2020-05-05

"تسونامي" التطبيع العربي سيتواصل..!


بقلم: راسم عبيدات

بداية لا بد لنا من أن نثمن موقف حكومة وبرلمان وشعب الكويت على رفضهم منح ترخيص لمسلسل "ام هارون" التطبيعي للإنتاج والتمثيل والعرض والبث عبر القنوات الكويتية الذي تبثه قناة (MBC) وبالتالي اضطر ذلك الممثلة الكويتية حياة الفهد للقيام بإنتاجه وتمثيله خارج الكويت من خلال شركتها الخاصة، ونحن بمحبتنا وتقديرنا للحكومة والبرلمان الكويتيين، نأمل منهما العمل على محاكمة حياة الفهد بجرم المشاركة والترويح لعمل تطبيعي يسهم في تزييف و"كي" الوعي للمواطن العربي من خلال ممرات الإنسانية والتعايش بين الأديان، هذا العدو الذي يجري أنسنته وإظهاره بالحمل الوديع هو الذي يوصل الليل مع النهار من أجل قلب الحقائق وتزييفها وتغيير الوقائع لصالحه على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

ولكي نضع النقاط على الحروف، لا بد لنا من القول، انه منذ ان استدخل المغدور الرئيس المصري انور السادات ثقافة التطبيع والهزيمة، عند توقيع اتفاقية "كامب ديفيد" والتي أخرجت مصر بثقلها ودورها العسكري والسياسي والقيادي للأمة العربية من ساحة الصراع مع دولة الإحتلال وقوله بأن 99% من أوراق الحل بيد أمريكا، وبان حرب تشرين 73 هي أخر الحروب مع الإحتلال، بدأت "عجلات" التطبيع العربي- الإسرائيلي بالدوران على الصعيد العربي الرسمي، دون قدرة عجلاته بالسير على المستوى الشعبي والجماهيري.. واستمر هذا الوضع الى أن جاءت كارثة أوسلو، لكي تعطي دفعة قوية لنهج وثقافة التطبيع،والتي جعلت من سلطة أوسلو على المستوى الرسمي "بلدوزر" التطبيع مع الكيان الصهيوني، وبالتالي ظهرت ما تسمي نفسها بـ"النخب" والقيادات الجهبذية الفلسطينية والعربية التي تُنظر وتُشرع لما يسمى بثقافة السلام والمشاركة في الأنشطة واللقاءات التطبيعية المؤسساتية والشعبية مع أفراد ومؤسسات وفرق اسرائيلية رياضية وفنية وعلمية وتربوية ودينية وغيرها، مستخدمة يافطة ان تلك اللقاءات والأنشطة تأتي خدمة لمصلحة الشعب الفلسطيني ولحقوقه الوطنية المشروعة ومصالحه العليا، ومن اجل خلق رأي عام اسرائيلي واسع مؤيد لحقوق شعبنا الفلسطيني. والصحيح أن تلك اللقاءات أتت لكي تحقق اهداف ومصالح وامتيازات لمجموعة أفراد ومؤسسات تبحث عن دور ومكانة في النظام السياسي الفلسطيني ومؤسساته، موهمة نفسها بأنه ألمعية "وجهبذية" تطلق المبادرات والإبداعات ومتقدمة في وعيها وفهمها على وعي وفهم شعبنا.

ومنذ كارثة اوسلو وحتى اللحظة وجدنا بان هناك تيار نمى في جسم السلطة والنظام الرسمي العربي، يقول بضرورة ان نركز على الحوار والمفاوضات والمقاومة السلمية، وأن نبتعد عن التيارات والقوى "المغامرة" التي لا تجلب للعرب والفلسطينيين سوى "الدمار" و"الخراب" وضياع الحقوق والأرض، ورصد لذلك الأموال وجند و"طوع" واشترى الكثير من الكتاب والصحفيين والإعلاميين والسياسيين، واستخدم إمبراطورياته الإعلامية من اجل السيطرة على الفضائين الثقافي والإعلامي العربي والفلسطيني، وبما يروج لهذه الثقافة والرؤية.

وعلى الصعيد الفلسطيني تشكلت، لجنة تسمى "لجنة التواصل والحوار مع المجتمع الإسرائيلي"، كما قيل من أجل إحداث تغيير في رؤية وموقف المجتمع والقوى الإسرائيلية من حقوق شعبنا وقضيتنا الوطنية،والنتيجة كانت ما لمسناه على الأرض، بأن المجتمع الإسرائيلي أكثر يمينية وعنصرية وتطرفا حتى من قيادته، ولكي نجد في الإنتخابات المعادة للمرة الثالثة خلال عام، بأن اليسار الصهيوني ذهب نحو التفكك والتلاشي والإندثار، والميزانيات الضخمة التي رصدت وصرفت لهذه اللجنة، لم تعط أية نتائج ايجابية، بل كانت مجرد حوارات وعصف ذهني وورش عمل وجلسات سمر مع افراد ومجموعات اسرائيلية خارج دائرة الفعل والتاثير والقرار السياسي.

النظام الرسمي العربي المنهار والمتعفن كان يعمل على نقل علاقاته التطبيعية مع دولة الإحتلال من الجانب السري الى الجانب العلني والمشرعن، فنتنياهو قال نحن لا نريد لتلك العلاقات مع الكثير من دول النظام الرسمي العربي والدول الإسلامية، بما فيها التي لا تقيم علاقات مع اسرائيل أن تبقى في السر، بل لا بد لها ان تكون علنية وعلى رؤوس الأشهاد، وبالفعل كان له ما أراد، حيث حضر اعلان الشق السياسي لـ"صفقة القرن" من واشنطن في 28/1/2020 ثلاثة سفراء عرب، سفراء عُمان التي التقى نتنياهو سلطانها الراحل قابوس في تشرين اول 2018 والإمارات والبحرين، في حين كانت مصر والسعودية تشيدان بالجهود الأمريكية لصنع "السلام" بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ودعتا الفلسطينيين الى عدم رفض "صفقة القرن" الأمريكية، ولم يمر وقت طويل حتى التقى نتنياهو مع رئيس المجلس العسكري الإنتقالي السيادي السوداني عبد الفتاح البرهان في 5/2/2020 في عنتيبه الأوغنديه، لتطبيع العلاقات بين البلدين، وسبق ذلك المشاركة غير المسبوقة للأمين العام لرابطة العالم الإسلامي محمد العيسى ووزير العدل السعودي السابق في 23/1/2020 في إحياء الذكرى الخامسة والسبعين لضحايا المحرقة اليهودية في معسكر أوشفتز في بولندا، حيث قام برفقة وفد من زعماء الدين البارزين بزيارة تاريخية لمعسكر الإبادة النازية وأمّ الصلاة قرب النصب التذكاري لضحايا المحرقة.

كما سمح نتنياهو لمواطني الداخل الفلسطيني – 48 – بزيارة السعودية بدون تأشيرات دخول لأغراض دينية وتجارية، لكي يكونوا جسرا للتطبيع. وفي شهر رمضان الفضيل الحالي أطل علينا نهج التطبيع، عبر المسلسل التطبيعي الذي يبث على فضائية (أم بي سي) ،ويحمل اسم "ام هارون"، هذا المسلسل يستمد قصته من سيرة يهودية تدعى "أم جان" لتبييض صفحة المحتل وأنسنته في لحظة مُرّة فارقة حرجة تنساق مع مروجي وداعمي "صفقة القرن".

إن المسلسل المذكور يدفع باتجاه تغيير النمط السائد عند المشاهد العربي لشخصية اليهودي المغتصب لأرض فلسطين، ودعم روايته المزيفة والمفبركة من منصة الإنسانية والتعايش مع الأديان والتسامح البشري، ويعمل المسلسل على تسطيح ما قامت به عصابات المحتل الإجرامية التي عملت وتعمل على مدار السنين لمحو الهوية الفلسطينية، وتهويد الأرض العربية، واحتكار الجغرافيا والمقدس.

كما أن المسلسل يعمل على تطبيع العلاقات بين المحتل الغاشم والأمة العربية، في الوقت الذي تسلب فيه الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والتي كفلتها الاتفاقيات الدولية وأنكرها الاحتلال الغاصب. وهجوم الناطق باسم الاحتلال على رافضي عرض المسلسل يأتي تأكيدا على قبول الاحتلال وترحيبه به تحقيقا لغايات أعدت سلفا.

ومن بعد مسلسل "ام هارون" تَبُث قنوات تلفزيونيّة مُسَلسلًا "كوميديًّا" آخَر تحت عُنوان "مخرج 7" للممثل السعودي ناصر القصبي، يتحدّث في حلقته الثالثة عن وجود قِطاع شعبي سعودي يُحَمِّل الفِلسطينيين مسؤوليّة تردِّي أحوال العرب، ويُؤيِّد التّطبيع، وإقامة علاقات اقتصاديّة وتجاريّة مع الإسرائيليين، ولا نَعرِف ما هي "الخطايا" الأُخرى التي ستكون في ثنايا الحلقات المُقبِلة في هذا المِضمار، فأوّل القصيدةِ كُفر.

ونحن نقول كان من الأحرى بممثل "مسلسل "مخرج 7" وقناة فضائية mbc وطاقم ممثلي وممولي مسلسل "ام هارون" إبراز معاناة أمهات الأسرى الفلسطينيين، وأمهات المصابين والشهداء والجرحى والمبعدين والنساء المنكوبات بفعل الإجراءات الصهيونية في باستيلات العدو والقمع الوحشي الممارس ضد الفلسطيني ووجوده يوميا.

وفي الختام نقول أين الدراما العربية من قضية فلسطين والاعتداءات الاحتلالية على أهلنا الصامدين في القدس التي تتعرض للتهويد والاستباحة اليومية؟!

* كاتب ومحلل فلسطيني يقيم في مدينة القدس. - Quds.45@gmail.com