2020-06-08

مشروع الضم بين الايديولوجيا و"الكرسيولوجيا"..!


بقلم: د. سفيان أبو زايدة

مع اقتراب التاريخ الذي حدده نتنياهو في الاول من يوليو المقبل لتقديم مشروع ضم المستوطنات وفرض السيادة الاسرائيلية على اجزاء من الضفة الغربية يزداد الجدل الداخلي الاسرائيلي حول جدية نتنياهو من عدمها بالاقدام على هذه الخطوة التي من المتوقع ان تشكل نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة في الصراع الدائر منذ ما يزيد عن مئة وعشرين عاما.

نتنياهو الايديولوجي بفكره اليميني القومي والذي لا يؤمن بحل الدولتين، يؤمن  ان هذه البلاد من نهرها الى بحرها هي لليهود فقط وان لا حقوق سياسية او سيادية على هذه الارض للفلسطينيين، واقصى ما يمكن منحه لهم هو ادارة شؤونهم الذاتية دون سيادة على الأرض او الحدود او الامن، مع الاخذ بعين الاعتبار الانحناء امام العواصف السياسية التي تحتاج الى بعض المرونة في التكتيك كما فعل في التعاطي مع اوسلو حيث اضطر الى تطبيق "اتفاق الخليل" عام 1996.

مؤسس هذا الفكر اليمني القومي زئيف جابوتنسكي الذي يعتبر الاب الروحي لنتنياهو وقيادات "الليكود" كتب مقالة في العام ١٩٢٣ بعنوان (الجدار الحديدي- نحن والعرب).
جابوتنسكي وفي اطار خلافاته وانتقاداته لقيادة الحركة الصهيونية بزعامة حاييم وايزمان في حينه حدد رؤيته التي شكلت دستورا لليمين القومي منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا.

خلاصة ما كتبه جابوتنسكي في هذه المقالة انه "لا يمكن التوصل لسلام مع الفلسطينيين، ولا يمكن تحت اي ظرف من الظروف ان يقبل الفلسطينيون بمنحنا او سيطرتنا على اي جزء من البلاد، لذلك فقط بفضل القوة المحصنة يجب ان نبني جدارا حديدا لا يمكن للعرب اقتحامه، حينها نستطيع ان نفرض ما نريد من شروط".

جابوتنسكي الذي انشق عن الحركة الصهيونية واسس في العام ١٩٢٥ التيار الاصلاحي او حركة (المراجعة)  اختلف مع الحركة الصهيونية في اربع قضايا رئيسية.. اولا فلسطين من النهر الى البحر هي حدود الدولة اليهودية التي يجب ان تقام، وليس على اي شبر يتم السيطرة عليه. وثانيا بريطانيا هي عدو ولا يمكن الوثوق بها ويجب محاربة الانتداب البريطاني. وثالثا يجب الاعتماد على النفس اولا واخيرا في تحقيق المشروع الاستيطاني ويجب عدم الاعتماد على المجتمع الدولي، لذلك يجب اقامة جيش عبري قوي قادر على تحقيق هذا الهدف. ورابعا يجب عدم طمس تحديد طبيعة العلاقة مع السكان الاصليين (الفلسطينيين) حيث بعد ان نقيم الجدار الحديدي الذي لا يمكنهم اختراقه نمنحهم حقوقا مدنية، اي ما يسمى بلغة اليوم "حكما ذاتيا".

نتنياهو الايديولوجي الذي يدرك ان هناك فرصة تاريخية بالتقدم خطوة اخرى نحو تحقيق احلام جابوتنسكي وقيادات اليمين لن يسمح لنفسه بإضاعة هذه الفرصة، سيما في ظل وجود رئيس امريكي مؤيد وداعم للضم والاستيطان وقد لا يتكرر وجود رئيس ميل له في البيت الابيض الذي تحول في عهده الى بيت للمستوطنين.

كذلك لن يكون هناك ظرف سياسي مناسب افضل من هذا الظرف حيث انشغال العالم في مشاكله الداخلية والازمات الاقتصادية والصراعات الاقليمية التي تصدرت المشهد على حساب الصراع العربي الاسرائيلي.. والاهم من ذلك هو حالة ضعف الفلسطينيين وتشتت صفوفهم الداخلية التي تصل الى حد الضياع..!

على الرغم من ذلك، هناك من يعتقد ان نتنياهو لن يقدم على خطوة الضم في مطلع الشهر القادم، على الاقل دون ضوء اخضر واضح من الرئيس الامريكي ترامب، والتقدير هنا ان ترامب  لن يقدم على هذه الخطوة الا اذا اعتقد انها ستخدمه في سباق انتخابات الرئاسة الامريكية.

ما هو اكيد وفقا لتقديرات بعض السياسيين الاسرائيليين، خاصة المعارضين لسياسة نتنياهو هو ان نتنياهو كاذب وهو فقط معني بأن يبقى الجدل حول الضم متصدرا المشهد.

زعيم المعارضة يائير لبيد قال ان من الافضل لنتنياهو ان يستمر في الحديث حول موضوع الضم بدلا من أن يكون محور الحديث عن محاكمتة بتهم الفساد او الحديث عن الوضع الاقتصادي المتدهور نتيجة "الكورونا".

اما ليبرمان فقال ان نتنياهو كذاب، وهو لن يقدم على خطوة الضم، وقارن بين بيغن ونتنياهو، فقال ان بيغن عندما اقدم على ضم الجولان لم يتحدث كثيرا ولم ينتظر موافقة احد، وخلال اقل من اربعة وعشرين ساعة كان "قانون الجولان" مُقّرا بالقراة الاولى والثانية والثالثة.

على اية حال، في اسرائيل هناك الكثير من الاسئلة والقليل من الاجابات.. جزء من هذه الاسئلة التي لا يوجد اجابات عليها، على سبيل المثال:

في حال اقدام نتنياهو على تقديم مشروع الضم للكنيست بعد ثلاثة اسابيع من الآن كيف ستكون ردود الفعل الفلسطينية والعربية والدولية؟

المؤيدون للضم يعتقدون أنه لن يحدث اي شيء خطير فالعالم مشغول في مشاكله الاقتصادية والداخلية وعليه فسيمر الامر كما مر مشروع نقل السفارة الامريكية من تل ابيب الى القدس قبل عامين، وكل التخوفات من رد فعل فلسطيني واقليمي ودولي برأيهم، اتضح انها وهمية وقد تعايش الجميع مع هذا الامر.

المعارضون يقولون ان ضم اجزاء من الضفة الغربية سيكون له تداعيات خطيرة على الوضع الامني مع الفلسطينيين وسيشكل خطورة كبيرة على العلاقة مع الدول العربية، خاصة العلاقة مع الاردن، وان السلطة الفلسطينية التي اقدمت على وقف التعامل بالاتفاقات الموقعة مع اسرائيل لن تكون قادرة على تحمل اعباء هذا القرار، وقد يؤدي الى انهياراها وانهيار الوضع الامني القائم منذ سنوات.

والسؤال الثاني اذا ما قرر نتنياهو طرح القانون.. هل سيكون على كل المستوطنات والاراضي التي تم الاتفاق عليها مع الامريكان وفق خطة ترامب بما فيها الاغوار وأجزاء من مناطق "سي"، ام ربما نتنياهو سيقدم على عملية ضم مصغرة تشمل تطبيق القانون الاسرائيلي على الكتل الاستيطانية او حتى جزء من هذه الكتل لضمان أن يبقى مشروع الضم قائما وفي نفس الوقت قياس رد الفعل الفلسطيني والاقليمي والدولي؟

في كل الاحوال، سواء تصرف نتنياهو وفقا للبعد الايديولوجي او وفقا للبعد السياسي، حفاظا على منصبه (الكرسيولوجيا)، فان من مصلحته ان يتصدر الحديث عن الضم وما يحيطه من جدل في الاشهر القليلة القادمة.

* وزير سابق وأسير محرر من قطاع غزة. - Dr.sufianz@gmail.com