2020-07-06

أمن مصر وأمن الأمة العربية..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

مصر ليست مجرد دولة صغيرة أو طرف هامشي، بل هي دولة أساس ومركز وقيادة لمنظومتها العربية، وقرارها مؤثر عربيا ودوليا. فهي دولة قرار، وأي تغير وحراك وقرار يخرج من مصر له تداعياته العابرة لحدودها وتهديد امنها وإستقرارها تهديد لكل الأمن والإستقرار العربي. فالنظام الإقليمي العربي وعلى ضعفه يرتبط بقاؤه بقوة ودور مصر. والقاعدة الأساسية التي تحكم منظومة العمل العربي المشترك: مصر قوية الأمن العربي قوي.. والقاعدة الثانية أن كل المشاريع الإستعمارية والإقليمية الطامحة للنفاذ والتغلغل والسيطرة على المنطقة العربية لا تكتمل ولن تنجح إلا بالسيطرة على مصر.

المشروع التركي العثماني، والإيراني الصفوي والصهيوني الإستيطاني، كل هذه المشاريع تصطدم بقوة مصر، ومن هنا التهديديات والتحديات التي تواجه مصر، وهي متعددة المصادر ويجمعها هدف واحد إسقاط الحكم في مصر وإستبداله بحكم إخواني.

تحديان كبيران تواجههما مصر اليوم، الأول التهديد الوجودي والمتمثل في أزمة سد النهضة وإصرار أثيوبيا على منع المياه عن مصر متناسية أن النيل هبة مصر وبقاءها ووجودها، وهذا التهديد بلا شك تقف من ورائه قوى وجماعات كثيرة تحمل الكراهية لمصر. والتهديد الثاني تهديد حدودي أمني يمس أمن وإستقرار مصر وتمثله الأزمة الليبية بحدودها التي تبلغ 2000 كيلو متر، وليبيا تربطها بمصر روابط خاصة أبرزها الإنتماء العروبي وليس التركي، والترابط الأمني والمصالح الإقتصادية والعمالة المصرية. اليوم هناك تدخل تركي في ليبيا ودعم للمليشيات ذات الطابع الإسلامي المتشدد ومحاولة بناء قاعدة تركية في سرت والجفرة، والهدف واضح: محاولة حصار مصر وإحتوائها وإضعافها بتغلغل مزيد من العناصر الإرهابية لداخلها.

هذا التهديد يعني أن تتحول كل المنطقة العربية لولايات عثمانية، وسقوط لكل الأنظمة العربية، وتعرضها لمحاولات التفكيك والتقسيم. ناهيك عن التهديد الذي تقوم به الجماعات الإرهابية في سيناء، ومحاولة إستنزاف قدرات الجيش المصري في حرب إستزاف طويلة، وكان هذا هو الهدف نفسه في جر مصر لحرب في ليبيا وضد أثيوبيا.

الهدف واضح جر مصر في حروب خاسرة، بهدف إضعاف الجيش المصري الأقوى والأكثر توحدا وتماسكا في المنطقة. ويسهل معها سقوط مصر، وبسقوطها يسهل سقوط كل المنطقة العربية كقطع الشطرنج.. نحن أمام لعبة الشطرنج والتي ما زالت مصر تتمسك بورقة الملك فيها. وفي سياق هذه التهديدات كما في الدور التكاملي وللحفاظ على وجود وبقاء كل الدول العربية، فأمن وإستقرار مصر أمن وإستقرار لجميع الدول العربية. فالعروبة إنتصرت بمصر والإسلام إنتصر بمصر أيضا.

وفلسطين ارتبطت كذلك قوة وضعفا بقوة مصر وضعفها. ولا يمكن تحقيق الأمن العربي بدون أمن مصر، ولا يمكن الوقوف في وجه الدول التدخلية كإيران وتركيا دون الدور المصري. وفي هذا السياق فإن الموقف من مصر لا ينبغي أن يخضع لحسابات سياسية ضيقة وخارجية، أو حسابات تنظيمية أو أيدولوجية خارجية، الموقف العربي تحدده منطلقات قومية عربية، ومتطلبات الهوية والإنتماء، ويحدده تكامل الأدوار العربية، كما في الدور الإماراتي والسعودي والمصري، وهذه الدول الثلاث يمكن ان تشكل نواة قوة عربية مشتركة قادرة على التصدي لأي محاولات للتغلغل وتهديد الوجود العربي.

وبهذا الدورالتكاملي يمكن إحياء وتفعيل وتجديد العمل العربي المشترك، وتفعيل دور الجامعة العربية. وتأتي في وقت تزداد فيه تدخلات إيران في اليمن والعراق وسوريا، وتركيا في العراق وسوريا وليبيا، وتحويل المنطقة العربية لأرض مستباحة للتواجد والقواعد الأجنبية. وعليه الوقوف بجانب مصر ليس مجرد شعارات وأفعال لفظية، ولا مجرد تسجيل مواقف او مجرد تقديم مساعدة مالية، بل أبعد من ذلك، هو إلتزام قومي ومصير مشترك، ومواجهة المستقبل بقوة عربية واحدة، ويتطلب القفز بالعمل العربي المشترك والمؤسساتي، وإنشاء قوة عربية قوية وقادرة في التأثير على القرار الدولي، وعلى القرار الأمريكي والروسي والصيني والأوروبي.

ولا شك مثل هذا موقف سينعكس على مستوى المواطن العربي العادي ويدعم الروح الشعبية والمجتمعية العربية، وسيكون له تأثير مباشر لدى المواطن المصري الذي سيشعر بعروبته وفعالية الموقف العربي. ودعم التوجهات العروبية، وبهذا الموقف وهذه الرؤية يمكن من مواجهة الإرهاب وتغلغل الدول الإقليمية وإستعادة هوية المنطقة العربية.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com