2020-07-01

رجاء ليكف (هذا البعض) عن إنكار كنعانية فلسطين والتشكيك بقدسيتها..!


بقلم: د. إبراهيم فؤاد عباس

هناك آراء كثيرة تزاحمت في الآونة الأخيرة وأكثرها صدر عن باحثين عرب غير فلسطينيين، وعلى الأخص ممن ينتمون لمدرسة الجامعة الأمريكية في بيروت. وأقصد بذلك نظرية "جغرافيا التوراة". خطورة تلك الآراء أنها أصبحت تشكل ظاهرة خطيرة لا سيما بعد أن احتضنتها قنوات فضائية عربية كثيرة خصصت العديد من اللقاءات مع أقطابها الذين استقطبوا بدورهم أعدادًا كبيرة من المعجبين بآرائهم ممن يفتقرون في ثقافتهم إلى القراءة المتعمقة والقراءة المقارنة لعلم الآثار وتاريخ المنطقة، خاصة فيما يتعلق بتاريخ وحضارة مصر والعراق وفلسطين وسوريا ولبنان واليمن.

إن أهمية ما أطرحه هنا في هذا المقال، أن تلك الظاهرة تتزامن مع الحالة الفلسطينية الراهنة التي يتعرض فيها الوطن الفلسطيني الجريح إلى الهجمة الأكبر في تاريخه منذ الحروب الصليبية، وهو ما يتطلب منا أن نعي جيدً خطورة هذه المرحلة ومحاولة انقاذ ما يمكن انقاذه.

وحتى لا نخرج عن سياق موضوعنا الأساس نطرح هذا السؤال الذي قد يساعدنا على استشعار خطورة أوضاعنا الراهنة: عام 1985 أصدر كمال الصليبي كتابه "التوراة  جاءت من جزيرة العرب" الذي أثار ضجة كبيرة في حينه، ثم لم يعد مثار اهتمام بعد أن كاد أن ينساه الناس. بيد أن حمى الصليبي ما لبثت أن استعرت مجددًا قبل بضع سنوات، لكن هذه المرة بشكل جماعي بما يشبه الحملة، ومن قبل العديد من الباحثين الذين أنكروا في البداية "اقتباسهم" لنظرية الصليبي مع محاولة تعديلها والإضافة إليها، لكنهم اختلفوا في "جغرافيا التوراة"، واتفق غالبيتهم على أنها اليمن وليس عسير. لكن ذلك لم يمنع أحد الباحثين السودانيين من القول إن السودان أرض التوراة، وآخر قال انها أثيوبيا..!

واللافت أن غالبية أولئك الباحثين اعتمدوا على التوراة و"الإكليل"..!(ولنا أن نتساءل: لماذا ينبغي علينا أن نصدق الهمداني ولا نصدق القرطبي واليعقوبي والواحدي والضحاك والواقدي وغيرهم ممن قالوا بأن مصر التي نعرفها الآن هي أرض موسى والتوراة والطور وسيناء؟!).. ووصل الأمر إلى أن  ادعى ذلك الباحث انه على دراية بأسرار اللغة العبرية أكثر من أساطينها..! ولأنني قارىء جيد للكثير مما كتبه المؤرخون والباحثون عن تاريخ العرب واليهود، بما في ذلك د. حسن ظاظا الذي يعتبر من أشهر المختصين باللغة العبرية، ود. أحمد سوسة (كتابه المفصل في تاريخ العرب واليهود، وهو بالمناسبة يهودي أسلم) فإنني استغربت كثيرًا لهذا الباحث القدير الذي يعرف اللغة العبرية ليس أكثر من أبنائها فقط، بل أكثر من علمائها..! لكن ما أثار دهشتي أكثر هو تركيزه على أن اليمن ليست فقط أرض التوراة، بمعنى أنها الأرض التي شهدت نزول الألواح على سيدنا موسى عليه السلام (حيث أن مصر المعنية في التوراة حسب رأيه هي "مصراين" التي هي في اليمن) إنما هي أيضًا أرض الكنعانيين الذين ظهروا في اليمن حسب اعتقاده حوالى القرن السابع ق.م مشكلين مملكة ضعيفة لا شأن لها..! خطورة هذا القول أولاً أن أولئك الباحثون-  وهذا الباحث على الأخص-  يحاولون من خلال هذه الأفكار والنظريات الغريبة نقل حلبة الصراع العربي  الإسرائيلي التاريخي والحضاري من مسرحها الأساس في فلسطين (أرض كنعان) إلى اليمن. أما الأخطر من ذلك فمن شأن هذه النظرية محو صفة العروبة عن فلسطين بمسح وجهها الكنعاني العربي الأصيل الذي تشكلت ملامحه عبر خمسة آلاف عام، والذي ترسخت معالمه عبر الحضارة الكنعانية التي تركت آثارها في عامة المدن والممالك الكنعانية وليس في اليمن، وتمثلت في الأسوار والقلاع والأبراج والمعابد والأبنية والفخاريات والأدوات والمشغولات النحاسية والذهبية والعاجية والتماثيل والوثائق التاريخية، وكما جاءت في الكتب والمراجع والمخطوطات، وكما هو معروض في المتاحف العالمية والتي لا تعد ولا تحصى.

أما الأكثر خطورة فهو محاولة تجريد فلسطين من قدسيتها التي ارتبطت بها كونها أرض الأنبياء، باعتبارها الأرض التي تقدست بأنبياء الله إبراهيم واسحاق ويعقوب والأسباط وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام. كما وأن ارتباط ذلك بما حاول البعض – بالتزامن- من التشكيك بموقع المسجد الأقصى وانه بالجعرانة بالقرب من الطائف وليس في القدس (فكيف انعكست القبلة إذا من الشمال في بيت المقدس إلى الجنوب في مكة المكرمة؟)، يصب في مجمله في محاولة إظهار فلسطين بأنها مشكوك في عروبتها وقدسيتها.

وإذا ربطنا ذلك كله مع الهجمة الاستعمارية الصهيونية التي تمثلت في إعلان إدارة ترامب القدس عاصمة لإسرائيل، ثم الإعلان عن "صفقة القرن"، ومؤخرًا مخطط ضم الضفة الغربية، تتضح لنا أبعاد مؤامرة خبيثة هي الأخطر في تاريخ الأمة، خاصة وأن تلك المؤامرة تتم بالتوازي مع محاولة تهويد العقل العربي لتهيئة الظروف من أجل تحقيق هذا الهدف الخبيث، وانتزاع فلسطين والقدس كلها من قلب العروبة والإسلام.

إننا في سعينا الدائب لإثبات عدم صحة هذه النظرية نسوق دليل آخر للباحث د. محمد السعيدي لا سبيل إلى إنكاره يثبت فيه أن مصر المقصودة في القرآن الكريم التي دارت حولها قصة موسى هي نفسها مصر التي نعرفها الآن وليست اليمن أو عسير: "ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون؟"- الزخرف – 51. فأهم صفة جغرافية لمصر هي نهرها المعروف منذ الأزل والمقصود بالأنهر أي الأنهر المتفرعة من نهر النيل، وهو ما لا يوجد في اليمن. ويستطرد  د. السعيدي إن مصر المعروفة في القرآن هي أيضًا المعروفة في السنة: "إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرًا، فإن لهم ذمة ورحمًا"، ولا يختلف أحد – القول ما زال للدكتور السعيدي-  على أن القبط موطنهم مصر، وليس من المألوف القول (قبط اليمن).

إذا تسنى للباحث نقل مسرح الأحداث زمن سيدنا موسى من مصر التي نعرفها الآن إلى اليمن فيتعين على هذا الباحث أن يأتينا بنهر وملك اسمه فرعون، ثم عليه أن يبين لنا أين انشق البحر أمام موسى وقومه في أي مكان في اليمن، ويدلنا على مساره بعد ذلك. لكن ما لا يمكن تفسيره لما حدث بعد ذلك أن يخرج موسى من اليمن هو وقومه ثم يعودوا إليه مرة أخرى؟! لاستكمال قصة (اليمن أرض كل شيء..!)، فمملكة داود وسليمان أقيمت أيضًا في اليمن (؟).. لقد اقترحت قبل بضع  سنوات أن يشرح لنا أنصار نظرية "جغرافيا التوراة" تاريخ فلسطين بدءًا من القرن الأول م. ثم يعودون إلى الوراء ألف سنة واحدة ويطرحون لنا تصورهم لهذه الحقبة من تاريخ فلسطين. أما ما كانت عليه فلسطين قبل ذلك فلعلها مهمة أصعب..!

ما أراه خطيرًا في أطروحات هذه النظرية هو الإصرار على تمريرها وتأكيدها رغم عدم وجود أي آثار تعزز أي جزئية منها.

هناك بالتأكيد البعض من الباحثين قد لا يفطنون إلى تلك الكارثة، لكنني أدق ناقوس الخطر بأن هذه النظرية التي لا تملك من أدوات إثباتها أي دلائل حقيقية لا تخدم القضية بأي شكل من الأشكال. وأرجو إن كان أحد أولئك الباحثين لديه من يعزز نظريته تلك من الباحثين الغربيين فليطلعني عليها مشكورًا.. فإذا كانت تلك نظرية عربية محضة فهنيئًا لنا كعرب بهذه العبقرية التي بها نهدم تراثنا وعروبتنا ونتخلى عن مقدساتنا.. ويا ليت أحد يشرح لي قيمة فلسطين إن لم تكن مهد الكنعانية (العرب البائدة والعرب العاربة) منذ خمسة آلاف عام.. وأرض أنبياء الله الذين بشهادة القرآن الكريم كانوا مسلمين وماتوا وهم مسلمون؟!

* كاتب فلسطيني- الرياض. - ibrahimabbas1@hotmail.com