2020-09-06

نهاية رئيس أم نهاية أمة؟!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

الصحفي الأمريكي توماس فريدمان يتساءل بقدر من عدم التفاؤل هل انتخابات 2020 تدشن لنهاية الديمقراطية الأمريكية؟ ويحذر أنه ربما لا ترى أمريكا انتخابات نزيهة حرة ولا إنتقالا شرعيا سلميا للسلطة في حال خسارة الرئيس ترامب. فالتشكيك في الانتخابات والإتهامات بتزوير الأصوت بدأت من قبل ترامب قبل أن تبدأ الانتخابات..!

الكل متفق على أن الانتخابات القادمة هي الأخطر وستكون غير مسبوقة. أستاذ العلوم السياسية في جامعة نيونجستاون بول سراسيك يقول: ترامب يميل بطبعه إلى تعطيل الظروف الراهنة، كما أنه يحمل ثقة مطلقة بقدرته على إصلاح ما يدمره من غير قصد. لكن من سؤ حظه تختلف مهارات سبب المشاكل أي الشجاعة والجرأة والوقاحة عن الدقة والهدوء والتنبه إلى التفاصيل وهي المزايا اللازمة لمنع أي أضرار إضافية. لا يريد الناخبون المتأرجحون مسؤولا بهذه المواصفات، بل يفضلون شخصا قادرا على تبديد مختلف الأزمات، لا يكفي الإعتماد على قاعدته الإنتخابيه بل ضرورة كسب الطبقة المتوسطة أمرا ضروريا.. الرئيس ترامب لا يمل من الحديث عن نفسه، ولا يركز على التفاصيل.

أما أستاذ التاريخ الأمريكي والمعروف بتنبؤاته الآن ليختمان، يتنبأ بفوز بايدن على ترامب. وكان من القليلين الذين تنبأوا بفوز ترامب في انتخابات 2016، ويستند في توقعاته على فوز الديمقراطيين في الإنتخابات النصفية عام 2018، وإستمرار جائحة "الكورونا" وتزايد الإصابات والوفيات، والإحتجاجات المجتمعية في اعقاب مقل جورج فلويد وما زالت تداعياتها قائمة. والسبب الثالث محاكمة عزله، وإن كان خرج منها لكنها ما زالت تلقي بظلالها لعدم القناعة ببراءته. وعدم تحقيق إنجازات سياسية وعسكرية كبيرة، وتفتقد شخصيته الكارزمية. ومما يعمل لصالحه انه لا منازع له في حزبه، وبايدن المرشح الديمقراطي ليس كارزميا ولا ملهما.

ولا شك أن الرئيس ترامب تواجهه تحديات ومشاكل كبيرة لم تكن متوقعه لديه مثل كتاب بولتون، وكتاب إبنة شقيقه الأكبر، والتي وصفت الرئيس ترامب بالكذب. هذا وتشير إستطلاعات الرآى العام لتقدم بايدن على الرئيس ترامب بما يقارب العشر نقاط، وجاء إختيار كامالا هاريس التي تتسم بالكارزمية والحيوية بأصولها الجاميكية الهندية ضربة قوية لترامب وتقلل من فرص فوزه ثانية.

بعيدا عن هذه التحليلات وإستطلاعات الرأي التي تؤكد فوز بايدن، يبقى التساؤل عن ردود فعل ترامب، وما هي السيناريوهات المتوقعة والتي قد تهدد بنهاية الأمة الأمريكية وتشدها لحرب أهلية، كما أشار الصحفي توماس فريدمان. أبرز السيناريوهات الطعن في نتيجة الانتخابات وعدم التسليم بنتيجتها. وسيناريو المطالبة بإعادة الفرز، والسيناريو الأخطر دعوة الجيش لإحتلال كل المدن الأمريكية.. لا ننسى ان الرئيس الأمريكي يبقى رئيسا حتى 20 يناير 2021، اي ان ترامب وفي حال خسارته سيبقى رئيسا حتى هذا التاريخ، وبإمكانه إصدار الكثير من القرارات التنفيذية، ويمارس سلطاته وصلاحياته. وماذا لو لم يغادر الرئيس ترامب البيت الأبيض؟ المعلوم في الإنتخابات الرئاسية الأمريكية كل الرؤساء الأمريكيين تركوا مناصبهم منذ جون آدمز دون حوادث. ويمكن اللجوء إلى رأي المحكمة العليا التي بيدها الحسم وتصدر حكما سريعا..

الذي يدعو للقلق التصريحات المختلفة التي يرددها الرئيس ترامب وطبيعته الديكتاتورية. فهو دائما يؤكد على أنه رئيسا لمدى الحياة، وإعجابه بسلطة الديكتاتوريين. بقوله: تمنيت أن أفعل ما أريد مثل العديد من الطغاة. ويعتبر نفسه أنه هدية من السماء ومعصوم من الخطأ، ونرجسى الشخصية، والأكثر غرابة مدحه رؤساء مثل بوتين ووصفه بالرجل العظيم، ومدحه أيضا لشخصية أردوغان وأنه من أكثر المعجبين به.. ورئيس كوريا الشمالية، وبثقة تجعله يفكر بأسلوب أصحاب النظرية الإلهية: انا من بنيت أكبر إقتصاد في العالم، وأنا من يستطيع إعادة بنائه، وأن الله قد اختاره لذلك..!

شخصية بهذه المواصفات ليس سهلا أن يتقبل الخسارة والهزيمة وتسليم السلطة بطريقة شرعية سلمية، ولعل أخطر السيناريوهات دعوة الجيش للتدخل، وقيام العديد من أنصاره وهم مسلحون بالتظاهر في الشوارع وجر البلاد لحرب أهلية  إذا ما أندلعت ستعرض حلم الأمة الأمريكية للنهاية. وبالمقابل عندما سئل بايدن في حال فوزه ماذا سيفعل؟ أجاب سأطالب الجيش بإخراجه بالقوة من البيت الأبيض.. لكن السؤال أنه لا يمكنه إخراجه قبل نهاية فترة رئاسته في يناير 2021.

هذه الانتخابات خلاف لما سبقها تأتي في وقت تتزايد فيها مظاهر الإنقسام المجتمعي والسياسي والإستقطاب، وسيادة خطاب سياسي ميكيافيلي منزوع من الأخلاق، المهم فيه أن يفوز الرئيس ترامب حتى لو كان ذلك على حساب وحدة الأمة الأمريكية. وكما أشار أنني نقلت السفارة الأمريكية للقدس واعترفت بالقدس عاصمة لإسرائيل من أجل الإنجليكيين، أي ليس من أجل أمريكا..!

في هذا السياق تبقى كل الإحتمالات مفتوحة، لن تتم عملية تسليم هادئة للسلطة ـ وقد تكون مصحوبة بدرجة عالية من العنف والإحتجاجات من جديد.

أقل من ثلاثة شهور ويتقرر مصير ليس الرئيس ترامب بل مستقبل الديمقراطية والحلم الأمريكي ومستقبل أمريكا القوة الأولى في العالم.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com