2020-05-10

عقد القمة ضرورة..!


بقلم: عمر حلمي الغول

تم تأجيل القمة العربية، التي كان مقررا عقدها في الجزائر هذا العام في اذار/ مارس الماضي بسبب "الكورونا". وقد يكون التأجيل مع تفشي الوباء مفهوما في البداية، على إعتبار ان جائحة الفايروس "كوفيد 19" المستجد ممكن تنتهي في وقت قريب، بيد ان ازمة الوباء تتفاقم، ولا يبدو انها ستنتهي في المستقبل المنظور. الأمر الذي يفرض البحث الجدي في عقد القمة، لانه من غير المنطقي ان تتوقف  حركة الشعوب، وتترك قضاياها دون معالجة، وليس من اللائق الجلوس في كرسي الإنتظار حتى تزول الجائحة. وبالتالي كما عقدت العديد من المؤتمرات الدولية ( مجموعة العشرين، الإتحاد الأوروبي، دول منظمة عدم الإنحياز، وحتى إجتماع وزراء خارجية الدول العربية ..إلخ) يمكن عقد مؤتمر القمة العربية عبر الفيديو كونفرس، خاصة وان هناك قضايا هامة تملي الضرورة وضع رؤى وحلول لها آنيا ومستقبليا.

ولعل من القضايا ذات الأهمية الإستراتيجية، التي تستدعي التعجيل في عقد القمة العربية الدورية، هي أزمة الكورونا قبل غيرها. لإن الأزمة بما لها وعليها، وما حملته، وتحمله من تداعيات على الصعد الوطنية والقومية والأممية تستدعي التوقف امامها، وقراءة مستقبل الأمة العربية وشعوبها ومكانة أنظمتها في المرحلة المقبلة. ولا يجوز للعرب ان يبقوا جالسين في مقاعد الإنتظار، أو حتى يقرر لهم الآخرون مستقبلهم، أو ان ينتظروا حتى يتلقوا الموافقة على عقد قمتهم.

وعلى العرب مسؤولية مضاعفة تجاه انفسهم، وقراءة ممستقبل العالم برمته، وإستشراف مكانهم في الخارطة الجيو سياسية، التي بدأت تتبلور مع تفشي الأزمة في دول العالم قاطبة. ولإن البقاء في الدائرة القائمة حاليا يتناقض مع مصالح الدول والشعوب والحكام العرب ويتطلب الأمر من وزراء الخارجية العرب بالتعاون مع جامعة الدول العربية تشكيل لجنة خاصة متخصصة من الكفاءات العربية لوضع تصور شامل بسيناريوهات مختلفة لمستقبل المنطقة والعالم، والتحولات الدراماتيكية، التي ستحصل.

كما ان هناك ملفات اساسية عدة تحتاج ايضا للبت فيها، منها اولا قضية العرب المركزية، قضية فلسطين، التي لم تعد الصيغ السائدة منذ تأسيس الجامعة العربية عام 1945 حتى الآن تتناسب مع مواجهة تحديات الصراع. وتفرض الضرورة إعادة نظر جدية في الخطاب السياسي والآليات المعمول فيها، وايضا المنهجية المتبعة، وسياسة الدعم المربكة غير الإيجابية،وكذا العلاقة مع دولة الإستعمار الإسرائيليةغير صحية ولا هي صحيحة. هناك عوامل خلل بنيوية في مركبات وعلاقة النظام مع قضاياه القومية وعلى رأسها القضية المركزية. وفي السياق لا بد من الخروج من دوامة الإرباك والتناقض، حيث ان العديد من الأنظمة تمارس التطبيع المجاني مع دولة الإستعمار الإسرائيلية، وعلى حساب القضية الفلسطينية، وهذا الخلل يحتاج لمعالجة جدية؛ ثانيا الحروب البينية العربية العربية وضرورة وقفها على ارضية رؤية برنامجية عربية مشتركة تضع الخطوط العريضة للشراكة العربية العربية، وتنقية الأجواء، وتصفية الرواسب العالقة، وحتى يمكن إعادة النظر في قوانين واليات عمل الجامعة العربية تجاه العلاقات البينية لتطويرها بشكل إيجابي بما يخدم كل دولة على إنفراد، والوطن العربي ككل؛ ثالثا إعادة سوريا لمقعدها في الجامعة العربية، ووقف عملية الإقصاء، وإحترام قرار الشعب السوري الشقيق، ووضع مبادرة عربية تساهم في عملية الإصلاح للنظام السياسي في سوريا، والضغط على تركيا وإيران للخروج من كل الأرض العربية في سوريا وليبيا واليمن وحيثما تواجدوا؛ رابعا ايضا التوقف امام الملفات الليبي واليمني والأحوازي، كل على إنفراد. ووقف التدخل بشؤونهم، وإيجاد صيغة توافقية لكل بلد على إنفراد لترميم الجسور بين الأشقاء؛ رابعا البحث بشكل خاص في الملف الإقليمي، وتحديد مكانة المشروع القومي العربي في العلاقة مع المشاريع القومية الثلاث الأخرى: التركي والإيراني وقبلهما الإسرائيلي ..إلخ.
 
في مطلق الأحوال عقد القمة العربية أكثر من ضرورية الآن، ولا يجوز تأخيرها. كما لا يجوز سلقها، وكأنها عبء على الحكام العرب.القمة تحتاج إلى إعداد جيد، ووضع وثائق سياسية وإقتصادية وقانونية وثقافية تربوية واعلامية وامنية وبيئية، وكل ما يلزم لإنجاحها والمراكمة على ما يمكن ان تحققه من أنجازات. مع انه من الصعب الرهان على تحولات دراماتيكية في الهرم الرسمي العربي، غير ان الهدف يستحق المحاولة، لعل وعسى يحدث تطور إصلاحي ولو بسيط.

* كاتب فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. - oalghoul@gmail.com