؤثر سلبًا على سلامة الإقتصاد. وبالتالي، كان عليه أن يقلل من الآثار الوخيمة لفيروس كورونا، هذاعلى الرغم من أنه كان يعلم بالفيروس في أوائل يناير ورفض الأدلة العلمية التي تشير إلى أن تأثير الفيروس سيكون كارثيًا إذا لم يتم تعبئة البلد بالكامل للتعامل مع الوباء.

ومن العادات المألوفة لترامب بالطبع هو عدم تحمله أبدًا المسؤولية عن أي شيء يتحول إلى تعكّر، لكنه يندفع ويستمتع بقبول أي شيء جيد، مُتصوّر أو حقيقي، مثل سوق الأسهم القياسي أو أدنى معدل بطالة في جيل تمّ التوصّل إليه في الواقع إلى حد كبير بفضل خطط أوباما للتعافي الإقتصادي. وفي حالة إنتشار الوباء هذه ألقى اللوم على نقص الإمدادات الطبية الأساسية بشكل مباشر على إدارة أوباما والعديد من الحكام الذين قيل لهم أن يتصرّفوا على عاتقهم: ليس فقط لأنّ هذا كان مريحا، ولكن لأنه سيميز نفسه أيضًا عن "فشل" سلفه الذي كان يكرهه بشدة.

إن إنشغاله بالكامل بحملته لإعادة انتخابه هو أمر مكبوح. فبالنسبة لترامب، لا شيء آخر يهمّ. كان عازمًا على التعامل مع فيروس كورونا كإلهاء جانبي وعدم السماح للانتشار السريع للفيروس بالتدخل في جهود إعادة انتخابه. وبعد أن أدرك أخيرًا شدة الوباء ، حيث ارتفع عدد الوفيات والمصابين بشكل كبير، سارع ترامب إلى الاستفادة منه من خلال عقد مؤتمر صحفي يومي أصبح بديلاً عن مسيرات حملته.

وأخيرًا، سارع ترامب في الحصول على الفضل الكامل في تمرير أكبر قانون دعم للتحفيز الإقتصادي تصل قيمته إلى 2.2 تريليون دولار. بالنسبة له يعد القانون ضروريًا للحفاظ على البطالة – التي انفجرت في الأسابيع الأخيرة – عند أدنى مستوى ممكن والسماح لسوق الأسهم باستعادة بعض خسائره الكبيرة. من المؤكد أن ترامب يريد أن يقدم نفسه كمنقذ للإقتصاد، هذا مع العلم أنه في ظل عدم تحسن التوقعات الإقتصادية بشكل كبير في المستقبل القريب، فإن إمكانيات إعادة انتخابه ستكون قاتمة في أحسن الأحوال.

وبينما كان ترامب يركز على ما يخدم مصالحه الشخصية، كان فايروس كورونا (Covid-19) يحصد أرواح عشرات الآلاف من الأمريكيين ويصيب مئات الآلاف آخرين (14.696 حالة وفاة و 427.460 حالة إصابة عند كتابة هذا التقرير). كان من الممكن منع الكثير من هذا الضرر المأساوي لو كانت إدارته مستعدة بشكل أفضل وكان تصرف ترامب نفسه بحسن نية. ولكن بدلاً من ذلك، سعى إلى دفع الأدوية غير المثبتة وغير المختبرة على أمل أن تثبت فائدتها حتى يتمكن من تقديمها للأمة كعلامة أخرى على نجاحه الكبير في التعامل مع الوباء.

لكن المشكلة مع ترامب هي هوسه بنفسه مما يجعله يعمى عن رؤية الصورة الأكبر. جهل ترامب منعه من إدراك أنه يمكن للمرء أن يولد انفراجة من الإنهيار. لو كان صادقًا مع نفسه ومع الجمهور الأمريكي لكان بإمكانه ببساطة أن يعترف بأن البلد لم يكن مستعدًا وأنه سيحارب هذا الفيروس القاتل بكل قوة أمريكا. وكان بإمكانه أيضًا تقديم المساعدة إلى البلدان الأخرى المحتاجة واستعادة بعض القيادة الأمريكية العالمية.

في الواقع، تحمل المسؤولية والإرتقاء إلى مستوى تصحيح الأخطاء كان سيضع ترامب في ضوء مختلف تمامًا. كان بإمكانه أن يخرج من هذا الوباء التاريخي زعيمًا حاسمًا حقًا وقويًا ورؤيويًا، وهي ميزات لم تستعصي عليه إلا عندما كانت في متناول يده.

* أستاذ العلاقات الدولية بمركز الدراسات الدولية في جامعة نيويورك ومدير مشروع الشرق الأوسط بمعهد السياسة الدوليــة. - alon@alonben-meir.com