2020-05-27

صدمة اسرئيلية.. والتحرك الاوروبي الروسي اضاعة للوقت..! 


بقلم: د. هاني العقاد

لم تتوقع الاوساط الحاكمة في اسرائيل بمكونات حكومة نتنياهو غانتس، حكومة الضم والاستيطان، حكومة "صفقة القرن"، ان يخرج الرئيس ابو مازن ويعلن تحلل السلطة ومنظمة التحرير من كل التفاهمات والاتفاقيات الموقعة مع الحكومتين الامريكية والاسرائيلية بهذه السرعة، واعتقدوا حتى لما بعد الاعلان بيوم واحد ان ابو مازن يناور كعادته ولا يستطيع التحلل فعليا من هذه الاتفاقات ولا يمكن للسلطة أن تعيش بدون هذه الاتفاقات، واهمها التنسيق الامني. الا ان الحقيقة على الارض جاءت بغير التوقعات وجاءت باجراء لم يتوقعه الساسة والمستوى الاستراتيجي في اسرائيل.

نعم  تم تطبيق القرارات التي اعلنت فورا وتم وقف التنسيق الامني والمدني واعطيت التعليمات بتحريم ومنع اي اتصال مع الاسرائيليين، وتم اغلاق كافة مكاتب الشؤون المدنية، وسحب لجان التنسيق المشترك.. هذا اكبر دليل على ان السلطة اليوم حققت استقلالا  سياسيا على الارض، ولم تعد تخشى اي تداعيات.

السلطة الآن اصبحت خارج هذه الاتفاقيات التي لم يلتزم بها سواها، في الوقت الذي كانت تعمل فيه اسرائيل على تقويضها وتفريغها من اطارها الزمني الذي انتهي منذ العام 1999، وبالتالي لن تعود لهذه الاتفاقيات الا لاستكمال سقفها السياسي والتفاوض على تطبيق حل الدولتين، والغاء كافة بنود "صفقة القرن" وسحب امريكا لاعترافها بالقدس عاصمة لاسرائيل.
 
الامور دخلت مرحلة الجدية والفعل على الارض، وبالتالي اعلان الرئيس بداية مرحلة جديدة من مراحل النضال الوطني ودخول الصراع مرحلته المعقدة فاما ان تتراجع اسرائيل عن مخططاتها وتسقط صفقة "ترمب نتنياهو"، او ان القيادة متسلحة بسواعد الجماهير الفلسطينية ستضرب بالفأس كل حجر وقاعدة بنيت عليها هذه الصفقة. فهذه ليست مناورة، وابو مازن اربك كل الاوساط الدولية والعربية والفصائلية الفلسطينية التي هي الاخرى كانت تراهن على ان الرئيس لا يستطيع التحلل من التنسيق الامني، وهو ككل مرة يناور وللاسف فان البعض لازال غير مصدق ويشكك في جدية هذه الاجراءات.

اسرائيل الان في صدمة عميقة لا تعرف ماذا ستفعل في هذه الحالة التي انتجتها عنصريتها وصفقة ترمب، ولا تعرف كيف سترد على ابو مازن، وهل تضطر الى تنفيذ مخطط استبدال، الذي هو احد السيناريوهات، ام تعود لاحتلال المناطق، ام تتراجع وتهدأ قليلا حتى تهدأ العاصفة الفلسطينية الدولية؟ هم كانوا يريدوا أن تبقي السلطة على الاتفاقيات، وتفعل اسرائيل ما تشاء ليصبح امرا واقعا، وبالتالي تكون السلطة هي الادارة التي مكنت اسرائيل من الضم وتصفية القضايا، وبالتالي تحويل السلطة الى مجرد أداة منزوعة الارادة السياسية، وهي ادارة حكم ذاتي موسع الصلاحيات يقدم خدمات مدنية للسكان الفلسطنينيين وادارة أمنية توفر لاسرائيل ما تريده من هدوء لتكمل مشروع كيانها الصهيوني.

قد لا يكون هناك رد فعل اسرائيلي دراماتيكي الآن، او على الاقل خلال الاسابيع القادمة، لان اسرائيل تحتاج الهدوء للضم واعلان اكتمال السيادة، وستستمر في تطبيق خطة الضم والفصل من طرف واحد، لكن دون استبعاد لسيناريوهات اكثر دراماتيكية اذا ما اعلن نتنياهو الضم في الاول من تموز القادم.

بالتوازي تشهد الساحة الدولية ضغط علي اسرائيل يقودة الاتحاد الاوربي يحذر من اقدام نتنياهو علي فعل الضم وفي ذات الوقت يقود حراكا جديا لانقاذ الموقف ولملمة المشهد، وبالتالي الحيلولة دون تداعيات خطيرة قد تعيد كل الاطراف للمربع صفر.

التحرك الروسي منسق مع الاوروبيين  لعقد اجتماع دولي لكنه لا يرتقي لمؤتمر دولي لحل الصراع او تقديم حلول لتطبيق حل الدولتين وانقاذه، وانما لاطلاق مبادرة لبدء نقاش جدي بين الفلسطينيين والاسرائيليين لتفادي الذهاب بعيدا بالمنطقة على اثر قرارات القيادة الفلسطينية وعلى اثر قرار نتنياهو اعلان الضم في الاول من تموز القادم.

الخارجية الروسية تكثف الاتصالات  بالاطراف لتجديد محاولتها لعقد لقاء بين الرئيس ابو مازن ونتنياهو، وهذا مقترح سابق يتم تجديدة الآن، لكنه لن ينجح، فقد فات الاوان وتعدت المرحلة مراحل واغتيل المقترح من قبل نتنياهو نفسه في السابق.

ويبقي التحرك الكبير للاتحاد الاوروبي وروسيا والصين بعقد دائرة نقاش لانقاذ الموقف مجرد محاولة، لكنه لا يرتقي لمستوى مؤتمر دولي كامل الصلاحيات، لذا فلن يأتي بالزبد والسمن ولا يغني من جوع، ولن يقنع نتنياهو باحترام القانون الدولي.

ولعل اي تحرك روسي اوروبي اذا كان هدفه الحفاظ على المشهد السابق قبل "صفقة القرن" وقرارات الضم، فانه تحرك خائب ومنقوص ولن ينجح في تحقيق اختراق حقيقي باتجاه الحلول العادلة والامن والاستقرار بالمنطقة.

اي تحرك روسي  اوروبي لعقد اجتماع بين السلطة الفلسطينة ومسؤولين امريكان واسرائيليين ان لم يكن مبنيا على اساس انقاذ حل الدولتين وحماية الحقوق الفلسطينية واستعادة هيبة القانون الدولي، وان لم يكن اساسة وقف المخطط الاسرائيلي ووضع الآليات الحقيقية لتطبيق حل الدولتين على اسس الشرعية الدولية، اعتقد سيكون مصيره الفشل، وما هو الا مضيعة للوقت، ولن ياتي بجديد، وقد يعمل على تعقيد جديد للمشهد، ويزيد من التصلب الاسرائيلي، ويسرع  الحلول المنفردة والمفروضة على شعبنا.

اصبحت اشك في ان يمتلك الروس والاوروبيون القدرة على انتاج مبادرة توافق عليها واشنطن واشك في قدرتهم علي  اتخاذ اجراءات  قاسية تجبر اسرائيل على وقف مسلسل الضم، لان الطرفين في المرحلة الحالية لا يمتلكان عوامل الضغط المطلوبة، والا لامتلكاها قبل ان تعلن الولايات المتحدة الصفقة، وخرجوا جميعا بمؤتمر دولي مقابل ووضعوا من الإجراءات والخطط  ما من شأنه ان يحمي القانون الدولي الذي تتفرد في انتهاكه واهانته كل من الولايات المتحدة واسرائيل بلا رادع دولي وبلا قدرة من الاطراف الدولية للوقوف في وجه امريكا واسرائيل.

* كاتب فلسطيني يقيم في قطاع غزة. - dr.hani_analysisi@yahoo.com