2020-07-13

كي نستعيد بعضاً من روحنا الفلسطينية .. إلى الأعلى دُر..!


بقلم: فتحي كليب

إنْ بحَثْنا في نقاط ضعف حالتنا الفلسطينية قد نبدأ ولا ننتهي، وإن حاولنا تظهير وابراز نقاط القوة فهي بحر لا قرار له. والامر يعتمد على معيار التوصيف، كيفية ومكانا.. فمن كان يقف في مربع الهزيمة والذل والانكسار، سينظر الى النصف الفارغة من الكأس ويأتي بما يكفي من النماذج سواء في الواقع العربي  والدولي، او واقع الشرذمة التي تعيشه حالتنا الفلسطينية، كي يثبت صحة توصيفه، في هذا التوصيف لا يمكن الوصول سوى الى الإستخلاصات اليائسة التي تسلم بهذا الواقع باعتباره قدرا لا امكانية لتغييره. ومن كان لا زال صامدا في خندق الثورة والصمود والعزة والكرامة، فسيجد ما يكفي من اسباب كي يبقى ويصارع من أجلها، وسوف يستحضر عشرات بل مئات النماذج التاريخية والراهنة التي تؤكد بأن ما نعيشه هو نتاج اسباب ذاتية، وموضوعية طبعا، اوصلت البعض الى حالة من الانحطاط والانحدار في التفكير والتدبير، وهناك امكانية حقيقية للخروج من هذه الحالة.

عندما حدثت نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948، اعتقد الكثيرون ان القضية الفلسطينية قد انتهت، ولم يعد للشعب الفلسطيني قائمة. وخرج ساسة العدو ليبشروا العالم ان المسألة ربما تأخذ سنوات قليلة ويتأقلم الجميع مع الواقع الجديد، وهو الواقع الاحتلالي الذي قام على انقاض حقوق الشعب الفلسطيني، فكانت النظرية العنصرية البائدة "اربعة دول وخمسة شعوب ويجب التخلص من الشعب الزائد"، وكانت العبارة الشهيرة لقادة اسرائيل "الكبار يموتون والصغار ينسون". غير ان من يعود للتاريخ ويتفحص مفرداته ويومياته سيصل الى نتيجة بأن ما تحدث عنه قادة العدو كان مجرد سراب واوهام، لدرجة ان بعضهم، ورغم مرور اكثر من سبعة عقود، ما زال يعتبر ان "معركة الاستقلال" لم تنته بعد.

لسنا هنا في معرض بث الحماسة في النفوس، وهي لم تختف يوما، واكبر دليل على ذلك ان الشعب الفلسطيني وفي مرات عديدة كان اسرع من قيادته في التقاط فرصة التعبير عن ضرورة التغيير، فرسم مسار النضال الفلسطيني في اكثر من محطة تاريخية. وهذا امر طبيعي، إذ حين تكون كل العوامل الموضوعية للثورة حاضرة وناضجة، وتعجز التيارات السياسية، بجميع اطيافها، عن ادراك هذه الحالة، فان رياح التغيير الذاتي تأتي حين تدرك الشعوب طريقها الى الحرية، لتعيد إلى الأذهان المقولة الحاسمة التي أثبتها التاريخ وتجارب الحركة الثورية العالمية، وهي الدور الحاسم والمقرر للشعوب وقدراتها على امكانية تغيير واقعها.. وإن لم يأت التغيير من الداخل، فهناك اطراف كثيرة جاهزة لملء هذا الفراغ، وهنا تكمن اهمية الدعوة الى التقييم الدائم وقراءة الواقع بعين المصلحة الوطنية الفلسطينية.

إذا كان كان هذا الاستخلاص هو سمة عامة، فكيف الامر بشعوب حية كالشعب الفلسطيني الذي، رغم ما عاشه ويعيشه من نكبات، ما زال صامدا غير آبه بتفاصيل السياسات الدولية والاقليمية. هذا هو واقع الشعب في قطاع غزه الذي دفع خلال عام من مسيرات العودة ما يزيد عن اربعين الف بين شهيد وجريح، وهذا هو واقع الضفة التي ينتفض شبابها كل يوم في اشكال نضالية مختلفة.. من عمليات الدهس، الى الطعن، الى اطلاق النار، الى التحدي اليومي والمباشر لقوات الاحتلال الاسرائيلي، وهذا هو حال تجمعات اللاجئين التي، ورغم وجعها السياسي والاقتصادي والامني والاجتماعي، فما زالت على عهدها، رغم ان مثل هذا الكلام قد لا يرضي هذا او ذاك ممن ينظرون الى الثورة، بمعناها المجرد، كجمعيات خيرية وبنك مصالح وامتيازات وليست سجون وزنازين ومعاناة.

بعد العام 1948، خرج الشعب الفلسطيني مشردا ولاجئا تاركا وراءه مؤسساته السياسية والحزبية التي كانت قائمة قبل النكبة، وضاعت القضية الفلسطينية في ادراج الامم المتحدة وخزائن النظام الرسمي العربي، لدرجة ان فلسطين، كدولة ووطن وقضية، لم يعد لها وجود على مسرح الحياة الدولية، وكل ما كان يجري النقاش بشأنه هو كيفية إغاثة مئات الآلاف من اللاجئين الذين انتشروا على حدود فلسطين في لبنان وسوريا وفي الضفة الغربية وقطاع غزه. وهذا ما دفع بثلة من المناضلين الذين قرروا اخذ قضية شعبهم بيدهم والانتفاض على واقع محبط ومنكسر استسلم لارادة دولية وعربية متواطئة وعاجزة. الى ان جاءت الثورة المسلحة التي راكمت بتضحياتها وبانجازاتها العسكرية والسياسية، لتعيد انبعاث الحركة الوطنية الفلسطينية المستقلة للشعب الفلسطيني التي تمكنت بعد سنوات قليلة من صياغة اهدافها وخطتها السياسية.

بذلك دخل الشعب الفلسطيني مرحلة جديدة من النضال غابت وتم تغييبها منذ النكبة، واصبح للشعب هيئة تمثيلة تمتلك برنامجا سياسيا ومشروعا وطنيا، البرنامج الوطني المرحلي، في مقابل المشروع الصهيوني الذي بقي حاضرا لوحده خلال سنوات ما بعد النكبة وحتى منتصف السبعينات. وعلى أرضية ما تحقق، عادت القضية الفلسطينية الى البروز مجددا على مسرح الحياة الدولية واصدرت الجمعية العامة للامم المتحدة اهم قراراتها والتي عادة ما توصف بأنها "شرعة حقوق الشعب الفلسطيني"، وغزت القضية الفلسطينية العالم واصبحت صورة الفدائي الفلسطيني تشكل رمزا لجميع الثوريين وقوى التقدم والحرية في العالم.

في توصيف الواقع الفلسطيني الراهن، وان كان المشهد قاتما وسوداويا، الا انه ليس اشد سوادا وقتامة من الواقع الذي نشأ بعد النكبة. فاليوم هناك هيئة تمثيلة، رغم ما تعيشه من مشكلات على معالجتها يتوقف الشيء الكثير، وهناك شعب صامد ما زال واقفا على قدمية يقاوم، حتى لو كانت مقاومة باللحم الحي، رغم ما يتعرض له من هجمة سياسية واقتصادية ونفسية واجتماعية من اعداء واصدقاء واشقاء، وهناك البرنامج السياسي الذي لا يحتاج سوى نفض الغبار عنه واعادة الاعتبار له، وهناك حركة التحرر الفلسطينية المقاومة التي ما زالت قادرة على تغيير المسارات التي ترسم للقضية الفلسطينية بعيدا عن اهلها.. وكل نقطة من النقاط السابقة نحن قادرون على تحويلها الى فرصة والى نقطة قوة، ان تم تظهيرها بالشكل المطلوب، فنحن حكما قادرون على الفعل والتأثير.

اكدت التجربة السابقة انه كلما ارتفع سقف الموقف الفلسطيني، كلما ارتبك المحتل الاسرائيلي وتحرك العالم واقترب من حقوقنا اكثر.. هذه معادلة شهدناها خلال سنوات نضالنا، بأن على دقة مواقفنا السياسية تتحدد مواقف كل دول العالم. غير ان رفع سقف الموقف الفلسطيني لا يكفي طالما انه ما زال يتعاطى مع ما يحدث بـ"القطارة"، الامر الذي لا يساعد على ان نراكم على انجازاتنا. ففي النظرة العامة الى المشهد، فلا يوجد على الطاولة سوى المشروع الامريكي الاسرائيلي، وسقف موقفنا ما زال يدور حول ما يطرح، رفصا وقبولا، وهذا ما سيجعلنا اسرى لما هو مطروح على الساحة من مشاريع سياسية.. وهو السبب ايضا بأن تكون مواقفنا دائما عبارة عن ردات فعل على فعل لسنا نحن من صاغه.

لذلك يصبح مطلوبا الانتقال من سياسة رد الفعل الى الفعل ذاته، عبر طرح الاستراتيجية الفلسطينية في مواجهة الاستراتيجية الامريكية الاسرائيلية. الا اذا كان هناك من لا زال يعتبر ويعتقد ان اوسلو هو بديل هذه الاستراتيجية، رغم ان اللجنة التنفيذية اعلنت صراحة "وقف العمل بالاتفاقيات" وقبلها المجلسين الوطني والمركزي. وبذلك لم يتبق الا ارادة سياسية وشجاعة نحتاجها في ميدان الفعل المباشر. وليس مفيدا هنا التفكير بالنتائج التي قد تترتب على هكذا خيار، لأن ما انتجه مسار اوسلو البائس خلال اكثر من ربع قرن وما سببه من معاناة لكل الشعب، يجب ان يشكل عبرة لكل من راهن على مسار تدجيني لحركتنا الوطنية.

اليوم حين تتحدث اسرائيل عن مشاريع ضم اراض في الضفة الغربية، فهذا يعني ان مسيرة اكثر من ربع قرن لم تتمكن من تغيير العقلية الاسرائيلية التي ما زالت تتعاطى مع الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية بنفس العقلية التي سادت مرحلة ما بعد النكة وعلى ارضية الشعار البائد "ارض بلا شعب لشعب بلا ارض"، وهذا ما يدعونا ايضا الى ضرورة تغيير عقليتنا تجاه التعاطي مع قضيتنا الوطنية ومع جميع اطرافها، وعلى اعتبار ان اسرائيل كيان استعماري وعدواني يحتل ارض فلسطينية وواجبنا جميعا مقاومته بكل الاشكال النضالية وفي مقدمتها المقاومة المسلحة.

حين نعتبر خيار الضم انه اعلى مراحل الاحتلال والاستيطان الذي بات يحوز على اجماع لدى احزاب العدو وتياراته المختلفة، فان الحد الادنى مما هو مطلوب فلسطينيا هو ان نتوحد ليس في رفضنا لمشروع الضم، فهذا امر لا خلاف عليه، بل في مواجهتنا الموحدة التي لن تأتي الا بارادة سياسية حرة.. إذ ان خيار المواجهة مع المحتل لم يعد خيارا بين مجموعة خيارات، بل هو الخيار الذي بامكانه ان يعدل موازين القوى التي ستبقى مختلة طالما بقي النضال الفلسطيني اسيرا لخيارات اكدت السنوات والعقود الماضية مدى عقمها وفشلها.. فلا يكفي رفض المشروع الامريكي الاسرائيلي حتى نقول اننا اصبحنا في المسار الصحيح، فكل موقف يبقى عرضة للتآكل ما لم يقرن بما يدعمه ويحصنه ويحميه، وهذا ما نسميه في حالتنا بالاستراتيجية الوطنية التي تجمع ما بين الموقف الرسمي، والفصائلي والشعبي.. وعلى ارضية هذا الموقف يتحدد الشيء الكثير.

استراتيجية الضم والتصفية يجب ان يقابلها استراتيجية صمود ومقاومة، ارتفع سقف الموقف الفلسطيني قليلا فاستعدنا جزءا من روحنا، فالي الاعلى در، لتبقى رؤوسنا شامخة الى اعلى ففيها ما هو افضل من واقعنا.. والى اعلى ليتسابق المناضلون الوطنيون.

* عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين- بيروت. - fathi.alkulaib1966@gmail.com