2020-04-25

في معنى المصالحة من جديد..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

يتجدد الحدث دائما عن المصالحة بإعتبارها المكون الرئيس للغة الوطنية الفلسطينية، ولا تجروء أي من القوتين الرئيسيتين: "فتح" و"حماس" التخلي عنها لأن شرعيتهما ووجودهما مرتبط بها، فلا شرعية لأي منهما ولا لأي فصيل بالإنقسام. ومن المفارقة السياسية ان التمسك بشرعية المصالحة هو الخيار الوحيد لشرعية أي منهما، فالبديل لذلك بكل صوره يعني فقدان شرعيتهما، وفقدان هويتهما الوطنية الفلسطينية.

المصالحة تفرضها الآن مخاطر حقيقيه ليست فقط مرتبطة بـ"صفقة القرن"، التي ما زالت إدارة الرئيس ترامب مستمرة في تنفيذها وآخرها تحويل هوية اهل القدس التاريخيين على أرضهم من أصحاب أرض وحق في الحياة إلى مجرد مقيمين عابرين، بمعنى انه يمكن ترحيلهم لأي سبب من الأسباب، والهدف إكتمال دائرة التهويد الكاملة للقدس. والأمر لا يتوقف على ذلك بل بمنح الضوء الأخضر المعلن بحق إسرائيل بضم ما تبقى من أراض فلسطينية في الغور وشمال البحر الميت، وضم كل الكتل الإستيطانية.. يعنى قتل مشروع الدولة الفلسطينية والتى أساسها منطقة القلب في الضفة الغربية، فكل دولة لها قلب واحد، وقلب فلسطين الضفة الغربية، وعندما يتم إنتزاع هذا القلب فإنه معرض للموت السريري الدائم، ولا مانع لإسرائيل تثبيت الإنقسام بدولة فلسطين في غزة، أي واحد في المائة بدولة محاطة بكل مكان من إسرائيل يمكن إحتوائها في أي وقت.

وتأتى حتمية المصالحة الآن بعد تشكيل إسرائيل حكومتها الـ 35 وهدفها الأساس تنفيذ "صفقة القرن"، اي إكتمال عملية الضم، وترك ما تبقى للفلسطينيين أن يقبلوا به أو لا يقبلوا به فهذا خيارهم..!

ومن ناحية ثانية خلقت "الكورونا" وضعا عربيا ودوليا غير مواتي لصالح القضية الفلسطينية سياسيا وإقتصاديا، فالدول العربية ستخرج ولديها أولويات داخلية كبيرة تشغلها عن فلسطين. وإقليميا لم تعد إيران ولا تركيا قوتان صاعدتان معترف بهما بل ستواجه كل منهما مشاكل كبيرة تتعلق بالإقتصاد والحكم. ودوليا ستسود نظريات جديدة للقوة، وقد يخرج العالم أكثر توحشا.. وليس مستبعدا ان تتراجع أمريكا عن صدارتها للقوة. وجاء الإنهيار الأخير للنفط ليفقد كثير من الدول قدراتها الاقتصادية وبالتالي تراجع سلم الدعم الإقليمي والدولي، وكل هذا يعني أمرا واحدا: تفكيك كل مكونات القضية الفلسطينية من محدداتها الأساسية، وترك الفلسطينيين يبحثون عن خياراتهم، وأهدافهم وأولوياتهم.. ولهذا معنى واحد ان لا بديل امامنا إلا أن نتحول لمتغير رئيس فاعل ومؤثر وله قراره القوي، الذي يحسب حسابه، وان نثبت وجودنا كمتغير رئيس في القرار الإسرائيلي. بمعنى ان على إسرائيل ان تفكر اكثر من مرة عندما تريد أن تأخذ قرارا بشأن تقرير مصير فلسطين، وهذا هو المعنى الرئيس للمصالحة: إستعادة القرار الفلسطيني لأن يقرر مصيره، لا ان يقرره غيره.

الإنقسام وإستمراره معناه الإستجابة لكل التحولات السياسية التي تطال القضية الفلسطينية من تفكيك وإذابة، وهذا خيار مرفوض شعبيا، ويتعارض مع الهوية الفطرية للشعب الفلسطيني.

المصالحة معناها اليوم إستعادة القوة الفلسطينية بكل مضامينها الاقتصادية والسياسية والعسكرية والدولية والقانونية في الداخل والخارج، لا هدرها بالإنقسام.. المصالحة ليست إعادة توزيع للغنائم، وهي أصلا غير موجودة وأي غنائم غير غنائم السلطة والمناصب، وليست مجرد إعادة الانتخابات وإختيار رئيس جديد وسلطة تشريعية جديدة، المصالحة اليوم أعمق وأبعد من ذلك بكثير.. الحفاظ على هوية ووحدة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، فالإنقسام ليس قاصرا على "فتح" و"حماس" وسلطة هنا وهناك، ومناصب زائلة باصحابها، بل تثبيت لتواجد الشعب الفلسطيني وهو العنصر الأقوى في القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وطالما هناك شعب واحد هناك قضية، وطالما هناك قضية فلا بد من الحل الذي يحفظ لهذا الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره والذي يتجسد بالدولة الفلسطينية والقدس عاصمة لها.. ليس بالضرورة ان يتم الحل اليوم لكن المهم ان يتم ترسيخ مقومات الحل اليوم.

هذه المقومات لن تتم بدون المصالحة، بعبارة أخرى وهذا أحد المعان المهمة للمصالحة، إذا لم تتحقق المصالحة اليوم نكون قد فقدنا مقومات أي حل سياسي يحفظ للشعب الفلسطيني هويته وحقه التاريخي ودولته. المصالحة اليوم ليست كالمصالحة بالأمس، فعالم ما بعد "كورونا" أما أن نكون وأما ألا نكون، وكيف لنا أن نواجه هذا العالم بغزة الصغيرة، ام بالضفة الغربية المجزأة إلى كانتونات منعزلة تتحكم فيها إسرائيل؟ عالم ما بعد "الكورونا" عالم سيحكمه الأقوى والأنفع والأقدر على البقاء. وهل الإنقسام يحقق لنا البقاء؟ امامنا خياران إما خيار الإبتلاع والإحتواء في أجسام وكينونات سياسية أخرى، وإما الحفاظ على هويتنا بلفظ كل خيارات الإحتواء والتبعية.

المصالحة تعني بناء جسم سياسي قوي لديه المناعة السياسية والمناعة البشرية القادرة على مواجهة أي فيروسات للضم والإبتلاع.. نحن اليوم أما خيار "الكورونا" الذي سيطبق علينا في مرحلة ما بعد "الكورونا"، خيار الإختناق التنفسي، وأن تتحكم إسرائيل بأجهزة التنفس الصناعي لديها، وتتحكم بمقدر الأوكسجين الذي يدخل ويخرج، وتحدد لدينا متى نعيش ومتى نموت..! هذا هو الخيار الأصعب.. خيار الحياة والموت.

القيادات كلها التي نسمع صوتها اليوم زائلة، وهي في طريقها لذلك، والذي يبقى هو الشعب الموحد الواحد.

تاريخيا عرف الشعب الفلسطيني انه شعب واحد، حتى الفلسطيني الذي يعيش في كل معاناة المخيمات بقس متمسكا بهويته الفلسطينية، والفلسطيني الذى يعيش في الخارج ورغم رفاهية الحياة ظل متمسكا بهذا الهوية، وهذا مصدر قوة الشعب الفلسطيني الذي تمنت في يوم من الأيام غولدا مائير ان تستيقظ من النوم وتراه قد أختفى، او أمنية رابين ان يرى غزة ويبتلعها البحر.

سر قوة الشعب الفلسطيني في وحدة شعبه، والمعنى الحقيقي للمصالحة ان نعيد هذه الوحدة ونعمل على الحفاظ عليها، والحفاظ عليها ليس بالشعارات، بل برؤية إستراتيجية وببناء القوة، وكيف نبني نظاما سياسيا قويا، وإقتصادا قويا ونظاما تعليميا يواكب الثورات العلمية ونظام صحي قوى يحفظ حياة الشعب، وبالسؤال والإجابة عليه كيف نحافظ على بقاء الشعب على أرضه، ولا ندفعه للهجرة؟ بالمصالحة نعم يمكن تحقيق هذه الأهداف.
ماذا ننتظر بعد تشكيل إسرائيل حكومة الضم؟

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com