2020-04-28

"الكورونا".. أي نظام سياسي نريد؟


بقلم: د.ناجي صادق شراب

هل من علاقة بين "الكورونا" والسياسة؟ والإجابة نعم، والظاهرتان وجهان لعملة واحدة. لا خلاف في الجانب الصحي الأخطر للوباء، والخوف البشري منه، لأنه يمس حياة الإنسان نفسه. وفي النهاية سيتم التغلب على هذا الوباء بعقل العلماء وبرحمة من الله عبر التوصل لعلاج له. لكن يبقى الجانب السياسي الذي سيستمر مع الحياة البشرية لعقود طويلة.

الوباء والسياسة القاسم المشترك بينهما هو الإنسان. وكون السياسة ظاهرة عالمية فالوباء أيضا ظاهرة سياسية، لذلك تداعيات الوباء على السياسة لن تقتصر على جانب واحد دون الآخر، بل ستطال الإنسان نفسه وقيمه وسلوكياته، وتوازن القوى العالمي. وللعلوم السياسية، كما هو معروف فروعها الكثيرة التي سيدخل فيها الوباء، علماء العلاقات الدولية معنيون بالتحولات في موازين القوى، وعلماء النظرية السياسة معنيون بصلاحية النظريات القائمة والبحث في أخرى، وعلماء الفلسفة والفكر السياسي معنيون بدور القيم والأيدولوجيات السياسية ومنظومة الأخلاق. وأما علماء النظم السياسية المقارنة فالسؤال الذي يواجههم: أي نظام سياسي نريد؟ وأي نظام سياسي هو الأصلح؟ وهل ما زالت النظم الديمقراطية هي البديل البشري؟ وكيف سيكون شكل الصراع بينها وبين النظم السلطوية ذات النزعة الديكتاتوية؟

وموضوع مقالة اليوم النظام السياسي الذي يعيش في كنفه الإنسان. فمنذ أن خلق الإنسان وهمَ الفلاسفة والمفكرين البحث في أي نظام سياسي الأمثل والأكثر تجسيدا لحاجات وتطلعات الإنسان وأكثرها قدرة على التكيف والإستجابة ومواجهة الأزمات وإدارتها..؟ ولعل من أكثر الجوانب التي سيترك الوباء تأثيره عليها النظام السياسي، والبحث عن صيغة ومعايير جديدة لتصنيف النظم السياسية.

في علم السياسة المقارنة تصنيفات كثيرة للنظم السياسية منذ سقراط وأرسطو وأفلاطون. ارسطو تكلم عن حكم القانون وافلاطون عن حكم الفيلسوف، وسقراط من قبلهما تجرع كأس السم دفاعا عن حكم القانون. ومن منظور أدبيات النظم السياسية المقارنة جرت تصنيفات كثيرة للنظم السياسة في العالم، ولم يوجد نظام سياسي واحد جامع شامل، ولا يمكن القول بمثالية نظام سياسي، فالمثالية نسبية ومرهونة بمدى قدرة النظام السياسي في تجسيد محددات ومتغيرات بيئتها السياسية الداخلية والخارجية، وبمدى قدرة النظام السياسي على الإستجابة والتكيف للمتغيرات والمستجدات وأهمها كيفية التعامل مع الأزمات المستجدة.

وتراوحت النظم السياسية بين النظم الديمقراطية في مقابل النظم السلطوية الشمولية، وفي مقابل النظم الثيوقراطية التي تحكمها معتقدات دينية تقربها من شمولية النظم السياسية العلمانية كما في إيران والصين. وتصنيف النظم السياسية إلى نظم دول الشمال التي توصف بالتقدم ودول الجنوب التي توصف بالتخلف. وبقيت النظم الديمقراطية الأكثر شيوعا وإنتشارا، والأكثر طموحا لكل الدول. وجاء النظام السياسي الأمريكي وفي الغرب كنموذج للنظم الديمقراطية، وذهبت هذه الدول إلى أخذ الإعتبار لقيم نظامها في التعامل مع غيرها من الدول كمعيار الحقوق والحريات. وفي مواجهتها اعتبرت النظم السياسية الصين على أنها نقيض للحريات الفردية والحقوق، وبسيطرة الحزب الواحد، وبأيدولوجية متشددة للشيوعية وعبادة الفرد. لتأتي "الكورونا" وتطيح بكل المعايير التي تقوم عليها النظم السياسية وتثبت فشل كل التصنيفات التقليدية.

ولعل الأكثر هجوما وإنتقادا كان النظم السياسية الديمقراطية التي فشلت حتى اللحظة في إدارة الأزمة، واظهرت نقاط ضعف كثيرة في بنيتها السياسية والقيمية بدليل حجم الإصابات والوفيات التي تعاني منها دول كالولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا وغيرها، لتبرهن على تراجع، ولا نريد ان نقول الآن فشل، في قدرة هذه النظم، في الوقت الذي أظهر فيه النظام السياسي الصينى والكوري الشمالي قدرة كبيرة في الإعداد والسيطرة على الوباء لدرجة أن الصين مارست سياسة الدعم والمساعدة للعالم الديمقراطي لتقدم نفسها ونموذجها على أنه الأمثل.

وحقيقية تراجع النظم الديمقراطية ليست جديدة، بل ظهرت أعراضها قبل أزمة "الكورونا". ففى دراسة لعالمي السياسة الأمريكيين ستيفان ليندربرغ وآنا لوهران أن هناك حوالي 75 دولة بدأت عليها أعراض التراجع في المسار الديمقراطي لصالح أعراض أقرب للنظم السياسية السلطوية ببروز النزعة الديكتاتورية للحاكم، والمثال واضح في الرئيس ترامب. وفى الوقت نفسه تزايد ظاهرة الأنظمة الأوتوقراطية، وزيادة الحديث والنقد عن فعالية النظم الديمقراطية البرلمانية وفعالية التمثيل الشعبي في الوقت الذي تتراجع فيه نسب المشاركة في الانتخابات.

"الكورونا" وكما أشرنا أظهرت عيوب النظم الديمقراطية لدرجة أن هناك من يتحدث عن ليس فقط تراجعها بل إحتضارها، ودليلهم النزعة الديكتاتورية التي بدأت تظهر لدى الحكام المنتخبين، وأبرزهم الرئيس ترامب الذي يسعى لرئاسة ثانية مستغلا وباء "الكورونا" ومضحيا بكل القيم الديمقراطية.

ورغم كل هذه الإنتقادات فمن السابق لآوانه الحديث عن ان النظم الديمقراطية قد فشلت، وأفسحت المجال للنظام الصيني الشمولي الذي يلغي الحقوق والحريات لحساب سيطرة وهيمنة الحزب ورئيس الحزب، ونظام أقرب لوصف رواية جورج أوريل بـ"الأخ الأكبر"، نظم الوصاية الشاملة. وعلى الرغم من نجاحها ومنافستها للنظم الديمقراطية في المجالات الإقتصادية والعلمية والأداء، يبقى الجانب المتعلق بالحقوق المدنية والحريات الشخصية هو الأقرب للفطرة الإنسانية الأولى والأكثر إستجابة لحاجات الإنسان.

عموما سنرى صراعا ومنافسة تمتزج بين المنحى السلمي والمنحى العنيف لإثبات أي نظم سياسية أكثر إستجابة وأكثر كيفا وأكثر قدرة.. قد تبرز "الكورونا" الحاجة لمراجعات نقدية متعددة للنظام الديمقراطي الذي سيبقى الأكثر بقاءا، فالديمقراطية قصة نضال بشري طويلة خاضتها الدول وقدمت تضحيات بشرية من اجل الوصول إلى هذا النظام الذي يلخص الحكم في: حكم الشعب وبواسطة الشعب.. والمتمم له الحكم الرشيد وحكم الفعالية.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com