2020-04-17

إسرائيل و"حماس" وصفقة "الكورونا"..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

تقترب إسرائيل و"حماس" من عقد صفقة جديدة والفضل الأكبر لفيروس "كورونا" الذي لعب دور الوسيط غير المباشر ليفرض على الطرفين الذهاب لمفاوضات بشأن تنفيذ صفقة أسرى جديدة، وذلك في أعقاب مبادرة القيادي المؤثر في "حماس" يحيى السنوار، والهدف ليس المبادرة في حد ذاتها بقدر الدعوة المباشرة وفتح باب التفاوض، ودعوة الطرف الثالث وهنا دور مصر في إلتقاط الدعوة والبدء في التفاوض بشأن طلبات كل طرف، وماذا يريد من وراء هذه الصفقة؟ وهنا الأسئلة كالعادة كثيرة: لماذا الصفقة الآن؟ وما هي طلبات كل طرف؟ وما حجم التنازلات المتوقعة والممكنة؟ وما فرص نجاحها؟

الإجابة على السؤال: لماذا الصفقة الآن يجيب عليه أستاذ العلاقات الدولية زارتمان في عنصر الوقت الذي هو من أهم العناصر التي تساهم في نجاح أي مفاوضات. إلى جانب الموضوعات والقضايا محل التفاوض، لكن يبقى عنصر نضج الوقت وملائمته والحاجة المشتركة العامل الحاسم الآن. وهذا هو دور "الكورونا" أنها خلقت الوقت والحاجة المشتركة.

ولم يكن تصور إجراء صفقة تبادل إلا بالخيار البديل وهو الحرب الشاملة التي تغير موازين علاقات القوة، وما قد يترتب عليها من خسائر، وهو خيار غير واقعى لكليهما، أضف ان حجم التنازلات قد يكون كبيرا لأحد الطرفين وهو امر غير مقبول. اما الآن فالمسألة مختلفة فرغم الحاجة المشتركة لكل من إسرائيل و"حماس" وممارسة المباراة الصفرية بمعنى الكل رابح وبنفس القدر، فـ"حماس" تذهب للصفقة بكل قوتها العسكرية وهذا عنصر مؤثر، لكنها وبلاك شك تعاني من خيارات داخلية صعبة كثيرة قد تكون دافعا للقبول بالصفقة. وهذه العوامل:
أولا الخوف من تفشى وباء "الكورونا" في القطاع وهو المنطقة الأكثر كثافة سكانية في العالم، وتفشي هذا الخيار قد يتسبب في مشاكل كثيرة للحركة ويخرجها عن القدرة على السيطرة على القطاع، ويضعف من تواجدها وشعبيتها بتحميلها المسوولية عن هذا الإنهيار،
ثانيا الوضع الإقتصادي الهش والضعيف سيخلق أيضا خيارا غير مقبول بتفشى الفقر وإرتفاع نسبته وزيادة درجات البطالة مما يعني زيادة إحتمالات العنف الداخلي وتفشي الجريمة، وهذا يعني وضع الحركة وقوتها في مواجهة داخلية قد تفتح آفاق حرب أهلية تمس مكانة الحركة وشعبيتها.
ثالثا قيمة الأسرى لدى الحركة بالثمن والمقابل الذي قد تحصل عليه الحركة بتبادل أكبر عدد من الأسرى الفلسطينيين، وفي حال النجاح وهو ممكن الآن بدرجة كبيرة، ستكون له تداعيات إيجابية كبيرة على مكانة الحركة وشعبيتها وأنها عندما تقول تفعل.
رابعا ان الصفقة سيترتب عليها تحسين لصورة "حماس" الخارجية، وستساهم في رفع الحصار ولو جزئيا مما يؤدي إلى تحسين الوضع الإقتصادي وفرص الحياة في القطاع، وهذا من شأنه أن يقوي موقف الحركة سياسيا وخصوصا في موضوع المصالحة الفلسطينية.

أضف على ذلك تراجع قدرات الدول الداعمة كإيران وتركيا، وفي هذا السياق حسنا فعل القيادي يحيى السنوار. وبعقلية من يفهم كيف تفكر إسرائيل فتح المبادرة بالحديث عن كبار السن والمرضى والنساء وهم يشكلون عددا غير قليل، ويشملون على قيادات لكل الفصائل الفلسطينية من "فتح" والشعبية كمروان البرغوثى وسعدات والشوبكي وكريم يونس وغيرهم كثرمن أبطالنا الأسرى. ويدرك تماما انهم باتوا يشكلون عبئا على إسرائيل.

وإسرائيل بالمقابل في حاجة لهذه الصفقة في وقت "الكورونا" وزيادة الخسائر الإسرائيلية أولا على مستوى الإنجاز الشخصي لنتنياهو الذي في حاجة لإنجاز وهو الأقرب في يده في مواجهة تهم الفساد وتقوية مكانته الشعبية وفي الحكومة، وثانيا إستبعاد خيارات الحرب والحصار في وقت "الكورونا" لأن هذا سيعرض إسرائيل لمزيد من الإنتقادات والخوف من تفشى الوباء في غزة وزحفه على إسرائيل. وثالثا الخوف من تفشى الوباء بين الأسرى والنتيجة الحتمية الموت، وإهتزاز صورة إسرائيل داخليا وخارجيا وإعتبار ذلك بمثابة جريمة حرب وقتل جماعي، في الوقت الذي تقوم به الكثير من الدول بالافراج عن المسجونين لديها. ورابعا الأسرى الكبار والمرضى والنساء يشكلون عبئا كبيرا على إسرائيل وهي ملزمة بالإفراج عنهم بدون ثمن في خيار الإفراج عنهم، ومن منظور لا ثمن في السياسة مقايضتهم بأسرى لدى "حماس" يعتبر بالنسبة لها إنجاز وثمن سياسي معقول، ومقبول.

فى هذا السياق يمكن تصور إقتراب عقد صفقة مماثلة لصفقة "شاليط"، وإذا كانت صفقة "شاليط" تمت بمقايضة الف أسير فلسطيني، فالمتوقع هنا مضاعفة العدد بشكل كبير. وهنا يأتي أهمية عنصر الوقت المناسب والحاجة المشتركة لكل من إسرائيل و"حماس". ومما يعمق من توجه خيار الصفقة أن إسرائيل في مأزق داخلي، و"حماس" في مأز ق داخلي وخارجي، فـ"الكورونا" أوجدت بيئة داخلية وخارجيه دافعة، وأوصلت الطرفين لتصور وإعتقاد أن البديل للمأزق هو صفقة غير مكلفة، ومربحة, وفكرة اللحظة المناسبة تلتقطها أصابع دبلوماسية، الطرف الثالث الذي سيجد الفرصة مناسبة وملائمة له للدخول وتحقيق إنجاز يسجل له في وقت أزمة "الكورونا" العالمية. وهنا سيبرز دور مصر بشكل مباشر ودور روسيا وممثل الأمم المتحدة ميلادينوف، ولهذا الدور إنعكاسات إيجابية في علاقات "حماس" مع مصر وروسيا وعالميا، مما سيزيد من فرص تحسين مستوى الحياه في غزة، ودعم وتثبيت قوتها ووجودها وتحقيق مزيد من الشرعية التي تحتاجها الآن.

وكما أشار هنرى كيسنجر أن الأزمة القائمة أو حالة الجمود الآن في أنسب ظروفها لتحقيق تسوية. وكما رأينا سابقا في العلاقة بين "حماس" وإسرائيل كثير من المبادرات والحلول اقترحت لكن الوقت والظرف لم يكن مناسبا وناضجا، وفكرة الوقت المناسب أو اللحظة الناضجة ووصول طرفي النزاع إلى تصورات أنهما وجدا نفسهما في طريق مسدود وفي نزاع لا يمكن تحمل عواقبه ونتائجه، وأن هذا الطريق المسدود مؤلم للطرفين.

والخروج من معضلة السجين ومعضلة الدجاجة اللتان وقعا فيهما إلى المباراة الصفرية والكل رابح، وله أن يفسر الصفقة كما يريد على أنها إنتصار يسجل له..

عوامل ثلاث ستساهم في إنجاح الصفقة: عامل الوقت والحاجة المشتركة لإسرائيل و"حماس" وتسهيل دور الطرف الثالث، والتراجع عن كثير من المطالب السابقة، والمرونة في درجات التنازل والتي ليس بالضرورة ان تكون بنفس الثمن.. إسرائيل ستدفع ما تحتاجه "حماس" وغزة، و"حماس" ستدفع أيضا ثمنا سياسيا هو ما تحتاجه إسرائيل. إسرائيل تريد تهدئة طويلة وتحييد للسلاح وضبط للحدود وتثبيت حالة الإنقسام السياسي في زمن إنهاء القضية الفلسطينية، و"حماس" تريد البقاء ورفع الحصار وتقنين للعلاقات مع إسرائيل في إطارمن القبول، وفتح نوافذ العلاقات مع مصر وخارجيا، وتثبيت لوجودها السياسي في زمن ستختفي معه ادوار كثير من الفواعل والحركات من غير الدول، وفي زمن تحول في العلاقات التحالفية وبتزويد غزة ببنية تحتية من ميناء ومطار يسمح لها بالإستقلالية.

صفقة تتجاوز في حدودها التبادل لتشمل الأبعاد والمحددات السياسية التي تحكم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فلا يمكن فصل أي صفقة وإتفاق دون هذا البعد الخاص بالصراع. فلا يمكن تجاهل أو إسقاط البعد السياسي للصراع في أي صفقة، ولا يمكن فصلها عن الإطار العام لمستقبل حركة الأخوان.

صفقة سياسية بثوب تبادل الأسرى وستترب عليها مرحلة سياسية جديدة سنرى تداعياتها على العلاقات الفلسطينية الداخلية ودور كل من "فتح" و"حماس"، وعلى مستقبل الصراع السياسي الفلسطيني الإسرائيلي.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com