2020-07-28

جمود صناعة الاعلام الفلسطيني في عالم رقمي متغير..!


بقلم: شادي أبو عياش

ربما يكون من التجني وصف دور قطاع الاعلام الفلسطيني بمقولة "اسمع جعجعة ولا أرى طحنا"، وربما لا يكون كذلك. ان موقفك من هذا التوصيف يعتمد على رؤيتك وفهمك للإعلام ودوره.

ان الفهم التقليدي لوسائل الاعلام يقتصر على تعريفها بانها تلك التي تقدم خدمة معلوماتية وتحديدا إخبارية في شتى المجالات بمختلف الاشكال المكتوبة والمرئية والمسموعة. وحتى مع دخول العنصر الرقمي لا زال مفهوم الاعلام يتمحور حول المؤسسات التي تقدم محتوى اخباري او تحليلي ضمن المعايير المهنية الصحافية.

ان هذا الفهم لطبيعة ودور وسائل الاعلام متأثر الى حد كبير بتصورنا لدورها التقليدي كمنتج للمحتوى الصحفي، وهو فهم علق في الوعي الجمعي منذ ما قبل دخول العنصر الرقمي، وهو بطبيعة الحال يطغى على كيفية تعاملنا مع هذه الوسائل ويؤثر على نوعية البرامج الاكاديمية التي تطرحها الجامعات في حقل الاعلام وعلى نظرة المؤسسات الاكاديمية والاقتصادية لمفهوم سوق العمل الإعلامي-وهي نظرة تقليدية أيضا ترى في التقدم الى وظيفة في مؤسسة إعلامية قائمة بمثابة الطريق الأمثل والوحيد لخريج الاعلام.

من انعكاسات هذا الفهم التقليدي –المحدود لدور الاعلام انه يعيق أولا تطوير دور الاعلام ويبقي صناعة الاعلام رهينة بالمحتوى- وتحديدا الاخباري منه، في ذات الوقت يهمل دور الوسائط الرقمية وإمكانية تطويرها ويصمم على إبقاء صناعة الرسالة الإعلامية بيد المؤسسات الصحفية وحدها.

ان الدور المحدود لوسائل الاعلام يمكن ان ملاحظته في ضآلة اسهامها في الناتج المحلي الاجمالي، فهذا الاسهام متواضع لدرجة ان بيانات الجهاز المركزي للإحصاء تصنف هذه الوسائل ضمن القطاع الثقافي تارة وضمن قطاع الاتصالات تارة أخرى.

وربما من غير العدل مقارنة اسهام صناعة الاعلام الفلسطيني اقتصاديا بدول العالم في ظل سيطرة الاحتلال الإسرائيلي وتأثير على تطوير عديد من الحقول، الا انه من المناسب ان نرى مستويات مساهمة صناعة الاعلام- بمفهومها الواسع في النواتج القومية حول العالم، ونتعرف على توجهات سوق الاعلام في المستقبل القريب.

بحسب توقعات شركة PWC – وهي مؤسسة استشارية مقرها بريطانيا تنشط في مجال الاستشارات الخاصة بتوقعات السوق- فان قطاعات حقل الترفيه والاعلام المتوقع ان تحقق عائد الربح الاكبر في هذه الصناعة حتى العام 2023 هي بالدرجة الأولى صناعات الهاتف المحمول تليها برامج الواقع الافتراضي  VR و البث التلفزيوني والسينمائي عبر الانترنت وتصميم الألعاب الرقمية وكذلك التسويق الإلكتروني، حيث يتوقع تقرير الشركة ان يخصص المسوقون نصف ميزانية التسويق للتسويق الرقمي. في ذات الوقت ستحتل مؤسسات الاعلام التقليدي من تلفزيونات وصحف ومجلات أدنى سلم معدل النمو السنوي.

قد يرى البعض اننا نسير بالاتجاه الصحيح كون عديد وسائل الاعلام-الإخبارية قد دشنت حسابات لها على مواقع التواصل الاجتماعي، وان نجاحها يمكن قياسه بعدد متابعيها، لكن هذا الفهم أيضا هو جزء من المشكلة وليس الحل. ان استقطاب المتابعين على الفيسبوك لا يمكن ان يكون المؤشر على نجاح هذه المؤسسة الإعلامية او تلك، فالجمهور أصبح جماهير مجزأة لكل منها احتياجاته من المعلومات ويسعى وراء اهتمامات مختلفة. بمعنى آخر، لا يمكن التعامل مع الجمهور في هذا العصر كما كان قبله من خلال تقديم محتوى واحد للجميع، حتى وان كان ذلك عبر منصة فيسبوك وغيرها.

شركة اريكسون السويدية لتكنولوجيا الاتصالات، في توقعاتها لمستقبل الصحافة في العصر الرقمي، تتفق مع التوجهات التي تشير الى ان عمل الصحافة قد يعتمد بشكل كبير على تداخل تكنلوجيا الاتصال والهاتف المحمول والاعلام، حيث ترى الشركة ان تطبيقات الواقع الافتراضي VR  والمعزز AR والروبوت الصحافي قد تكون هي العناصر التي ستسيطر على عالم مهنة المتاعب.

ان كنا نرغب بالنظر الى المستقبل بهدف الاستعداد له، آخذين بعين الاعتبار تغير واتساع حقل الاعلام وكذلك تغير اهتمامات الجماهير وتنوع اهتماماتها تجاه المحتوى والوسيلة والمنتج وما يرافق ذلك من تغير سلوكها المستمر، قد يكون مفيدا التفكير ببناء تحالفات بين حقول الاعلام والإدارة والتكنولوجيا في المجالين الأكاديمي والمهني- تنقذ حقل الاعلام الفلسطيني من أزمته.

على مستوى المهارات، ربما يوفر التفكير بطرح التخصصات العابرة للحقول وبخاصة تلك التي تسلح الطالب الجامعي بمهارات التصميم التقني والإدارة المؤسسية الفعالة وبناء المحتوى المناسب، فرصا لطلبة الاعلام لإقامة مشاريع تحاكي متطلبات المجتمع من المنتج من خلال مشاريع مستقلة يكون الخريج قادر على ادارتها وتطويرها بشكل مستقل او مع فريق عمل من زملاءه، دون الحاجة الى انتظار وظيفة في مؤسسات إعلامية في ظل سوق اعلامي مشبع بالكادر الصحفي.

يمكن أيضا لهذه التوجهات ان تنعكس إيجابا على منهجية طرح الجامعات لتخصصات اكاديمية جديدة تتجنب فيها طرح برامج مكررة في حقل الاعلام- كما هو الحال الآن حيث تزدحم البرامج المتشابهة التي تدرس الصحافة بأسلوبها القديم تحت شعار الرقمنة- الأمر الذي يمكن ان يعفينا من مفاجآت الإحصاءات السنوية التي تفيد بارتفاع نسبة البطالة في أوساط خريجي الصحافة والاعلام.

مثل هكذا تحالف أكاديمي – مهني بين حقول الإدارة والاعلام وتكنلوجيا الاتصالات قد يوفر مخرجا لأزمة جمود تطور صناعة الاعلام، بل ويمكن ان يقدم فرصا لمواكبة التوجهات العالمية في هذا الحقل، وهي فكرة تحتاج الى ان تتطور لتصبح نهجا وطنيا يكون لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والجامعات دور أساسي في قيادته لتلعب دورها الطبيعي في قيادة توجهات السوق.

* باحث اكاديمي فلسطينيي-ايرلندا. - shadi.abuayyash@gmail.com