2020-05-11

حافظ والحقيقة السماوية..!


بقلم: بكر أبوبكر

يقوم الصديق والكاتب والاعلامي اللامع حافظ البرغوثي بجولاته الربانية في حضن الدفء الذي يدوم، حتى في ظلّ الصقيع ليسلم مبتهجا على كل شجرة وزهرة وهضبة،  او وادٍ أو منعرج طريق يمر به.

يسير في أرجاء فلسطين منتشيًا ومبتسمًا ومرتفعا بكل أصدقائه هؤلاء من عرين الوحدة المفروضة في عمق الحوائط الأربعة، المرفوع لسقفها آهات الأيام ودعوات الخلاص.

يقوم الفتى الفنان حافظ البرغوثي وهو في سنوات عمره السعيدة أو ربما الأكثر سعادة هذه الأيام باستعادة ما كان له من أيام شباب نافرة ونديّة ولاهبة، وعقيمة على الرجوع.

لعل الفتى الشيخ بمصافحة حَمَامات البلد، وجاراته من غزلان الجبل يجد السلوى وعنب الخشوع، لذلك هو يتطيب في كل صباح وينثر أعواد البخور في المساء، ليعانق روح الشجرة المعمّرة وطلقات نار وِهاد قرية دير غسانة الجميلة.

حافظ البرغوثي الذي كتب في حياته آلاف ولنقل مئات آلاف المقالات والأشعار والنقلات والصيحات والتنهدات والتحليلات والطرائف اللذيذات كما كتب على يده اليمنى اسم فلسطين، هو اليوم بالمسير اليومي المكتنز بنبض الخلود يودع الكثير مما أتعبه -وأتعبنا- من أوجاع الدنيا، والناس.

هو يودع التعب والأرق والقلق المديني حين يلتقي وجها لوجه مع هذا الجمال القروي المنفلت من هدأة الليل ثائرا علي الغريب والمرتجف والخائب.

يكتب حافظ بقلمه اللاذع، كما كتب في الثورة بدمه وعقله في مراحل من النضال، وكتب بروحه، كما يكتب اليوم بغبار هواء فلسطين النقي، وبنور سماء أتعبها أن تظلّل على الصالح والشرير، وأرهقها النظرلانقلاب الحال واسوداد المآل.

حافظ البرغوثي يبحث ويتنفس ويكتب ويتجول ويتأمل، ولكنه لا يعبث، فهو حين يأخذ من الأرض نداءها ومن السماء أثقالها ويصوب مدفعه نحو النور المنبثق من روح سيدي الخواص غير تعِب ولا ملول فإنه يعلن الانتماء.

حارس الأرض الأبي يعرف كيف يحادث الطيور والنحل والأشجار والنمل الكثير... فلم تكن مثل هذه الخاصية وِقفا على الأنبياء حين استطاع المبدعون أن يتسللوا لأسرارها فيفتكّون منها القليل او لربما الكثير.

عندما يتنقل حافظ بين دروب الصباح والمساء في مسارات متعرجة بين تفاصيل جسد الأرض يداعبها كالحبيبة، فلا يسرّ الا حين يرى في عينيها ضحكة الطفولة، وخفر الصبايا، وارتعاد الرجولة وصفو حديث الفلاحات المصبحات الى الحقل الظمآن لماء الجدات اللواتي يناجين النبع والطابون والخبز وأحمال الأيام الصعبة ويقدمن الحب للمدى، ويقدم لهن بالمقابل عسل الأرض في قطرات حياة لا تنتهي.

لا يعبث حافظ البرغوثي مع أصدقائه من المحيط الأخضر الجميل فهو لا يعرف الا الحقيقة السماوية، ووشوشات عشب الصدور وتغريد الفضاء المليء بالطيور والكلمات المبعثرة.

هو يعرف محيطه الواسع في فلسطين ككف يده، وكما يعرف أولاده وأصدقاءه فتزول عند قدميه المتجهتين الى قبلة الأرض كل المتاعب والمشاق والاندثارات لمشاعر كانت، وستظل.

* الكاتب أحد كوادر حركة "فتح" ويقيم في رام الله. - baker.abubaker@yahoo.com