2020-04-22

"كورونا المستجد"..!


بقلم: د. ناصر القدوة

فيروس جديد..
الفيروسات، وفقاً للمعرفة العامة، لا يمكن مقاومتها أو معالجة المصابين بها بالمضادات الحيوية التي تعالج البكتيريا. حتى الآن لا يوجد علاج مقاوم للفيروس، ومقاومته متروكة، لأجهزة المناعة المتفاوتة لدى البشر. هذه حقيقة تثير تساؤلاً أساسياً حول غياب قدرة البشرية التي تخترع الكثير من أسلحة الدمار ولا تخصص البحث والتمويل الكافي لمكافحة الفيروسات، بداية بالأنفلونزا. فيروس كورونا المستجد أو كوفيد 19 هو بالضبط ما يستدل من اسمه "مستجد". هذا يعني أنه كان هناك كورونا قبل هذا، لكن هذا الفيروس جيل جديد. وهو كما اتضح أكثر فتكاً بكثير وأقدر على الانتشار السريع بين البشر. كوفيد يمثل الحروف الأولى لاسمه باللغة الإنجليزية: مرض كورونا فيروس، و19 تشير إلى بداية ظهور الفيروس في نهاية العام 2019.

استغرق الأمر بعض الوقت لكي تقوم الدولة الموبوءة الأولى بتشخيص الفيروس ووضع استراتيجيات مقاومته. في البداية كان الاعتقاد أن هناك فيروسات تسبب التهابا رئويا، إلى أن تم تشخيص فيروس كورونا المستجد، دون توفر معلومات كاملة عنه حتى الآن، وبدأ العمل لمقاومته على قاعدة التجربة والخطأ وإن بشيء من إدراك الخطورة والحاجة للسرعة والحسم.

مع بداية العام 2020 بدأت الأنباء تتوالى عن الفيروس الجديد، هناك في البعيد، في بعض دول آسيا، وبدأ الفيروس بالفعل في حصد الأرواح، عندها تخيل معظمنا أن الأمر سيكون شبيها بالفيروسات السابقة التي ظهرت في  سنوات سالفة، جاءت ثم ذهبت بهدوء نسبي ودون التسبب في خسائر كبيرة. تخيلنا سارس وايبولا وغيرها، ولكننا كنا مخطئين. ثم بدا الأمر وكأنه يعني الصين أساساً، وتحديداً في مقاطعة ووهان التي تبلغ مساحتها مساحة دولة كبيرة من دول العالم، وبدأت أرقام الخسائر المرعبة تتوالى. أرقام عن المصابين وأرقام عن الوفيات، وبدأت أيضاً الأنباء عن الاجراءات التي اتخذتها السلطات الصينية للحد من الحركة بطريقة ما كان ممكنا في البداية تنفيذها في مكان آخر.

من هناك من الصين بدأ الانتشار في بعض الدول الآسيوية الأخرى مثل سنغافورة و كوريا الجنوبية، أي إلى الدول التي بها أقليات صينية متواصلة مع الصين أو التي لها صلات متعددة معها. وقام كلاهما بجهود مذهلة في مجال الفحص والحد من التحرك والاستعداد الطبي بما قاد إلى سيطرة معقولة على الوضع.

وبسرعة بدأت نظريات المؤامرة تطفو على السطح. هذا فيروس أطلقته الولايات المتحدة ضد الصين لمنع تقدمها، أو هذا فيروس فقدت السيطرة عليه في أحد المختبرات الصينية أو الأميركية في الصين ذاتها.. وهكذا. رافق هذا اتهامات للصين بأنها لم تكن شفافة بما يكفي لتحذير العالم. ردت الصين على هذا بقوة وبأرقام حول تاريخ إبلاغ الكثير من الجهات بالتطورات وإلقاء اللوم عليهم لعدم الاستعداد. لاحقاً وبشكل غير رسمي قامت بعض الجهات الصينية بنشر قصص المسؤولية الأميركية. المهم أنه من هنا بدأ الانتشار الكوني.. بطريقة تتلائم مع الترابط بين الدول وتنقل رعاياها بين هذه الدول ولعلها لعنة التقدم الذي أحرزه الإنسان في هذا العالم.
بدأت بعض المعلومات تتوافر عن الفيروس، ظهر أن العدوى شيء وأن ظهور الأعراض شيء آخر. أي أن هناك أعدادا يمكن أن تصاب بالعدوى دون أن تظهر عليها الأعراض. وأن هناك تفاوتا في الأعراض، لكن أقواها يبدو أنه قاتل وأهم سماته الضيق الشديد في التنفس، وتحدث البعض عن وجود ثلاثة أنواع من الفيروس تختلف في درجة القدرة على الفتك. ظهر أيضاً أن الأطفال يمكن أن يصابوا بالعدوى وأنهم ناقلون نشطون للفيروس، ولكنهم أقل عرضة لظهور الأعراض لأسباب غير مفهومة تماماً، وبدا حتى أن الرجال أكثر عرضة من النساء للعدوى بالفيروس، وبطبيعة الحال فإن كبار السن والذين يعانون من أمراض مزمنة أكثر عرضة للعدوى. وتأكد مع كل ذلك بأن العدوى تتم بين إنسان لآخر وأن الحد من الانتشار يستدعي كسر الاحتكاك بين الناس.

انتقل الفيروس من جنوب شرق آسيا إلى أوروبا وبالتحديد وبصورة أكبر إلى إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، وألمانيا بشكل أقل. ثم انتقل بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأميركية، جميعها باعتبارها بؤرا ساخنة للفيروس، والذي أصبح انتشاره الآن يوصف من قبل منظمة الصحة العالمية باعتباره وباء دوليا، حيث أعلنت المنظمة في 11 آذار/مارس أنها صنفت كوفيد. 19 على أنه جائحة وكانت المنظمة في 30 كانون الثاني/يناير قد أعلنت أن كوفيد. 19 يشكل حالة طوارئ صحية عامة ذات أهمية دولية. وباء في القرن الحادي والعشرين؟! وكأننا عدنا إلى القرن الثامن عشر أو التاسع عشر. في الشرق الأوسط، كان هناك عدوى في عدد من الدول مصر ولبنان والسعودية ودول الخليج وكذلك المغرب والجزائر وتونس والأردن وفلسطين وبعض الدول الأخرى بشكل أقل. بدا أن العدوى هناك أخف عموماً مما هو عليه الحال في أوروبا. الغريب أن الأماكن الملعونة تماماً لم يظهر فيها عدوى على الأقل حتى حوالي منتصف شهر نيسان/ ابريل. أماكن مثل تجمعات اللاجئين السوريين أو قطاع غزة أو الصومال أو اليمن. إضافة لهذا كان هناك انتشار للفيروس في بعض دول أميركا اللاتينية مثل البرازيل والمكسيك. بشكل عام حتى ذلك الوقت ظهر وكأن الفيروس يفضل الشمال على الجنوب. الخوف الشديد كان ولا يزال من انتشار الوباء في إفريقيا التي لا تملك الحد الأدنى من الاستعداد، وإذا حدث هذا فسيكون كارثة بشرية. ولسخرية القدر يبدو أن الدول الفقيرة أصيبت بدرجة أقل بالفيروس، والسبب هو محدودية الاتصال، قلة القادمين والمغادرين إلى ومن هذه المناطق.

أصبح واضحاً أن الحل الجدي والجذري، هو بالطبع توفر اللقاح، لكن ذلك يحتاج لوقت من أجل الاكتشاف ثم التجربة والمراقبة، ثم الإنتاج ثم التوزيع. سمعت من ممثل الصين لدى السلطة أن هناك الكثير من العمل وعشرات الجهات تحاول إنتاج اللقاح، وأن هناك نوعين: الأول يتعامل مع الحمض النووي للفيروس، والثاني يتعامل مع لقاحات ضد فيروسات سابقة. وسمعت من د.فوتشي الخبير الأمريكي أن الدولة ستمول تصنيع أي اكتشاف حتى ولو فشل بعد ذلك لتوفير فترة الإنتاج. اللقاح بالمناسبة لا يشكل علاجاً ولكنه يعمل على قيام الجسم بتشكيل المناعة اللازمة ضد الفيروس أو المرض. اللقاح قادم إذاً ولكن بعد بعض الوقت. والسؤال هو ما إذا كان هناك علاجات ولو جزئية؟ والجواب هنا كان مختلطاً، فرنسا و تحديداً شركة فيونا فيها  أعلنت عن عقار هيدروكسي كلوروكين الذي كان يستخدم كعلاج ضد الملاريا. وقامت عدد من الدول باعتماد ذلك بعضها بالتزامن مع اريثرويسين وهو مضاد حيوي جديد نسبياً، ولكن كان هناك دائماً اختلاف وجدل حول نجاح العقار في علاج كورونا المستجد. وبطبيعة الحال وجود علاجات في الفترة الفاصلة لحين إيجاد لقاح أمر سيكون ذو فائدة عظيمة إن حدث. هناك أيضاً من تحدث عن الطبيعة الموسمية للفيروس وأنه سوف يخبو في فترة الصيف، وبالمقابل تحدث البعض عن موجة ثانية الشتاء القادم وربما موجة ثالثة.

لحين معرفة كل شيء عن كورونا المستجد، ولحين إيجاد اللقاح وعلى الأقل لحين إيجاد العلاجات الجزئية، تعين على الدول أن تحاول الحد من انتشار الفيروس والاستعداد للتعامل مع الإصابات المحتملة. الحد من الانتشار جاء أساساً من خلال الحد من الحركة والتماس بين البشر، أي باعتماد إجراءات متعلقة بالمسلك البشري. معظم الدول بدأت باعتماد إجراءات متعلقة بمنع الدخول إليها من بلد معين أو مجموعة من الدول، ثم انتقلت إلى منع الدخول. ثم إغلاق الحدود، وداخلياً معظم الدول بدأت بإجراءات تمنع التجمعات مثل إغلاق المدارس والجامعات والفعاليات الفنية والثقافية والرياضية، ثم انتقلت إلى إغلاق مناطق وإلى منع الخروج من المنازل وهو ما يعني توقف العمل إلا لمهن معينة وبعضها حتى منع التجول لساعات محدودة أو لفترات محددة. معظم الدول أيضاً بدأت تحضيرات جدية ذات طابع طبي مثل توفير أدوات الحماية الشخصية كالكمامات والقفازات وملابس الحماية، بالرغم من تغيير نظريات استخدام الكمامات من عدم فائدتها تقريباً على فرض استخدامها على جميع من يخرج من بيته ويبقى أمر الكمامات هاماً بشكل عام. وأيضاً مثل توفير الفحوصات على مستوى واسع خاصة للفئات المشكوك بإصابتها والتجمعات التي يمكن أن تسمح بوضع استراتيجيات المكافحة، وتوفير وزيادة عدد المختبرات لتحديد نتائج الفحوص، ومثل إنشاء مراكز العزل المجهزة بشكل معقول، إضافة للعزل المنزلي مع توفير شروط المراقبة، حيث اعتمدت بعض الدول وسائل تكنولوجية لمراقبة ومتابعة تحرك قطاعات كاملة من السكان، ثم الأهم من كل ذلك إعداد المستشفيات، التي يفضل أن تكون مختصة بالفيروس، لتجنب إرسال المصابين إلى المستشفيات القائمة، وتجهيز تلك المستشفيات المختصة خاصة فيما يتعلق بوحدات العناية المركزة وأجهزة التنفس وهو ما يسمح بمواجهة مرحلة علاج المرضى الذين يعانون من أعراض جدية. ما سبق أصبح عملياً النموذج المتبع من الدول وإن ببعض التفاوت. الجميع كان يحاول بالطبع الاستفادة من تجربة من سبقه في مكافحة الوباء. وبسبب الأثر التدميري لإجراءات الحد من الحركة على الاقتصاد لأنها تعني ببساطة التوقف عن العمل وعن النشاط الاقتصادي، قامت معظم الدول باتخاذ إجراءات واعتماد حزم لدعم أولئك الذين توقف دخلهم ولدعم مؤسسات العمل بشكل عام لتمكينها من البقاء على قيد الحياة.

عموماً كانت المشكلة التي واجهتها الدول هي محاولة إيجاد التوازن اللازم بين المحافظة على الأرواح والمحافظة على الاقتصاد. وفي النهاية فهما مرتبطتان وإن كانت الأولى حازت على الأولوية بطبيعة الحال لدى القيادات المتزنة والمعقولة. الصعوبة كانت دائماً في إيجاد نقطة التوازن الصحيحة خاصة مع دخول المرحلة الثانية من الوباء.

كل ما سبق غير العالم الذي نعرفه. توقفت العلاقات الاقتصادية والثقافية والرياضية والدينية بين الدول. تم تأجيل أولمبياد طوكيو، وبدا وكأن الحج نفسه قد يتم إلغاؤه. توقفت السياحة والسفر وانهارت المؤسسات التجارية المرتبطة بها مثل شركات الطيران والفنادق والمطاعم. توقف العمل والإنتاج ومعظم الاستهلاك، وانهارت الأسواق المالية. خلال ذلك احتدم السباق بين الدول والشركات في إيجاد اللقاح والعلاجات الممكنة. الأمر في الحقيقة أصبح في يد العلماء والأطباء لحسن الحظ لأن هؤلاء كان لديهم نضجا أكثر لإبقاء حالة من التعاون وتبادل المعلومات يحد منها الجشع المعروف لشركات الأدوية التي تطمح كل منها لتحقيق كميات هائلة من المال عندما تمتلك الحل.


كورونا المستجد في بلادنا..
مع تجاوز منتصف شهر شباط/فبراير بدأت حالات الإصابة بفيروس كورونا تزداد عدداً وخطورة، وبدأت بعض الدول في اتخاذ إجراءات للحد من انتشاره بما في ذلك القيود على الدخول والخروج من أراضيها. وفيما يتعلق بمؤسسة ياسر عرفات، بدأت الأسئلة حول تمكنها من عقد اجتماع مجلس أمنائها في موعده في 5 آذار/مارس ، وساهم في زيادة أهمية النقاش بعض الاعتذارات المتأخرة والتي بدت أن لها علاقة بكورونا المستجد. جرى نقاش حول موضوع تأجيل الاجتماع مع رئيس مجلس الأمناء عمرو موسى والذي لم يكن سلبياً تجاه الفكرة، وجرى أيضاً نقاش مع الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط الذي بدا أنه أكثر تفهماً للفكرة. كذلك تم إجراء نقاش مع بعض أعضاء مجلس الإدارة. لم يكن هناك إجماع ولكن كان هناك أغلبية واضحة لصالح التأجيل. وقتها تم اتخاذ قرار التأجيل وتم الإسراع بإبلاغ الأعضاء في نفس اليوم الخميس حتى لا ندخل في عطلة نهاية الأسبوع. تم إذاً إبلاغ جميع الأعضاء بقرار تأجيل الاجتماع يوم الخميس الموافق 27 شباط/فبراير. بعد قرار التأجيل بدا أنّ كلّ أعضاء مجلس الأمناء سعداء بتجنب أية مخاطر ورحبوا بالتأجيل وليس فقط أولئك الذين اقترحوا أو رغبوا بذلك. على المستوى الشخصي الزوجة والابن لم يكونا سعيدين بقرار إلغاء السفر إلى القاهرة، خصوصاً الابن الذي كان قد اشترى تذكرة سفره ، وإن كانت الشركة قد أعطته حق استخدامها لعام قادم. عموماً تغير الموقف الشخصي بعد عدة أيام. بعد عدة أيام أيضاً قام أبو الغيط بزيارة خاطفة إلى الجزائر أعلن خلالها تأجيل القمة العربية المقررة في نيسان/ابريل. عندها ازداد شعور القلق وبدا أننا جميعاً متجهون لما هو أخطر.

بشكل مفاجئ، وكأن صاعقة انقضت على الأراضي المقدسة، ووسط حالة من التوتر والفوضى، ظهرت حالات كورونا في بيت لحم يوم الخميس الموافق 5 آذار/مارس، وتحديداً نتيجة انتقال العدوى من سواح يونانيين أقاموا في فندق الإنجيل في بيت جالا. اتخذت الحكومة إجراءات فورية بإغلاق الفنادق ومنع الدخول اليها والخروج منها وأخذت العديد من العينات للفحص، ثم تم إغلاق المنطقة بشكل عام. بعض الخبثاء من العالمين ببواطن الأمور قال إن الجهات الإسرائيلية هي التي حضرت إلى الفندق بعد إبلاغهم من قبل سياح يونانيين عند عودتهم إلى بلادهم وأنّ هذه السلطات هي التي أخذت العينات إلى تل أبيب، وان جيش الاحتلال هو الذي أغلق المنطقة ومنع الدخول والخروج. جزء من هذه الرواية مؤكد، على الأقل المتعلق بالإغلاق العام، وهو تعبير عن استهتار إسرائيل بالجانب الفلسطيني وعدم قدرة الأخير على فرض إرادته ومصالحه، على الأقل على مستوى التنسيق والقرار المشترك لمواجهة الحالة الصحية التي تملي على إسرائيل التعقل والتوازن. حالة الفوضى في بيت لحم استمرت عدة أيام وتعلقت عملياً بأشياء أساسية مثل توفير عينات الفحص ثم اختبارها، ومثل توفير احتياجات سكان الفنادق ثم إخلائها، ومثل توفير احتياجات أهل المنطقة بشكل عام. المفارقة كانت أنّ  الفيروس اختار مكان ميلاد سيدنا المسيح ليسرح ويمرح حتى ولو كان ذلك عبر سياح أجانب.

يوم الخميس الموافق 5 آذار/مارس قام الرئيس باتخاذ قرار بإعلان حالة الطوارئ وأصدر مرسوماً باستمرار الطوارئ لمدة ثلاثين يوماً. وبالرغم من عدم وضوح المعنى الدقيق لحالة الطوارئ إلا أن شعورا بالارتياح ساد في البلاد. ظهر أنّ  هناك جدية في التعامل مع الوباء واستعدادا لاتخاذ الإجراءات اللازمة، خاصة تلك المتعلقة بالسلوك البشري والاجتماعي. الحكومة قامت بعد ذلك بشكل فوري تقريباً بالإعلان عن منع التجمعات، بما في ذلك المدارس والجامعات والنشاطات الأخرى، وهو أمر تم احترامه بشكل واسع مع بعض الاستثناءات، خاصة من قبل جهات سياسية، مثل الاحتفال بخروج أسرى كما حدث في جنين، على سبيل المثال. قبل صدور المرسوم بساعات كنا نناقش مسألة إغلاق متحف ياسر عرفات باعتباره مكان تجمع مغلق، واتفقنا على القيام بذلك يوم الأحد بعد الاجتماع مع الموظفين وإعداد مخططات لجدول عمل بديل للموظفين. إعلان حالة الطوارئ لم يجعل الانتظار ممكنا وازداد الضغط خاصة من المقاطعة لإغلاق المتحف. على ضوء ذلك اتفقت مع مدير المتحف على اللقاء يوم الجمعة صباحاً في المتحف لاتخاذ الخطوات اللازمة للإغلاق. اجتمعنا مع الموظفين وأصدرنا بيان للجمهور حول الموضوع ، واتفقنا على جدول دوام مقلص وعلى الاستفادة من الوقت لإجراء بعض الإصلاحات والصيانة. وان كان الجزء الأخير لم يتم تنفيذه، بسبب ضغوط من أمن المقاطعة الذين كانوا لا يرغبون برؤية أي أحد، تمكنا بالرغم من ذلك من الاحتفاظ بالحد الأدنى الضروري للصيانة والبستنة بعد أن اتخذنا قرار الإغلاق.

يوم الأحد الموافق 15 آذار/مارس قمت بنقاش مع المدير العام للمؤسسة حول كيفية الاستعداد لمواجهة الأسوأ. كانت خشيتي من قدرة السلطة على دفع الرواتب والمستحقات الأساسية وهو ما يمكن أن يعني عدم تقديم الدعم للمؤسسة عبر الصندوق القومي. طلبت منه أمرين أساسيين: أولاً محاولة إعادة مبلغ مائة ألف دولار من حساب الوقفية إلى الحساب الجاري ، وكنا قد استلفناها سابقاً من الوقفية بقرار من مجلس الإدارة، أي عكس ما قمنا به قبل عدة أشهر. والثاني: هو الإسهام في الحصول على قيمة عهدة جمعية القدس، التي أدارتها المرحومة خديجة عرفات، والتي كان مجلس الوزراء قد قرر بشأن منحها للمؤسسة. الهدف من الإجرائين، إضافة لما هو متوفر في المؤسسة وأرباح الوقفية، أن نقوم  بتوفير مرتبات العاملين لبضعة أشهر قادمة. في النهاية قمت أنا بالجهد المطلوب حول عهدة الجمعية من خلال وزير المالية، الذي فاجئني تجاوبه معي على قاعدة قرار مجلس الوزراء. وحصلت المؤسسة بالفعل ببعض الجهد مع بنك فلسطين على المبلغين. إضافة لما سبق اتفقنا على توفير مبلغ  نقدي  يحتفظ به المدير العام للطوارئ. ناقشنا أيضاً فكرة قيام موظفي المؤسسة بعملهم من بيوتهم. وفي اليوم التالي الاثنين الموافق 16 آذار/مارس قمنا بالاجتماع مع الموظفين وأبلغناهم بالقرار. كان هناك ارتياح عام لديهم، خاصة مع تأكيد استمرار رواتبهم، البعض أظهر حرصاً على العمل وكأن الملل من الجلوس في المنزل قد بدأ بالفعل. استمر الكادر القيادي للمؤسسة بالحضور للمؤسسة لفترة محدودة يومياً خلال ذلك الأسبوع، لكن الأوضاع أصبحت ثقيلة عموماً في البلد وفي المنطقة وفي العالم.

بعض قرارات الحكومة بالرغم من الهمة التي أبدتها كانت غير منطقية، ومن الواضح مرتبطة برغبة جيراننا من الناحيتين، مثلاً تم الإعلان عن عدم مغادرة أحد عبر الجسر. كان واضحاً أن الجهة المعنية والتي قررت هي الأردن التي كانت تريد منع الدخول إلى أراضيها وهو أمر منطقي. الأردن عموماً اتخذ خطوات أكثر حزماً من دول أخرى، مثل إغلاق الحدود ومنع التجول في بعض الفترات، ويبدو أن الأمر مرتبط بعوامل حرجة، مثل وجود أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين، وكذلك من اللاجئين العراقيين، وكون الأردن مكان عبور كل الفلسطينيين ذهاباً وإيابا. ويبدو أن هذا الجزء تحديداً شكل خطر إضافي.

مثال آخر كان الإعلان عن ضرورة تسوية العمال لأوضاعهم خلال ثلاثة أيام. والمؤسف أن جيش الاحتلال الإسرائيلي كان قد أصدر صباح ذلك اليوم أمراً تفصيلياً متعلقاً بحركة العمال، ومكملاً لإعلانهم حول منع العمال من الذهاب والإياب وضرورة بقائهم في أماكن عملهم داخل إسرائيل بضمانة المشغل لمدة ثلاثة أشهر.

مع ذلك تعاملت الحكومة الفلسطينية بجدية مع الوباء وركزت بشكل كبير على مجال المسلك البشري أو الإنساني، أي الإجراءات المتعلقة بحركة البشر والحد منها، سواء كان ذلك بإعلان منطقة بيت لحم أو مناطق أخرى في وقت لاحق مناطق مغلقة أو تعليمات البقاء في المنازل،  وإن ظهر أن التنقل بين المناطق يتم التعامل معه من قبل الأجهزة الأمنية بما في ذلك إقامة الحواجز على مداخل المدن، بشكل أكثر جدية من الحركة داخل المدن، على الأقل فيما يتعلق برام الله. أجادت الحكومة أيضاً في متابعة موضوع العمال ومتابعة موضوع القادمين من الخارج وضرورة عزلهم، وربما فحصهم أحياناً. تجاوب المواطنون مع الإجراءات وبدا أن هناك نجاحات يتم تحقيقها في حصر الوباء. كلمة خير في عناصر الأجهزة الأمنية وأدائها هو أمر موضوعي وضروري، لأنهم بالفعل قاموا بدور جيد، أحياناً حتى بدون أن يتوفر لهم أدوات الحماية الشخصية كما يجب.

المشكلة أنّ كل إجراءات الحد من الحركة من واقع تجارب الدول الأخرى. لا يعني بحد ذاته القضاء على الوباء وإنما يعني الحد من سرعة انتشاره. أي أن هذه الإجراءات الهامة تعطي الدولة مزيداً من الوقت لتجهيز نفسها وقد تمنح الوقت اللازم لحين حصول مفاجئات سعيدة مثل إيجاد علاجات جزئية أو التراجع الموسمي للفيروس. بشكل عام تستحق السلطة، بمبادرة رئيسها حول إعلان الطوارئ والتعامل الجاد مع الوضع أو إجراءات الحكومة في مجال التأثير على المسلك البشري، درجة عالية في سلم الأداء. في المجالات الأخرى الضرورية، لا نستطيع أن نقول نفس الكلام الايجابي وتحديداً مجالي الاستعداد الطبي والاستعداد الاقتصادي. طبياً يبدأ الأمر كما تشير التجارب الأخرى بضرورة توفير أدوات الحماية الأساسية كالكمامات والقفازات وملابس الحماية، خاصة لأفراد الفرق الطبية، وتوفير إمكانية الفحص الواسع، والمختبرات اللازمة وتوفير مراكز عزل مجهزة ومعقولة بالإضافة بطبيعة الحال لتوفير مراكز العلاج في مستشفيات جديدة أو قائمة بما في ذلك توفير أجهزة حساسة وهامة مثل أجهزة  التنفس الاصطناعي. هنا ظهرت مشكلة، وظهر واضحاً عجز النظام الصحي الفلسطيني، وتم إضاعة وقت ثمين للتحضير، وهو تحضير لا يوفر أي نجومية إعلامية. وعندما بدأ اتخاذ بعض الخطوات للحصول على ما هو ضروري تم تحقيق نجاحات محدودة، ولكن ربما كان الوقت قد فات، وكانت المنافسة قد احتدمت بين الدول للحصول على هذه المواد. الآن ونحن نقترب من منتصف نيسان/ ابريل، نأمل جميعاً أن تستمر رحمة الله وان تنجح إجراءات المسلك البشري في منع الكارثة، مثل ما حصل مثلاً في ايطاليا واسبانيا. واضح أن ما لدينا أخف مما حدث عند غيرنا والأمل أن يستمر ذلك.

الجانب الاقتصادي أيضاً خاصة ذلك الجانب المتعلق بالتحضير بلا نجومية، بدا أيضاً أنه لم يعطى الاهتمام الكامل، مع معرفتنا بمحدودية إمكانياتنا. لكن لعل هذا الضعف مع عدالة القضية يفرض على كثير من الأطراف تقديم الدعم اللازم شريطة وجود برامج وخطط وإجراءات واضحة. المشكلة البارزة هنا هي توقف العمالة عن العمل وعدم توفر إيرادات  لهؤلاء ولعائلاتهم، وهو ما يهدد النسيج الاجتماعي ذاته. من الجيد أن نحاول إحضار العمال من إسرائيل، ولكن من الضروري توفير بعض الدعم لهم ليتمكنوا من الاستمرار في الحياة، هم والعمال الفلسطينيين الآخرين الذين توقفوا عن العمل. منع الفقر والمعاناة ليس مجرد خيار، وبصراحة لم نشهد ما يشير إلى دور حقيقي للسلطة في هذا المجال. الفلسطينيون لجأوا كالعادة إلى الاقتصاد المنزلي وفلحوا أية قطعة أرض متوفرة لهم وهو أمر عظيم يجب تشجيعه، ولكن للأسف غير كافٍ. وليس بديلا لجهود الحكومة في هذا المجال.

المشكلة الثانية هي وضع الاقتصاد بشكل عام وتحديداً وضع الشركات الفلسطينية الصغيرة والمتوسطة، حيث بدا واضحاً أن وقف العمل يهدد هذه المؤسسات المنتجة في وجودها وإمكانية استمرارها. برزت هنا فكرة برامج ضمانات القروض، للحفاظ على هذه المؤسسات كضرورة وخطوة تتجاوز مثلاً صندوق دعم كما جرى. تجب الإشارة هنا إلى المبادرات المحلية التي قام بها شباب القرى والمخيمات وحتى بعض المدن، خاصة من حركة فتح. وهي مبادرات كان لها أهمية في مواجهة الجائحة، ولكن أهميتها الأكبر كانت إيقاظ روح المسؤولية الوطنية وواجبات الفرد والجماعة. إسرائيل لم تكن سعيدة بهذا وحاولت ضمن محددات الحركة أن تستهدف هذه المبادرات.

أما قطاع غزة فهو موضوع مختلف. سكان هذا القطاع "الملعون" وكأن أهله، قلب الوطنية الفلسطينية، يدفعون ثمنا دائما على هذه الوطنية: الفقر الواسع، وخطف حماس للقطاع وكل أعمالها، والحروب المتكررة التي شنتها إسرائيل، والآن كورونا المستجد. من سخريات القدر أن عزلة القطاع قد حمته جزئياً، بمعنى عدم قدوم أفراد من أماكن مصابة ساعد في تأجيل الوباء. لكن مجموعات متشددة قادمة من باكستان وغيرها غيرت ذلك، وبالمقابل لم تقم سلطة الأمر الواقع باتخاذ أية إجراءات، بل رفضت وقاومت ما حاولت السلطة القيام به، بالرغم من استجابتها في أوقات لاحقة بشكل محدود. حماس تحاول أيضاً كبديل عن المسلك العاقل والتفاهم مع السلطة أن تتوصل لصفقة مع إسرائيل تستخدم فيها الأسرى الإسرائيليين مقابل مساعدات إسرائيلية لمواجهة الوباء. لن يكون هذا سهلاً وقد تضطر، لا سمح الله، لاختيار مواجهة عسكرية جديدة، وإن كانت إسرائيل ستحاول تجنب هذا مع كل "السفالة" التي أظهرتها في المساومة على تقديم أية مساعدة لمقاومة الوباء مقابل أسراها وجثثهم لدى "حماس".

المهم أن الوضع في قطاع غزة متروك في يد الله لأن السلطة أيضاً لم تقدم بشكل جدي ما يجب عليها تقديمه، بالرغم من بعض الخطوات المحدودة. إذا انتشر الفيروس ستكون كارثة حقيقية، وإذا لم يحدث ذلك سنكون بنعمة كبرى تثبت أن الله ساعد هذا الشعب.

يوم الخميس الموافق 3 نيسان/أبريل، ظهر الرئيس في كلمة متلفزة ومختصرة ليعلن عن قرار تمديد الطوارئ لمدة ثلاثين يوماً إضافية. بعد الخطاب بنصف ساعة عقد رئيس الوزراء مؤتمراً صحفياً لمدة 45 دقيقة، ولم يكن واضحاً سبب المؤتمر، غير أن بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية كتبت لتقارن بين الكلمة المختصرة والأداء النشط والفعال لرئيس الوزراء. ولعلها محاولة للفتنة. قرار الرئيس بتمديد حالة الطوارئ كان متوقعاً، بالرغم من أن القانون الأساسي يمنع ذلك ويعطي الحق في التمديد للمجلس التشريعي الذي لم يعد قائماً. كان هناك تأييد واسع للقرار وإدراك لضرورته، لكن الغريب أنه لم يكن هناك أية نقاش حول الجانب القانوني وربما الحلول الأخرى الممكنة. تعودنا، على ما يبدو، على الحكم دون قانون ودون تشريع.

مع اقترابنا من منتصف شهر نيسان/ إبريل، احتدم النقاش حول ضرورة إعادة الحياة الاقتصادية ولو جزئياً، خصوصاً على ضوء ما يبدو أنه "تباطؤ" الفيروس. يوم الأحد الموافق 12 نيسان/ابريل اجتمعت لجنة وزرارية من تسعة وزراء لتبحث إمكانية عودة بعض القطاعات للعمل، وقيل أن اللجنة اتفقت على خطة تدريجية في هذا المجال. في نفس اليوم قال رئيس الوزراء أن الوقت قد يكون مبكراً لعودة الحياة الطبيعية، واختلط الحابل بالنابل. ظهرت أفكار أخرى، على سبيل المثال خفض احتياط البنوك اللازم قانونياً من عشرة بالمائة إلى ستة بالمائة، وكان هناك بعض الإشاعات عن ضغوط على رئيس سلطة النقد لإعادة الأرصدة الإستراتيجية للصندوق، وهو ما قاومه لحسن الحظ.

نحن الآن نقترب من شهر رمضان. ماذا سيكون عليه الحال؟ الناس بحاجة إلى نقود في الشهر الفضيل أكثر من غيره خاصة أولئك الذين انقطعت مواردهم. وإذا كانت الموارد الحكومية غير كافية لمواجهة كل الأعباء، أظن أن هذا وقت تقاسم العبء والتضامن والأخوة بين أفراد الشعب ويعني هذا مثلاً استقطاع نسبة من رواتب الموظفين لصالح العمال ومن انقطعت مواردهم وربما لصالح الأهل في قطاع غزة أيضاً. أظن أن جانب مهم من الطقــوس الاجتماعية خلال الشهر الفضيل لن يتحقق. أي الجانب المتعلق باللقاءات الواسعة والإفطارات العامة والتجمع للتراويح ..الخ. أما الصيام نفسه وما ينضوي عليه من مشقة إضافية في هذه الظروف وربما مخاطر صحية، فأعتقد أن الأمر يجب أن لا يخضع للنقاش ويجب أن يبقى بين كل إنسان و وضميره وربه. وكل عام وانتم بخير.

أخيراً أسرانا البواسل وتزايد معاناتهم في هذه الظروف والإهمال الإسرائيلي، الذي يبدو متعمداً، لاحتياجاتهم في مواجهة "الكورونا". لا بد من دعمهم ولابد من الضغط على إسرائيل لإتباع نفس الإجراءات الدولية في التخفيف من أعدادهم. ربما لن يكون ممكناً تحقيق إفراجات واسعة ولكن أظنه ممكناً تحقيق درجة من الإفراج خاصة للنساء والأطفال وكبار السن وربما من قضوا معظم محكومياتهم.
 

كورونا وإسرائيل..
حددت إسرائيل القطاعات الاقتصادية التي تحتاج لعمالة فلسطينية، وأعلنت أنها لن تسمح بتنقل العمال بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية، ولكنها سمحت ببقاء عمال القطاعات المشار لها لمدة ثلاثة أشهر في إسرائيل تحت مسؤولية المشغل. الى هنا يتصف الموقف بالانتهازية الإسرائيلية المعتادة ولكن الموقف لم يقف عند هذا الحد. السلطات الإسرائيلية قامت بإلقاء أي عامل يظهر عليه أعراض العدوى على أقرب معبر ليصبح مشكلة كبرى للجانب الفلسطيني وتحول الموقف الانتهازي إلى موقف حقير بلا أخلاق. الحكومة الفلسطينية فهمت خطورة ذلك وتحركت بسرعة في محاولة لإعادة العمال بأسرع ما يمكن، وهي محقة في هذا بلا شك، بغض النظر عن درجة النجاح المتفاوتة التي تم تحقيقها في هذا المجال.

بشكل عام تأخرت إسرائيل في اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من حركة البشر ويقال أن جزء من الأسباب متعلق برغبة نتنياهو في الانسجام مع موقف حليفه ترامب في الولايات المتحدة الذي كان منشغلاً في التقليل من خطورة الفيروس. وصل الأمر إلى إبقاء الطيران القادم من الولايات المتحدة استثنائياً ودخول القادمين من هناك دون أي فحص أو عزل.

إسرائيل في كل الأحوال كانت تواجه مشاكل عديدة ذات طبيعة إستراتيجية. المشكلة الأولى كانت الأزمة السياسية الداخلية حتى بعد ثلاثة انتخابات، وهي أزمة أظهرت انشقاقات سياسية جدية ذهب البعض إلى اقتراح إمكانية تحولها إلى مواجهات حقيقية بين قطاعات من الإسرائيليين. المشكلة الثانية كانت سلوك المتدينين الإسرائيليين وعدم التزامهم بتعليمات عدم التجمع، وإصرارهم على نمط علاقات اجتماعية يسبب انتشاراً للفيروس بلا شك. المشكلة الثالثة  الفلسطينيون في إسرائيل وخاصة في بعض المناطق،والذين لا تريد إسرائيل العناية بهم، ولكنهم قد يسببوا لها مشكلة كبرى في حالة انتشار الفيروس بينهم. والمشكلة الرابعة هي المستعمرون  وانتشار المستعمرات بين الفلسطينيين، وحتى الوضع في القدس وتركيبها الديموغرافي خاصة القدس الشرقية المحتلة، والذي يتحدى فكرة القدس الموحدة. هنا ظهر أن كل السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى ابتلاع الأرض خلال هذه المرحلة، حيث لم يتم بعد التخلص من السكان، هذه السياسات تتناقض مباشرة مع السياسات اللازمة لمكافحة الفيروس، وقد ينتج عنها ثمنا غاليا لإسرائيل. في ضوء ما سبق حاولت بعض الجهات الإسرائيلية إظهار بعض المرونة تجاه الجانب الفلسطيني بما في ذلك وزير المالية الذي قد لا يبقى في موقعه عند تشكيل الحكومة الجديدة.

إسرائيل بوضوح لا تستطيع احتمال انهيار السلطة خلال فترة الوباء، وفي نفس الوقت لا تستطيع أن تسمح للسلطة بإساءة التصرف تجاه الوباء. بالتالي فإن إسرائيل مضطرة لاتخاذ القرارات وفرضها على الجانب الفلسطيني أو قبول التشاور والعمل المشترك معها بقدر من الندية.

المشكلة في كل ذلك أن الجانب الفلسطيني بدا غير قادر على فهم المعادلة. وأن الأمور لا تتعلق بمن يملك أسلحة أكثر أو أموال أكثر وإنما بمن يتصرف بمسؤولية، في الواقع تجربة كورونا كانت فرصة نادرة للجانب الفلسطيني لفرض التكافؤ في التعامل، بطبيعة الحال مع التصرف بمسؤولية أولاً تجاه شعبنا. لكن هذا لم يتم بكل أسف.

بعيداً عن الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني فشلت إسرائيل في لعب دور البطل على المسرح الدولي بالرغم من الإعلانات البلهاء عن توقع الحصول على علاجات، بل إنها تصرفت بسفالة مع الدول الأخرى، وسرقت أو احتالت على بعض الدول من أجل الحصول على مواد لازمة لمكافحة الوباء مثل الأقنعة وأجهزة التنفس، وهو أمر لم تكن وحيدة بشأنه إذ انحدرت دول أخرى لهذا المستوى. وبرز الموساد هنا كلاعب مهم في هذا المجال، وهو ما يؤكد مرة أخرى طبيعة الأشياء في هذه الدولة.إسرائيل لم تستطع الظهور كدولة كبيرة أو عظيمة، ظهرت كما هي بلد صغير يعاني من كثير من الإشكالات الكبرى.

بالرغم من المشاكل الكبرى التي تعاني منها إسرائيل في ظل "كورونا" المستجد، إلا أن المواقف العامة للقوى الحاكمة لم تتغير. ما زال "الليكود" يدفع بقوة باتجاه الضم بأوسع شكل ممكن تنفيذاً لرؤية ترامب، وحتى المفاوضات بينهم وبين "أزرق وأبيض" حول حكومة طوارئ جديدة قادت لاتفاق حول شكل من أشكال الضم. كل ما تقوم به إسرائيل، بالرغم من بعض الحذر الذي يفرضه "كورونا" المستجد تخدم نفس الأهداف المجنونة والتي لم يكن مثيلاً لها في عالمنا المعاصر. بالرغم من هذا ما الذي سوف يحدث فعلاً نتيجة كورونا، وكيف سيكون ممكناً الاستمرار بنفس السياسات التوسعية يداً بيد مع "كورونا" المستجد، وكيف سيتغير المجتمع الإسرائيلي أو على الأقل القوى الحاكمة فيها، جميعها أسئلة مازالت مطروحة ولا نملك إجابة عليها حالياً. واجبنا هو الاستعداد التام للأسوأ، واعتماد سياسات وإجراءات تعزز قدرتنا على المقاومة، وقد نجعل المشروع الإسرائيلي غير قابل للتطبيق، لأن غير ذلك سيمكن إسرائيل من فرض حالة ضعف استثنائية وحتى تبعية على الجانب الفلسطيني إثر جائحة "كورونا" المستجد.
 

الإنفلونزا وكورونا المستجد..
أدرك الضعف الدائم عندي تجاه البرد والإنفلونزا وهو أمر عانيت منه كثيراً. قبل سنوات اكتشفت كبسولات من  مواد طبيعية تصنع في فرنسا خصيصاً ضد الزكام. كانت هذه مفيدة حقاً لكن الاستمرار في استخدامها وربما المبالغة في ذلك جعلها غير فعالة بعد مضي عدة سنوات. قبل ذلك كان فيتامين سي الفوار هو الحل ولكن بنفس الطريقة أصبح قرص الفيتامين بالإضافة الى حبوب البروبوليس غير قادرة على تعزيز المناعة وتوفير الحماية من الزكام والإنفلونزا. ومع استمرار ذلك أصبحت الإصابة مسألة مؤلمة فعلاً بالنسبة لي، نتج عنها أحياناً البقاء في المنزل وربما التزام الفراش لعدة أيام. كان هذا هو هاجسي مع بداية حقبة الكورونا، إذ إنّ الإصابة بالإنفلونزا أو حتى الزكام الخفيف ينتج عنه خوف حقيقي عندي وعند الآخرين المحيطين بي. كما كان  متوقعاً بدأت أشعر ببعض الأعراض التقليدية وقررت التعامل معها بحسم. ووجدت للغرابة علاجا شعبيا اسمه "الحبة السوداء" أو زيت القزحة الذي يمكن أن تجده عند العطار، وشعرت فعلاً لعدة أيام أنه مفيد. ذكرني  أحمد صبح أن "أبو عمار" رحمه الله كان يتناولها يومياً مع شيء من العسل والطحينة، مع توزيع بعضها إجبارياً على الضيوف المشاركين في العشاء المتواضع الذي كان يسبق القزحة. ساعدتني القصة على الاقتناع بأهمية الحبة السوداء ولعلها كانت فعلاً مفيدة مثل الكثير من أعشاب الطب الشعبي. بالإضافة لهذا حصلت على بخاخ الحلق (الزور) والذي فهمت من تجاربي السابقة بأن المشكلة تبدأ معه. التهاب في الحلق سرعان ما يتحول إلى إنفلونزا وكما هي القصة التقليدية كنت قد استخدمته سابقاً وكان مفيداً لفترة، وعندما توقف عن الفائدة استشرت طبيبا وأكد لي أن هذا  البخاخ من أسوأ الأشياء، وأنه قد يتسبب في ضرر ناتج عن جفاف في الحلق. ومع ذلك استخدمت البخاخ لأنني لم أكن قادرا على تحمل  نتائج عدوى الإنفلونزا في مثل هذه الظروف. كان من ضمن مخاوفي هو أن تدرك زوجتي التي أهاتفها يومياً عبر السكايب وأن تبدأ في القلق الجدي خوفاً من "كورونا" المستجد. إذ كيف لك ان تميز عن بعد بين الإنفلونزا والعطس والكحة وبين "الكورونا" وأعراضها. في لحظة أخرى أخذت خطوة غبية أخرى وهي تناول مضاد حيوي استخدمته لحوالي خمسة أيام. غني عن القول أن بعض الأعراض مثل بعض الصداع أو ما أعتقد انه بعض الحرارة أو البرودة كان يسبب خوفاً حقيقياً من "الكورونا". أظن أن الكثير منا تملكه هذا القلق وهذا الوسواس وهو ضريبة إضافية لـ"كورونا" المستجد.

بعد قرار الحكومة البقاء في المنازل بدأت أشعر بضرورة التأكد من حالتي، وقمت يوم الأحد بالاتصال بالدكتور خالد من الهلال الأحمر وكان في ذهني ربما رؤية طبيب وربما الحصول على بعض الفحوص سواء العامة أو الخاصة بالكورونا المستجد، مع الأمل بتجنب الثانية. خالد كان يعلم بأوضاعي الصحية وفضل الحديث على الهاتف وكان حاسماً في تقييمه. لا يوجد ما يخيف على الأغلب ولكن في كل الأحوال يجب وقف المضاد الحيوي لأنه غير مفيد وهو على الأغلب دمر المناعة الذاتية كما يجب وقف البخاخ والاكتفاء بفيتامين "سي" و"بانادول" والبدء في بناء مناعة الجسم. التزمت فعلاً بكل ذلك وكنت قد بدأت اشعر بالحاجة له. لم تتدهور الحالة، ولكنها لم تنتهي وإن تحسنت تدريجياً.

خلال هذه الفترة كنت على اتصال شبه دائم بالصديق أبو علي والصديق محمد. وكنا كثيراً ما نتناول الغداء سوياً عند أبو علي. أبو علي صاحب بنية ضعيفة وعنده سعلة مزمنة ولديه الكثير من القلق على أسرته الموجود معظم أفرادها في اسبانيا التي تعاني من "الكورونا" وانتشارها. شككت كثيراً في وجود زكام لدى أبو علي لكن كثرة محبتي له منعت أية رد فعل، واستمرينا في هذا السلوك الطائش وهو اللقاء على الأقل على الغداء. حتى عندما توقفت عملياً عن الخروج من بيتي، كثيراً ما أتى الأخوين إضافة لأحد الشباب المرافقين لتناول الغداء الذي كانت تعده زوجة أحدهم أو ربما محمد نفسه، سلوك طائش لأننا شكلنا بعض الخطر على بعضنا البعض.

قصة المعاناة النفسية كانت شديدة وربما أقل من المعاناة النفسية لعدد من الزملاء الأحباء في اللجنة المركزية خاصة صائب الذي امتنع كلياً عن الخروج وكنت قد بقيت على اتصال ولقاء مع معظمهم. صائب وفي أحد اتصالاته قال طرفة جميلة وهي أنّه شعر دائماً بالوحدة والروتين بسبب حالته الصحية واضطراره إلى اتخاذ إجراءات مثل العزل أساساً. الآن هو يرى ويشعر أن كل الشعب الفلسطيني أصبح مثل صائب مضطراً لاتخاذ مثل هذه الإجراءات.

مع استمرار بقائي في المنزل، واستمرار القلق المحدود، وذلك الشعور أننا جميعاً، كل الشعب بدون أي تمييز عرضة لنفس الخطر، لمحت وأنا أحاول تقليب قنوات التلفاز على غير هدى، الجزء الأخير لمداخلة من قبل مراسل فرنسا 24 في نيويورك، علي بركة وكأنني فهمت أنه قد أصيب بكورونا. الغريب أن رقم هاتفه مازال معي منذ آخر زيارة لي لنيويورك قبل سنوات عديدة... اتصلت به لأحاول أن اطمئن عليه، ولكن المكالمة في الحقيقة تحولت إلى تجربة لطيفة في معركة كورونا المستجد وتأثيره في نيويورك. لسبب فني اضطررت أن أتصل بعلي على( الفايس تايم فيديو) وبالتالي تمكنت من رؤيته. كان شاحباً قليلاً وبدا أنه خسر بعض الوزن ولكنه كان متماسكا وواثقا من انه قد تجاوز المحنة. قال أنّ الاطباء نصحوه بعدم الذهاب للمستشفى. لأنه إن كان مريضاً سيعدي الآخرين، وان كان غير مريض سيعدي نفسه.  لكنهم أرسلوا له اداة الفحص وثبت بعدها أنه مصاب. طلبوا منه اخلاء منزله وإرسال عائلته الى مكان آخر، وعندما اخبرهم أنّه لا يملك مثل هذا المكان وان لا أحد سوف يستقبلهم تم الاتفاق على أن يبقى في غرفة وحمام منفصل عن باقي العائلة. حدثني عن أعراض الكورونا التي عانى منها ، وقال أنها كلها التي نسمع عنها ما عدا صعوبة التنفس لحسن الحظ.  قال أنه عانى من الصداع الشديد، والقيء والسعال المؤلم والتشنجات العضلية، وأنّه حتى عندما كان يحاول القراءة عانى من وجع العينين ولم يستطع القراءة، وأخيراً قال انه فقد حاسة الشم، وقال أنه هو الذي اعلم  الاطباء  بهذا العارض. المهم أن علي مر بالمحنة وهو يتعافى وفي طريقه للشفاء. بالمقابل شاهدت على التلفزيون السيناتور كلوبيشار التي تحدثت عن عدوى زوجها وقالت أنه أصيب بسعال شديد مصحوب بالدم وأنه لا يستطيع التنفس بدون جهاز مساعد. لماذا الفارق وكيف؟  الإجابة غير معروفة ويبقى الكثير غير المعروف عن هذا الفيروس.

قصة علي ساعدتني بلا شك على التغلب على أية مخاوف قد تكون لدي، على الأقل الأعراض التي تحدث عنها تختلف كلياً عن أية "مواجع" تولدت عندي في المرحلة السابقة. خلال هذه الفترة الشباب تصرفوا بشكل إنساني وجميل، وكنت قد طلبت منهم مبكراً اختزال التواجد معي. كانوا مصرين أو زوجاتهم كنّ مصرات على تزويدي بالطعام، وحتى مع أبو علي ومحمد. الأمر كان محرجاً ولكنه ضروري، والمهم أنهم كانوا دائماً كأخوة. زملاء آخرون قاموا بنفس الشيء مثل نور وتامي وبلا شك فأنا ممتن لهم في حياة الفردية وألم الانعزال.
 

كورونا المستجد في دول العالم..
ايران برزت كساحة مكشوفة لفيروس كورونا. وسبب الفيروس الكثير من الآلام وأطاح بأرواح كثيرة بما في ذلك مسؤولين كبار في الدولة، أعضاء مجلس نواب وآخرين على كل المستويات. بدت إيران غير قادرة على تبني استراتيجيه واضحة وبالتالي غير قادرة على مواجهة الوباء. وفي لحظة قاتمة أجابت الأحداث على سؤال لم يكن قد طرح بعد. ماذا عن جثث الوفيات بالوباء؟ هل يمكن التعامل مع الجثامين بشكل طبيعي تغسيل، دفن ..الخ. بطبيعة الحال نحن لا نتحدث عن جنازات طبيعية بسبب الخطر على التجمعات. في ايران تواردت الأنباء عن قبور جماعية مغطاة بمواد كيماوية للقضاء على الفيروس الذي ما زال يعبث بالجثامين. هذا الأمر المرعب وبكل أسف تكرر في أماكن أخرى ما كان يمكن أن تخطر على بال. في نيويورك مثلاً وربما في البداية.. الصين. حاولت إيران أن تلعب بورقة الكورونا لتخفيف العقوبات الأميركية أو إنهائها وكان ذلك تصرفاً ذكياً لكنه ومع هذه الإدارة لم يحقق النتيجة المرجوة. بعض الدول الأوروبية قامت بالرغم من ذلك  بتقديم بعض المساعدة لإيران. لو كان هناك قيادات حقيقية، ربما كان كل ذلك فاتحة لنمط مختلف من العلاقات والاستراتيجيات في المنطقة. ولكن وحتى  اشعار آخر إيران متروكة للقدر.
 
الجنوب بشكل عام بدا وكأنه ليس مكاناً جذاباً للفيروس، بشكل خاص بقيت الأماكن المنكوبة دون خسائر كبيرة أماكن مخيمات اللاجئين السوريين مثلاً،قطاع غزة، اليمن، العراق،الصومال. ربما لسخرية القدر أن هذه الأماكن لا تتمتع بحركة كبيرة منها واليها... وربما لأسباب أخرى، إلهية ربما.. هذه الأماكن المنكوبة لا تحتاج إلى مزيد من العقاب الإلهي.

أوروبا كانت قصة أخرى. بدا فيلم رعب في ايطاليا وتحديداً في شمال ايطاليا. ترددت الحكومة قليلاً في إجراءاتها بداية ،ولكنها سرعان ما بدأت في إجراءات مثل عزل مناطق كاملة ومنع التجمعات.. وفرض البقاء في البيوت وصولاً إلى فرضها على كامل ايطاليا. الروح الايطالية المرحة وغير المنضبطة ربما لم تساعد كثيراً ،وعانت ايطاليا بالرغم مما يمكن أن يعرف بالنموذج الايطالي في مكافحة الفيروس على الأقل فيما يتعلق بالمسلك البشري، عانت من أرقام من حيث عدد الإصابات، وعدد الإصابات الحرجة، وعدد الوفيات، هذا بالرغم من وجود نظام صحي عام جيد على الأقل في شمال ايطاليا وأفضل من الكثير من الدول الأوروبية الأخرى. هذا ناهيك عن الدمار الاقتصادي وقتامة المستقبل. الألم الايطالي لم يخفف عنه إلا بعض المساعدات المحدودة من الصين ومن روسيا. نفس التطورات في ايطاليا حدثت كلها تقريباً وإن بتأخير حوالي أسبوعين إلى ثلاثة في اسبانيا وأصبحت الدولتان  وكأنهما في حال تنافس على الأرقام.

فرنسا لم تتأخر كثيراً عن  الموقع الثالث في القارة الأوروبية تليها ألمانيا، وإن كانت الأخيرة أظهرت قدرات غير عادية في مقاومة الوباء وانضباط المواطنين.. ألمان كالعادة. بالطبع باقي الدول الأوروبية لم تنجوا تماماً وعانت الكثير منها من كورونا وإن بدرجات مختلفة.

الحالة مثلت تحدياً كبيراً للاتحاد الأوروبي وبمُثل التعاون والتضامن. وظهر غضب كبير في ايطاليا تحديداً من الاتحاد، بما في ذلك في الشارع ضد الاتحاد المتقاعس عن مساعدتهم. جرت مناقشات كثيرة بين مسؤولي الدول الأوروبية حول المشاركة الجماعية في تحمل العبء، وظهر عندها نفس خط القسمة بين دول الشمال ودول الجنوب، وهو جنوب نسبي بطبيعة الحال. دول الجنوب كانت أكثر تضرراً من غيرها بسبب الفيروس وهي أيضاً الدول التي لم تنضبط لقواعد الميزانية والعلاقات الاقتصادية المشتركة، بالرغم من ذلك، وربما بعد أن فهمت ألمانيا تحديداً أن الخيار هو بين اتخاذ موقف مشترك وتقاسم العبء من جهة وإنهاء الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، اختارت تلك الخيار الأول واتفقت دول الاتحاد على نصف تريليون يورو لمواجهة الأزمة.

بريطانيا، كالعادة، قصة أخرى، اختارت في البداية على قاعدة أنهم أذكى من غيرهم ما يسمى بمناعة القطيع، أي المناعة الجماعية للسكان وبالتالي لم تتخذ أي إجراءات متعلقة بالحد من الاتصال والحركة، ولكنها اضطرت تماماً أن تقوم بدورة كاملة وأن تغير الاستراتيجية تماماً واعتمدت اجراءات شبيهة بما قامت به الدول الأوروبية وإن بشكل أقل قسوة.

بريطانيا بدت مكسورة،خرجت للتو من دراما بريكست لتدخل في دراما كورونا ومن المؤكد تقريباً أن البريطانيين اشتاقوا للمساعدات الأوروبية التي لن تأتي. مع فكرة مناعة القطيع وربما بسببها أصابت كورونا رئيس الوزراء الذي عزل نفسه في البداية ثم تم نقله للمستشفى ثم ادخل العناية المركزة. يقال ونحن الآن نقترب من منتصف نيسان/ ابريل انه يتعافى وسيخرج قريباً.

انتقل الفيروس إلى أميركا، بعد بضعة أسابيع من فتكه بأوروبا التي كانت في عين العاصفة. اميركا سجلت أرقاما مرعبة في الضحايا تجاوزت أرقام أي مكان آخر، بلغت مثلاً أكثر من ألفي وفاة خلال 24 ساعة. الرئيس ترامب ولوقت أطول من اللازم كان مصراً أنه لا يوجد خطر حقيقي، وأن كورونا والمبالغة بشأنه عبارة عن مؤامرة ديمقراطية عليه.ووقف مرة دون أن يرتعش له جفن ليقول أن هناك 19 حالة فقط في الولايات المتحدة وأن العدد سيكون صفرا خلال عدة أيام. ترامب كان حريصاً أولاً على الاقتصاد والعمل والشركات وليس الأرواح. بالطبع أضطر الرئيس للتراجع تحت وطأة الحقائق، وكلف نائب الرئيس بترؤس المكافحة وشكل لجنة طوارئ عليا برئاسته كانت تعقد مؤتمرا صحفيا يوميا. المؤتمر الصحفي كان فعلاً هزلياً، الرئيس كان يقول شيء ويتراجع عنه بعد عدة أيام. في وقت ما قال أنه يريد إنهاء أية قيود على الحركة بحلول عيد الفصح، ثم قال بعدها بأيام بأنه كان فقط يأمل بهذا. الكاريكاتير الحقيقي كان في التفاوت أو حتى في التناقض بين الرئيس وكبار الخبراء والأطباء المشاركين معه. الطبيب العلامة فوتشي كان دائماً في قمة الحرج وهو يحاول أن يبقى مخلصاُ للأمانة العلمية دون أن يتناقض مباشرة مع الرئيس. نيويورك كانت البؤرة الأولى في الولايات المتحدة ربما لأنها تقاطع طرق وبالنظر للكثافة السكانية في المدينة، وشن حاكمها تحت ضغط الحاجة الطبية هجوماً دائماً على ترامب تبعه لاحقاً عدد من الحكام من الحزبين الذين طالبوا بسياسة وطنية واضحة لمقاومة الوباء في الولايات المتحدة. بالإضافة إلى منع ترامب لأية تحرك جدي في وقت مبكر، أثار غياب النظام الصحي العام. النظام الذي حتى لم يكن يومياً معنياً بالصحة العامة وبالأوبئة،فقط بجمع المال، أثار مشاكل كبرى. النقص كان مذهلاً في أمور أساسية مثل الكمامات والقفازات إلى أن تصل إلى أجهزة التنفس. بالمقابل عندما بدأ النظام بالتحرك كان قادراً على بعض التعويض، وأصبحت الولايات المتحدة مثلاً تنتج ألف جهاز تنفس يومياً. المفارقة أن عددا من الدول قدم مساعدة للولايات المتحدة لا العكس، منها الصين وروسيا وكان هذا إعلانا دراميا عما سيأتي.

طوال المسلسل حاول الرئيس ترامب اتهام أي جهة خارجية وتحميلها المسؤولية.بدأ بالصين وسمى الفيروس بالفيروس الصيني مما جعل الصينيين يستشيطون غضباً، إلى أن تراجع وطلب مساعدة الرئيس تشي. ترامب اتهم أيضاً منظمة الصحة العالمية بالتقصير ومحاباة الصين، بالرغم من أن الوجه الكئيب لمديرها العام أصبح معروفاً لكل العالم من كثرة ما حذر من الوباء ومنذ وقت مبكر. باختصار ترامب حاول أن يثبت أن "الحق على الطليان" بينما استمر في تهنئة نفسه على كل شيء. المذهل أنه وفي البداية على الأقل، ارتفع دعم ترامب بين الأميركيين، لكن هذا قد يكون نتيجة ظاهرة لجوء المواطن للدولة التي تحدثنا عنها، إذا ثبت غير ذلك فعلى البلاد السلام. مجموعات المسيحيين الإنجيليين المتشددين لعبوا دوراً سلبياً للغاية، ليس فقط على تأكيد دعم ترامب، وليس في عدم الالتزام بتوجيهات عدم الخروج وإنما بمعارضة هذه التوجيهات ورفع الشعارات ضدها. أثبت هؤلاء بشكل عام أن أجندتهم السياسية أهم من تعليمات الإنجيل ناهيك عن حياة البشر.


العالم لم يعد قرية صغيرة..
التغيير الكوني حتمي نتيجة وباء كورونا المستجد، ولكن مقدار هذا التغيير وعمقه سيتوقف على النقطة التي ستشكل بداية طريق العودة. أي السيطرة على الفيروس ولو جزئياً والبدء في محاولة العودة إلى وضع طبيعي. هناك بعض التغيير حدث بالفعل ولعل أبرزه هو تقطع أوصال العالم وانتهاء السفر والتنقل وكسر سلسلة الإمداد الاقتصادي، وكأن العالم لم يعد تلك القرية الصغيرة التي كان عليها، ثم الغياب التام للولايات المتحدة عن المسرح الدولي وعدم لعب أي دور قيادي في مواجهة الوباء. سخريات القدر أن الفراغ الذي خلقه هذا لم تتم تعبئته، على الأقل ليس بالكامل، من قبل أي جهة أخرى، بما في ذلك الصين.

تغيير آخر هو عودة المواطن للدولة، بسبب إحساس المواطن أن ما يحميه من الفيروس، ما يقف بينه وبين الخطر هي الدولة ومؤسساتها بما في ذلك الجيش والشرطة وأجهزة الأمن. والحماية هنا ليست فقط بالمعنى الصحي وإنما أيضاً بمعنى الأمن الشخصي وحتى الأمن الاجتماعي وربما الاقتصادي. في العالم الثالث ستعمل هذه الظاهرة لصالح الأنظمة التوتاليارية وفي الشمال ستعمل لصالح الدولة الوطنية على حساب الكيانات العابرة، مثل الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال.

التغييرات المحتملة كثيرة منها التغييرات الاجتماعية السياسية، ويبدو لي أن بعضها بدأ بالاتضاح. مثلاً انحسار دور المجموعات الدينية المتشددة، وهذا بسبب الدور السلبي الذي لعبته المجموعات المتشددة في نقل الفيروس وتجاهله وبالتالي تفاقم المشكلة ولأنها لم توفر الحماية الربانية التي كان يأملها المواطن العادي.باختصار لم تقدم جوابا مهما كان نوعه.

يبدو أيضاً أن المرأة ستخرج رابحة من هذه الجائحة. لأنها ببساطة أكدت خلالها دورها الريادي الواضح في تحمل معظم المسؤوليات. أكدت لأن هذا كان دائماً واقع الحالة، على الأقل في معظم المجتمعات، ولكن ما حدث أكد هذا الدور مرة أخرى. البقاء في المنزل كان معناه أن المرأة ستقوم بمهامها المعتادة بالإضافة إلى تدريس الأولاد وتوفير أجواء معيشية معقولة لعموم العائلة، عندما لا يخرج الرجل من المنزل وعندما لا يعمل تصبح المرأة من يقوم بكل المسؤوليات. الطريف أن بعض الجهات تحدثنا وبأرقام عن الوضع الأفضل للدول التي تقودها نساء بالمقارنة مع  الدول المشابهة لها.

ربما في بعض المجتمعات المحافظة لن ترى الظاهرة لآخرها، ولكن في بعض المجتمعات الأخرى يبدو هذا محتوماً أن تذهب المرأة إلى مواقع تأكيد دورها القيادي وقدراتها المستقلة. نموذج العمل الذي فرضته الجائحة في بعض الدول، خاصة المتقدمة، وهو نموذج العمل من البيت عبر الشبكة، إضافة لغياب السفر والتنقل. هذا النموذج يبدو أيضاً أنه سيخدم المرأة العاملة.

اقتصادياً هناك بحر من التغييرات، أولها وأهمها وأعمقها تأثيراً هو توقف العمال عن العمل بسبب الحد من الحركة، الأمر الذي يعني أنهم سيبقون دون مصدر رزق. ولهذا، خاصة إذا استمر لفترة أطول من الممكن، آثار خطيرة وعريضة. ليس فقط اقتصادياً وإنما أيضا اجتماعياً. تأثيرها السلبي على العمل الطبيعي لمؤسسات الدولة وعلى النسيج الاجتماعي والذي قد يصل لحد تدميره ولحد انتشار الفوضى وإطلاق أسوأ غرائز الإنسان. الدول تحاول التقليل من المضار عبر تخصيص برامج مالية لمعالجة هذا الأمر جزئياً. لكن النتيجة النهائية ستتوقف على طول فترة التوقف عن العمل، وحتى عندما يبدأ العمل سيكون ذلك بشكل متعثر وغير منظم. الدول نفسها ستتأثر اقتصادياً، سيكون هناك انكماش في النمو في معظم دول العالم وسيكون هذا هو التحدي الأكبر للدولة وللنظام الدولي. بعض دول العالم الثالث ستتضرر أكثر من غيرها وربما لفترة طويلة، بما في ذلك الشرق الأوسط خاصة تلك الدول غير النفطية هناك، آو حتى الدول النفطية المنهوبة. الاقتصاد العالمي سيتضرر، اقتصاديات جميع الدول ستتضرر. الفارق سيكون في قدرة كل منها على تحمل الخسائر الكبرى.

البعد الثالث هو الضرر الكبير الذي سيلحق بالشركات، والسؤال المركزي هنا هو من سيتأثر أكثر الشركات الصغيرة والمتوسطة أم الشركات الكبرى.النظام القائم حتى الآن والذي يعمل لصالح الشركات الكبرى سيحاول كما هي عليه الحال دائماً الانحياز لها. ويبدو أن رزم الدعم الاقتصادي التي أقرتها معظم الدول والتي بلغت في الولايات المتحدة مثلاً2,2 تريليون دولار وهو رقم فلكي بلا شك، يبدو أنها تنحاز للشركات الكبرى، أو لنقل سيكون من الأسهل على هذه الشركات الاستفادة من هذه الرزم الاقتصادية. بالمقابل فإن هذه الشركات والتي معظمها عابرة للحدود، أي شركات معولمة عانت بشكل خاص من انكسار أو انقطاع سلسلة التوريد الدولية، ويبدو الآن أن الموجة القادمة ستكون في غير صالح إعادة بنائها أو الحرص عليها لمصلحة بناء سلاسل توريد وطنية، أي أننا قد نشهد عملية توطين للاقتصاد على حساب الاقتصاد المعولم، وهي عملية حتى لو قامت بها قوى سياسية يمينية ستكون في غير صالح الشركات الكبرى، وستخدم ولو بغير قصد الشركات الصغيرة والمتوسطة، أو لنقل الشركات الجديدة التي ستشق طريقها في ظل النظام الجديد. في هذا السياق تبدو الشركات الكبرى العاملة في مجال التكنولوجيا في موقع خاص. إذ بينما ستتأثر بنفس طريقة تأثر الشركات الكبرى الأخرى، إلا أن تخصصها  يجعلها تقف على حدة، أقل تأثراً على الأغلب، وأصعب من حيث التأثير عليها. التكنولوجيا المنفلتة بما في ذلك في مجالات مثل الذكاء الصناعي والتصنيع العضوي تنطوي على خطورة فائقة على البشرية عموماً، وربما يزيد خطرها عن خطر الرأسمالية المتوحشة المتمثلة بالشركات الكبرى في المجالات الأخرى غير التكنولوجيا. إذا كان لنا أن نأمل في عالم أفضل فهو عالم يجب أن يكون أكثر عدالة على المستوى الوطني في الدولة الواحدة وعلى المستوى الدولي أيضاً، ولعل واحدة من الحلول هي توطين الاقتصاد أو مناطقية الاقتصاد، أي على مستوى الدولة أو المنطقة في إطار تعاوني بين مجموعة من الدول بدلاً من الاقتصاد المعولم الذي أصبحت فيه الشركات أقوى من الدول. هنا استمرار الاتحاد الأوروبي بشكله الحالي يبقى علامة استفهام. وفي وقت ما بدا أن المستقبل قد يكون سلبيا، إلا أن بعض النجاحات في مجال التضامن المالي أعادت إمكانية بقائه. المنطقة العربية كافة ستعاني حتماً ولكن سيكون أمامها إمكانية العمل الجماعي والتكاملي، وإن كان هذا يحتاج لقيادة ذات رؤية حقيقية. نضيف إلى ذلك ضرورة وضع قيود جدية وكونية على عمل شركات التكنولوجيا لضمان استمرار البشرية.

الطبيعة تبقى هي الأساس، لا بد من احترامها ومراعاتها والحد من الاعتداء المستمر عليها.التغيير في المسلك البشري وتوقف انبعاث ثاني أكسيد الكربون من فحم المصانع وعوادم المركبات الميكانيكية نتيجة كورونا المستجد ترك آثاره الإيجابية على الطبيعة التي تنفست الصعداء  لأنه حال دون تدمير الإنسان لها. يتحدث البعض عن ظهور الدلافين على السواحل الإيطالية وعن نقاء أجواء بكين والكثير من المدن الكبرى الأخرى وعن تكاثر النباتات وسعادة الحيوانات. لابد للإنسان أن يتعلم من ذلك، لا بد من اللجوء إلى مصادر الطاقة المتجددة وتعلم كيفية التأقلم مع الطبيعة والحفاظ على البيئة بدلاً من الاستخفاف بالطبيعة واحتقار البيئة مقابل المال والربح. كل ذلك بالإضافة إلى إعادة كرامة الإنسان وقدرته على الحياة الكريمة. القضاء على الفقر والاستغناء عن التراكم المجنون لرأس المال لصالح فئة صغيرة لا تعرف حقيقة ماذا تفعل برأس مالها. كارثة كورونا تشير إلى فرصة قد تكون متاحة للبشرية. لكن بدون رؤية صحيحة وبدون النضال الجدي على كل المستويات تبقى إمكانية عودة الإنسان إلى ما كان عليه إمكانية قائمة وعلى البشرية أن تمنع ذلك وعلى الأقل أن تستفيد من الكارثة ومن الثمن الباهظ الذي تم دفعه.

ماذا بعد..؟
السؤال الآن ماذا بعد بخصوص كورونا. يبدو الآن أن المرحلة الأولى، مرحلة إجراءات العزل والحد من الحركة الهادفة إلى تقليل سرعة الانتشار وكسب الوقت لإعداد الحاجات الطبية وربما لظهور مفاجآت سارة على صعيد العلاجات وربما لاحقاً  (التطعيمات) ، قد تم إنجازها في كثير من الدول. المرحلة الأولى كانت سهلة نسبياً بغض النظر عن آثارها الاقتصادية والاجتماعية. كانت تتطلب فقط بعض القرارات من أصحاب القرار.

ماذا الآن وكيف سيمكن تنفيذ المرحلة التالية، مرحلة العودة للعمل ولعجلة الاقتصاد. الحل الحقيقي السحري هو إيجاد العلاجات حتى الجزئية منها وبالطبع اللقاحات التي لا تبدو أنها ستكون جاهزة قبل بداية العام القادم 2021 أو نهاية هذا العام في أحسن تقدير. ماذا إلى حين ذلك؟  الحلول أكثر تعقيداً بالطبع، وستكون شبه مستحيلة للعالم الثالث، للجنوب. البعض يتحدث مثلاً عن إجراء فحوصات واسعة للغاية وفقاً لإستراتيجية محددة. البعض يتحدث عن فحوصات تستهدف تحديد أولئك الذين اكتسبوا مناعة ضد المرض واعتبارهم القادرين على العودة للعمل أولاً. البعض بدأ يتحدث عن بعض الأدوية التي يكن استخدامها تحت المراقبة الصحية، في المستشفيات فقط. جميع هذه الحلول ستمثل تحدياً هائلاً لأي دولة من دول الجنوب. البعض يقول أيضاً باحتمالية النشاط الموسمي للفيروس، أي أنه (سيخبو) في فترة الصيف ويعود للنشاط في فترة الشتاء القادم. أمام كل هذا دول الجنوب التي بدت محظوظة أو مميزة من الخالق في المرحلة الأولى قد تكون في وضع أصعب بكثير في المراحل القادمة.

الآن ونحن في حوالي منتصف نيسان/إبريل ما هي الأرقام في عالمنا؟ يبدو أن حالات الإصابة بلغت نحو 2,2 مليون إصابة وأن الوفيات بلغت نحو 150 ألف وفاة منها حوالي 35 ألف من الولايات المتحدة وحدها. الأرقام الحقيقية أظنها أعلى من هذه لأننا لا نعرف كل شيء، وهي في ارتفاع يومي في كل الأحوال.الآن أيضاً ومع مرور كل هذا الوقت مازالت البشرية لا تعرف كل شيء عن كورونا المستجد. الواضح الآن أن الحل الجدي الوحيد الذي سيوقف الكارثة هو اللقاح الذي سيستغرق بعض الوقت. الآن أيضاً يبدو أن بعض دول آسيا بما في ذلك  الصين قد تجاوزت الأسوأ. وأن بعض الدول الأوروبية قد بدأت مخططات الانتهاء التدريجي للإغلاق بعد أن تجاوزت ما تعتقد أنه قمة العدوى، وهي مرحلة أكثر تعقيداً من المرحلة الأولى. الآن تحتدم المعركة في الولايات المتحدة بين الرئيس ترامب الذي يريد إنهاء الإغلاق لأسباب اقتصادية وحكام الولايات الذين يريد معظمهم انتظار تراجع أعداد المصابين والوفيات الصادمة التي وصلت اليوم حوالي أربعة آلاف وفاة. الآن في الشرق الأوسط مازال الأمر يبدو أنه تعرض لنسخة مختلفة من كورونا المستجد ولم تتعرض دول للفتك بالأرواح الذي رأته أوروبا مثلاً.

إذاً، ماذا بعد. لا نعرف تماماً، وإن كان احتمال جدي بأننا قد نكون مقبلين على خفوت الوباء خلال موسم الصيف، وقد نكون مقبلين بعد ذلك على موجة ثانية من الوباء مع بدء الشتاء القادم، أي قبل اللقاح والعلاج الجدي للوباء.. عندها لا نعلم ما إذا كانت دول الشرق الأوسط ومن بينها فلسطين ستشهد أيضاً نسخة مخففة من الوباء. المعنى أنه قد يكون لدولنا فرصة ثانية وهو أمر نادر في الحياة. علينا نحن أيضاً في فلسطين أن نستعد، هذه المرة بشكل أكثر جدية بكثير من المرة الأولى. نأمل ذلك. إذا لم يحدث ذلك، وخبى  الفيروس إلى أن يتم إيجاد اللقاح، دون أن يحدث موجة ثانية، لن نخسر شيئاً بسبب الاستعداد، وسنكون نحن والبشرية جمعاء في حال أفضل. الاحتمال الثالث والأخير هو أن لا يخبو الفيروس أصلاً وأن يستمر وربما يزداد إلى أن نصل إلى اللقاح، أو مسكنات على الطريق. احتمال وارد وإن كنت أظنه أقل احتمالاً. إذا حدث كان الله بعون البشرية عموماً وسوف نعلم على الطريق.

* عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح"، وزير الخارجية الفلسطيني السابق. - --