2020-05-07

فلسطين والمنطقة ستبقى على صفيح ساخن..!


بقلم: د. عبد الرحيم جاموس

أَما آن لهذا الصفيح أن يبرد، وأن تنتقل المنطقة إلى عهد جديد؟
يرى الكثيرون أن القضية الفلسطينية قد تراجعت مكانتها على المستويين العربي والدولي، بسبب توالي الأزمات الدولية، الإقليمية والقارية والعالمية، من سياسية إلى إقتصادية وآخرها وبائية مع تفشي جائحة "الكورونا"، وقد فاقت حدتها وتهديدها للسلام العالمي تهديد القضية الفلسطينية له، لكن حقيقة الأمر، إذا أردنا أن ننظر إلى أسباب عدم الإستقرار على الأقل الذي تشهده المنطقة العربية، والشرق أوسطية بصفة عامة، سنجد أن فلسطين وقضيتها في القلب منها دائماً، مهما علت حدة بعض القضايا الأخرى التي تعصف بالمنطقة، وقد تنامت بفعل العوامل المشتركة الداخلية والخارجية في تفجير أوضاع المنطقة، وفي دول معينة بعينها من الدول العربية، نجد أن عامل الصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية كامنة في لب تلك العوامل الدافعة للقلق وإثارة النزاعات والصراعات، حتى ولو من باب التوظيف، وقد يتبادر للذهن أن القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي الذي مضى عليه سبعة عقود ونيف قد أدمنته المنطقة والعالم، وأنه من الممكن أن يبقى في حالة تبريد وجمود وسكون لعقود أخرى، يجري خلالها التعايش معه، وإبقاءه في منطقة التريث والتسويف والإنتظار، وتوفير الوقت والإمكانيات وتوجيه الجهود لمعالجة الأزمات الأكثر إلتهاباً في دول المنطقة فقط، من سوريا إلى ليبيا إلى العراق إلى اليمن إلى مصر إلى الخليج العربي واطماع ايران القومية والطائفية، إلى مواجهة هذا التحدي والتمدد الإيراني، الذي بات مقلقاً لجميع الدول العربية في المنطقة، ويعمل على زعزعت الإستقرار فيها، تبقى فلسطين وعدم حل قضيتها حلا مقبولا ولا نقول عادلاً ، تمثل إحدى البوابات التي قد تنفذ من خلالها إيران وغيرها بالإضافة إلى البوابة الطائفية في العديد من الدول العربية، التي ما انفكت إيران عن إستخدامها منذ سقوط نظام الشاه، وسعيها لإستغلال هذا البعد الطائفي في التأثير في الشأن العربي.

إن تكريس الوحدة الوطنية، وإعلاء شأن الوطن، ووحدته ووحدة الدولة، وإحترام المواطنة، وإعلاء شأن المواطن، هي الوسيلة الوحيدة الناجعة لسد هذه البوابة الطائفية وكافة الثغرات الأخرى، أمام التدخلات الإيرانية المبنية على أسس طائفية مقيتة تسعى من خلالها لتمزيق نسيج المجتمع وتهديد وحدة الدول، والنموذج الماثل أمامنا العراق فلا خروج له من أزماته إلا بإعادة تشكيل الوعي الوطني العراقي، الجامع لكل مكونات العراق، الإثنية والطائفية، وإسقاط النخب الطائفية التي تتحكم في مقدرات العراق، والتي أتت على ما تبقى من دولة العراق الموحدة بعد الإحتلال الأمريكي والهيمنة والنفوذ الإيراني، وقد أدرك الشعب العراقي من خلال إنتفاضته التي خرجت إلى الميادين قبل انتشار جائحة "الكورونا"، أن لا خلاص للعراق من أزماته المختلفة وضمان سيادته وإستعادة وحدته إلا بإندحار القوى الطائفية والإثنية، لصالح الوعي الوطني الجامع والموحد والقادر على إستعادة الدولة الموحدة وإستعادة دورها المفقود، حينها فقط ينتصر العراق على قوى الإرهاب والطائفية التي فتكت به وبوحدته، وتنامت على حساب غياب الوعي الوطني، وما ينطبق على العراق ينطبق أيضاً على سوريا وعلى اليمن ولبنان وبقية الدول التي تئن تحت مطرقة الطائفية، التي عملت إيران على توظيفها في مد نفوذها إليها.

القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، يمثل البوابة الأساس لزعزعة الإستقرار والأمن في دول المنطقة، إن إستمرار الكيان الصهيوني بسياساته القائمة على مواصلة سياسة التوسع والإستيطان والضم وترسيخ اقدامه في فلسطين وبدعم وتأييد مطلق من إدارة الولايات المتحدة، والعمل على استمرار إنكار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في وطنه، من حق العودة إلى حق تقرير المصير والدولة المستقلة، كما تبلور ذلك في (جوهر وسياقات خدعة القرن الأمريكية الإسرائيلية)، إن تنفيذها وتطبيقها على أرض الواقع، رغم الإرادة العربية والدولية ستمثلُ مدخلاً هاماً وسبباً رئيسياً لإستمرار حالة التوتر وعدم الإستقرار في  فلسطين ودول الجوار والمنطقة، تتغذى منه قوى الإرهاب والدول الطامعة في مد نفوذها وهيمنتها على الدول العربية من جهة أخرى مثل إيران وغيرها.

إن إستعادة الأمن والإستقرار لدول المنطقة وضمان وحدتها، ووقف التدخلات الخارجية فيها، وإسقاط الذرائعية التي تتذرع بها بعض القوى الإرهابية، يقتضي من دول المنطقة أن تعيد حساباتها، وكذلك الدول المؤثرة في صناعة الأمن والإستقرار والسلم الدولي بشأن القضية الفلسطينية، وأن تعمل على إخراج هذه القضية من مظلة الهيمنة الأمريكية المنحازة لصالح الكيان الصهيوني، التي إنفردت به لعقود طويلة، وأدخلته إلى نفق مظلم دون التوصل لحل مقبول، بل إزداد تعقيداً، وأوصلت الوضع الراهن معه إلى طريق مسدود، لا يستطيع معه الشعب الفلسطيني وقيادته الإستمرار به، كما لا تستطيع دول المنطقة الإستمرار تحت تأثيراته وتهديداته المستمرة، وإستمرار الكيان الصهيوني في بناء ترسانته العسكرية وفرض تفوقه عليها وإنفراده بمظلة نووية تهدد أمن المنطقة بأسرها.

لابد من تحرك دولي فعال تشترك فيه كافة دول مجلس الأمن وممثلي مختلف المجموعات الدولية وتعمل على إقرار مؤتمر دولي فعال يأخذ على عاتقه حل القضية الفلسطينية على أساس تنفيذ قرارات الشرعية الدولية واحترام قواعد القانون الدولي وأسس مرجعية عملية السلام بما يفضي إلى إنهاء الإحتلال والضم والإستيطان ويمكن الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، بغير ذلك لن تهدأ المنطقة، ولن تشهد إستقراراً حقيقياً وسلاماً حقيقياً، يتيح لها النمو وإعادة البناء والتقدم والإستقرار، وإلا سوف تبقى المنطقة برمتها وفلسطين منها خاصة تعيش على صفيح ساخن وحالة من عدم الإستقرار، هل تدرك القوى الفاعلة الإقليمية والدولية هذه الأبعاد، وتدرك واجبها وتعمل مجتمعة ومتحدة وجادة في هذا الشأن، جنباً إلى جنب في معركتها ضد قوى الإرهاب والتطرف والوباء، من أجل أن يعم الأمن والسلام والإستقرار المنطقة وفلسطين..
وللحديث بقية..

* عضو المجلس الوطني الفلسطيني - الرياض. - pcommety@hotmail.com