2020-04-26

الباقي من الزمن صفر..!


بقلم: د. هاني العقاد

انتهاك مستمر لقواعد القانون الدولي والدولي الانساني في اكثر من مائة الف حالة ارتكبتها اسرائيل من بينها آلاف جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية والتي استباحت إسرائيل فيها كينونة الشعب الفلسطيني وحقوقة الانسانية والمدنية والسياسية وصادرت حريته وحق تقرير مصيره ليعيش بأمن وسلام واستقرار يتطور كبقية الشعوب ويتكاثر على ارضه دون حرب وقتال وكراهية ودون خوف على ابنائه ومستقبلهم.

كل هذه الانتهاكات تأتي بفعل دراسات استراتيجية معقدة تقدمها مراكز التخطيط الاستراتيجي لحكومة اسرائيل وبالتالي تنتهج وتخطط هذه الحكومة كل شيء  من خلال غرف عمليات يتم خلالها نقاش ودراسة سبل التعامل مع الشعب الفلسطيني وكيفية اذلاله وكبح جماح تطوره واستقلاله وبناء كيانه السياسي على الارض الفلسطينية.

ولم يبقى في جعبة اسرائيل خطة استيطان الا ووضعتها ولم يبق في جعبتها انتهاك الا وفعلته لتضيق المسافة بين الفلسطينيين وطموحهم السياسي، وتقصر الزمن بين الاجيال وحلمهم الوطني  تخطيطا لان تذهب الاجيال وتأتي اخرى دون ان يحققوا سوى الاحباط السياسي ليجبروا في النهاية على القبول بما تفرضة سياسية الامر الواقع على الارض وما تقره اسرائيل..!

ما يدور الآن في المطبخ الاستراتيجي الاسرائيلي هو عملية ضم وتهويد للارض الفلسطينية جاءت بها صفقة "ترامب نتنياهو" واصبحت الخطة الاولى لحكومة نتنياهو - غانس، عبر ضم كافة المستوطنات التي اقيمت بالضفة الغربية وفرض السيادة على شمال البحر الميت وغور الاردن وبالتالي تفتيت وحدة المحافظات الفلسطينية وقطع محاور الاتصال بينها حتى يستحيل اقامة اي كيان فلسطيني متواصل جغرافيا مع بعضه البعض ومع محيطه العربي انطلاقا من الحدود الشرقية. وكذك تهويد ما تبقى من القدس العربية الفلسطينية عبر تغيير هويتها وقلع سكانها الفلسطينيين وتقسيم مقدساتهم بدءا من المسجد الاقصى وبالتالي تتمكن سلطة الاحتلال من توحيد هويتها اليهودية تنفيذا لقرار ترامب الذي اعتبر القدس عاصمة موحدة لاسرائيل.

عملية الضم التي تشرع فيها اسرائيل منذ فترة تسير بطريقة هادئة بعيدا عن الاعلام  لتصفي كل الحقوق وترميها من على طاولات المجتمع الدولي وتضع حقوق مجتزأة بديلا عنها ليضطر الفلسطينيون في النهاية التفاوض عليها. انها اكبر عملية تصفية للحقوق الفلسطينية في التاريخ بتغطية امريكية وصمت دولي لا يرتقي لحجم الكارثة التي ستحل بالشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية اذا ما نجحت اسرائيل في فعل ذلك وانتهت عمليتها دون رد فعل دولي وعربي حقيقي يربك كل السياسات بالمنطقة ويضيق على كل المصالح التي تعتبر امتدادا للامبريالية والصهيوينة بعالمنا العربي.

اليوم تتعالى الاصوات الدولية الخجولة التي تنادي بوقف هذه السياسات الاحتلالية التي تنتهك القانون الدولي وترمي بقرارات الشرعية في سلة المهملات وتحذر من خطورة ما تحاول اسرائيل فعله تطبيقه على الارض الفلسطينية، كلها تأتي بفعل ارتفاع وتيرة  التحذيرات الفلسطينية والعربية الصادرة من مجلس السفراء العرب بالامم المتحدة ومجلس جامعة الدول العربية والاتحاد الاوروبي وعلى لسان الممثل الاعلى للشؤون الخارجية والسياسية "جوزيف بوريل" الذي اكد ان الاتحاد الاوروبي لا يعترف بالسيادة الاسرائيلية على الضفة الغربية، واكد ان موقف الاتحاد الأوروبي لم يتغير بشأن القانون الدولي وقرارات مجلس الامن ذات الصلة 242 و338 التي قضت بانسحاب اسرائيل من كافة الارض العربية التي احتلت عام 1967. كذلك اعلن الاعضاء الدائمين بمجلس الامن في دورتة غير العادية لمناقشة التطورات بالارض المحتلة وخاصة  سياسة اسرائيل الرامية الي ضم الضفة الغربية والقدس وغور الاردن، وهنا اعلنوا رفضهم القاطع لاي اجراء اسرائيلي يتعارض مع القانون الدولي الذي يعتبر الضفة الغربية والقدس ارضا محتلة لا يجوز تغيير خارطتها الجيو سياسية. وحذرت كل دول العالم الفاعلة مثل روسيا والصين والهند وفنلندا ومالطا ونيوزلندا وبريطانيا وفرنسا وايطاليا والاردن ومصر والمغرب والسعودية كافة الدول العربية من ان اي اجراء اسرائيلي كهذا يمكن ان ينسف علمية السلام ويقضي على حل الدولتين.

خطة الضم الاسرائيلية بدأت منذ فترة وتمضي بهدوء لكن نتنياهو - غانتس اتفقا على موعد الاعلان رسميا عنها وغلق الارض في وجه الفلسطينيين واغتيال كل القرارات الشرعية الداعية لتحقيق تقرير مصيرهم واقامة دولتهم. ولم يبق بين الانتهاء من الضم والتهويد وتطبيق صفقة "ترامب نتنياهو" سوى مسافة صفر، وهي المسافة المحتملة لنسف علمية السلام وقتل حل الدولتين امام العالم وتصفية حقوق الفلسطينيين وقضيتهم التاريخية.

لم يبق من الزمن سوى مسافة صفر، ولم نسمع حتى الان سوى تحذيرات وعدم اعتراف، وكأن اسرائيل تريد ان يعترف العالم بذلك، فهي تكتفي في هذه المرحلة باعتراف الولايات المتحدة  والاقرار بالخارطة الجديدة التي شاركت امريكا في رسمها ودعمت اسرائيل لتطبيقها على الارض.

بيانات الرفض والتحذير لا تفعل شيئا، وبالتالي فان الفعل المؤثر اصبح عمل ابعد من تلك الادانات عربيا ودوليا.. لا اريد ان اتحدث في بعض الاجراءت المطلوبة ولكن العالم يعرف في هذا الوقت العصيب كيف يحمي الشرعية الدولية ويحافظ على قرارات مجلس الامن والامم المتحدة، بل ويعمل على انفاذها وتطبيق مبدأ حل الدولتين، ويعرف العرب كيف يمكن ان تجبر اسرائيل على التراجع عن كافة خططها التصفوية وتصفية الحقوق الفلسطينية ان ارادوا، ويعرف الفلسطينيزن كيف يمكن ان يؤذوا اسرائيل ويغلقوا امامها اي مسافات زمنية بقيت  حتى ولو كانت صفر لتنفذ خططها، بل ويعرفوا كيف يمكن اعادة الصراع الى المربع الاول واشعال المنطقة بأسرها.

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com