2020-04-20

في مخاطر حالة التباعد الاجتماعي..!


بقلم: محسن أبو رمضان

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، فهو لا يستطيع أن يعيش وحيدا، وهذا أحد الأشياء التي تميزه عن باقي الكائنات الأخرى، اضافة الى قدرته على التفكير والتجديد.

تطورت قدرات ومهارات الإنسان من خلال الاحتكاك والتواصل مع اخيه الإنسان.

عرف الإنسان العلم وتعرف وانتج المعرفة من خلال التجارب والعلاقات الإنسانية الأمر الذي مكنه من  التصدي للأمراض ومفاعيل الطبيعة في إطار سعيه للسيطرة على مخاطرها وتسخير مواردها خدمة له.

لم يتمكن الإنسان من توزيع خيرات الطبيعة بصورة عادلة على الجميع وذلك بسبب جشع بعض الطبقات وآخرها الرأسمالية والتي تطورت الى مرحلة العولمة.

وأبرزت المرحلة الجديدة مدى جشع وتوحش الرأسمالية، وذلك من خلال تعزيز الخصخصة بما في ذلك الصحة والتعليم في تفاوت نسبي بين دولة رأسمالية وأخرى، كما أبرز اهمال دور الدولة  بالحماية الاجتماعية.

كشفت جائحة "الكورونا" عمق أزمة نظام العولمة وجشعة من خلال الانفاق الهائل على التسلح والأمور الترفيهية واللاستهلاكية مثل الازياء ومواد التجميل والإنفاق الهائل على المسابقات الرياضية والموسيقى وغيرها من الأمور ذات الطبيعة الترفيهية وبعقلية تجارية بعيدة عن رسالتها الثقافية والأخلاقية والفنية والتربوية ذات المضمون الإنساني واستبدالها بمفاهيم وادوات التسليع.

لقد أتى مفهوم التباعد الاجتماعي في إطار جائحة "الكورونا" والتي تتطلب صحيا ذلك من أجل حماية الإنسان من العدوى والحفاظ عليه. وتكمن الخطورة هنا باستغلال حالة التباعد الاجتماعي من أجل تحقيق رؤية قوى الليبرالية الجديدة والتي تتجسد بتركيز المجتمع على الفرد وليس على الجماعة.

تكمن المأساة هنا بأحداث تغير في نمط العلاقات الاجتماعية بحيث يتركز المجتمع على الإنسان وفرديته وذاته ليصبح اهتمامه المركزي به دون الجماعة بما يكرس الأنانية. فقد بات مطلوب منه أن ينعزل ويعمل بواسطة الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وان لا يحتك بالآخرين.

انها دعوة لتعزيز الفردية وعدم الاكتراث بالآخرين. فهو يمارس الدراسة الكترونيا ويطلب احتياجاته المنزلية واللاستهلاكية عبر تطبيقات رقمية دون الاحتكاك بالآخرين.

انا اقدر اننا بحاجة إلى تطبيق حالة التباعد في مرحلة أزمة "الكورونا"، ولكن قوى العولمة ربما تريد استغلال ذلك لتحقيق مآرب ليست مرتبطة بالبعد الصحي فقط، بل تتعداه لتصبح نمط حياة دائم ومستمر تستفيد منه قوى العولمة الرأسمالية التي تخشى التجمعات الاجتماعية.

لعبت الاحزاب السياسية والنقابات وخاصة العمالية والمنظمات الأهلية والمبادرات المجتمعية دورا هاما في مراقبة اداء الدول والحكومات وقامت بالضغط السلمي عليها لتصويب سياساتها المتنوعة لصالح الفئات المهمشة والضعيفة ومن أجل صيانة الحريات العامة.

لقد كان من النتائج المباشرة لجائحة "كورونا" توقف العديد من حركات الاحتجاج سواء السياسية او الاجتماعية المطلبية، وذلك عبر نموذجي كل من العراق ولبنان على المستوى السياسي ونموذج فرنسا على المستوى المطلبي عبر حراك السترات الصفراء، الأمر الذي ينسحب على العديد من الحراكات السياسية والاجتماعية المطلبية بالعديد من بلدان العالم.

سيتم بالضرورة الاستثمار الأفضل من قبل العديد من البلدان وخاصة الرأسمالية منها، وكذلك الشمولية، بحجة الطوارئ من تقليص مساحة الحريات العامة ومنها الحق بالرأي والتعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات الأمر الذي يجب أن ينبه النشطاء الحقوقيين بأهمية الانتباه لذلك وفق معادلة تضمن الأمن الصحي والانساني من جهة، وتحافظ على حقوق الإنسان في ذات الوقت من جهة اخرى.

لعب الإنسان دورا هاما في تصويب العديد من السياسات الحكومية وذلك عبر العديد من الأدوات وأبرزها الاحزاب والنقابات والمنظمات الأهلية.

وعليه فإذا تعمقت حالة التباعد الاجتماعي في استغلال غير حميد لأزمة "الكورونا" فإن المستهدف الرئيسي منها سيكون بالضرورة أدوات التغيير الاجتماعي وذلك للابقاء على نمط السيطرة على الحيز العام وحقوق المواطنين..!

* كاتب وباحث فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - muhsen@acad.ps