2020-09-26

أمريكا وإسرائيل من أيزنهاور إلى ترامب..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

لماذا أيزنهاور وقبله كثيرون وخصوصا الرئيس ترومان الذى اعترف بإسرائيل كدولة بعد 11 دقيقيه من القرار الأممي رقم 181 لعام 1948؟ ولماذا ترامب؟

اما ولماذا ترامب فالإجابة تجسدت في العديد من القرارات التي اتخذها من قرار نقل السفارة الأمريكية للقدس والإعتراف بها عاصمة موحدة لإسرائيل، وقراره بوقف الدعم لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين تمهيدا لشطب قضية اللاجئين، و"صفقة القرن" التي جاءت إستجابة وترجمة كاملة لإحتياجات إسرائيل الأمنية ولا وجود فلسطيني حقيقي فيها، وإعترافه بضم الجولان لإسرائيل، والضوء الأخضر بضم منطقة الأغوار الفلسطينية لإسرائيل لقتل أي إمكانية لحل الدولتين، ناهيك عن الدفع في إتجاه السلام الإقليمي والقبول بإسرائيل دولة عادية دون الإلتزام بالمبادرة العربية.

إبتداء كما في جاء في نظرية "الرجل العظيم" للكاتب والمؤرخ توماس كارليل أن القادة العظام هم القادرون على التوصل لتسويات لأكثر المنازعات الدولية تعقيدا بما فيها القضية الفلسطينية. وكما أكد المؤرخ كيجان أن الجزء ألأكبر من القرن العشرين كتبته السيرة الذاتية لقادة كبار أمثال لينين وستالين وهتلر وتشرتشل وروزفلت.

وما علاقة ذلك بمقالة اليوم؟ نعم القدة العظام هم القادرون على الوصول لتسوية دائمة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي .وهنا المقارنه بين الرئيس أيزنهاور والرئيس ترامب فيما يخص قدرة الولايات المتحدة على فرض قرارها على إسرائيل عندما تقتضى المصلحة الأمريكية العليا ذلك. وهنا ينبغي التأكيد على أن الولايات المتحدة دولة عظمى لها مصالحها وأهداف سياستها الخارجية النابعة من رؤيتها لأمنها وإسرائيل دولة لها مصالحها العليا وليس بالضرورة التطابق بين المفهومين، فقد يحدث تعارض بين المصلحتين. لكن القاعدة العامة والتي لم يشذ عنها حتى الرئيس أيزنهاور الإلتزام بأمن وبقاء إسرائيل وذلك لأسباب وعوامل تتعلق بقوة اللوبي الصهيوني ودور الوكالة الذي تقوم به إسرائيل والثقة الثابتة في هذا الدور ودور الإنجليكيين في أي انتخابات أمريكية.

أما لماذا الرئيس أيزنهاور؟ لأنه الوحيد الذي فرض القرار الأمريكي، ولم يخضع للضغوطات الإسرائيلية، وذلك في اعقاب العدوان الثلاثي الذي قامت به بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر واحتلت بموجبه كل سيناء وكل غزة. ومارس ضغطا على إسرائيل وأصر على الإنسحاب بدون ثمن. وقوله: هل يمكن السماح لدولة هاجمت واحتلت أراضي دولة أخرى بفرض شروط مقابل إنسحابها؟ وإذا ما كان الأمر كذلك نكون قد أدرنا عقارب ساعة النظام الدولي إلى الوراء. وما يميز الرئيس أيزنهاور أنه سياسي وجنرال عسكري شغل منصب الرئيس الرابع والثلاثين، وحكم لفترتين رئاسيتين 1953 – 1961، وتولى قيادة الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثانية، وقائد لقوات الحلفاء في أوروبا. فاز عن الحزب الجمهوري. وقاد حملة ضد الشيوعية والفساد وكوريا وهدد بإستخدام القوة النووية لإنهاء الحرب الكورية. وحقق نصرا ساحقا على منافسه الديمقراطي آدلاي ستيفينسون. وحكم فترة من أهم الفترات في العلاقات الأمريكية السوفيتية، واقترن أسمه بـ"مبدأ أيزنهاور" وبموجبه تقدم أمريكا كل مساعدة إقتصادية وعسكرية لأي دولة يتهددها الخطر السوفيتي. واقترن إسمه باسم أمريكا قوة عالمية، وأعتبر من أعظم رؤساء أمريكا وأكثرهم إثارة وشعبية.

والملفت في إدارته حدوث أول إتصال بين إدارته وبين حركة الأخوان في أول لقاء تم في عهده عام 1953 مع سعيد رمضان زوج الأبنة الصغرى لحسن البناء مؤسس حركة الأخوان. وجاء هذا اللقاء بترتيب من وكالة المخابرات الأمريكية وتشجيع من المستشرق برنارد لويس الذي شجع على تفكيك المنطقة على أسس مذهبية وعرقية. ولا ننسى مماطلة إدارته لطلبات مصر بالتسلح في عهد الرئيس عبد الناصر وتوجه مصر لعقد أول صفقة سلاح تشيكية، وهو ما عارضته أمريكا.

ما يعنينا في سياساته انه قد ميز بين مصالح أمريكا العليا ومصالح إسرائيل، والأولوية للمصالح ألأمريكية. وهذا سبب ضغطه على إسرائيل بالإنسحاب بعد عدوان 1956 دون ثمن. هذا الموقف لم يتكرر ثانية في إدارة رئاسية لاحقة، بل نلاحظ مكافأة إسرائيل على سياساتها. وموقف أيزنهاور لا يعني أنه قد تخلى عن دعم إسرائيل، بل الإلتزام بأمنها قائم، ولعل هذا سبب عدم الإستجابة لحاجة مصر للسلاح.

هذا الموقف لا يمكن مقارنته بإدارة الرئيس ترامب، فالفارق بين الشخصيتين كبير، الأول سياسي من قلب النخبة التقليدية بخلفية عسكرية شاملة تقف وراء كل قراراته، وهي التي تفسر لنا معارضته الشديدة للنفوذ السوفيتي وتمدده والعمل على إحتوائه، أما ترامب فهو من خارج الطبقة التقليدية، رجل أعمال تحكم قراراته مسألة الربح والخسارة وعقد الصفقات، شخصية سادية أنانية عكس أيزنهاور. هذه الشخصية السادية هي التي تفسر لنا الموقف الداعم المطلق لإسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية التي لا يعترف بوجودها. اما أيزنهاور فقد ادرك أهمية المنطقة الإستراتيجية والنفطية وحرصه على ملء فراغ القوة بالتواجد العسكري، وعكس ترامب الذي يعمل على إنحسار الدور الأمريكي في المنطقة مما ساهم في بروز دور روسيا ودور القوى الإقليمية مثل إيران وتركيا.

والأهم في المقارنة أن الرئيس أيزنهاور فكر بلغة المصالح الإستراتيجية العليا لأمريكا، اما ترامب فيفكر كيف يعاد إنتخابه، وهو العامل الذي لم يؤثر في قرار الرئيس أيزنهاور الذي مارس ضغوطاته على إسرائيل بالإنسحاب في فترة رئاسته الأولى.. فالرئيس أيزنهاور ربط بين النفوذ السياسي والأيدولوجي والقيمي والإنتشار والتمدد العسكري الأمريكي وبناء قواعد عسكرية، وهي السياسة التي عبر عنها في رسالته للكونجرس في أوائل العام 1957 والتي عرفت بـ"مبدأ أيزنهاور"، الفارق كبير بين النموذجين، ولو قيض القدر ان يكون الرئيس أيزنهاور الآن لأمكن التوصل إلى تسوسة سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا العمل على ديمومته بـ"صفقة القرن" التي تبناها ترامب.

أيزنهاور رجل دولة وليس مجرد سياسي،  أما ترامب فليس رجل دولة ومجرد سياسي يبحث له عن دور. ولو كان حيا لتحدث بقوة وصراحة عن المخاطر التي تواجه السياسة الأمريكية بسبب التأييد الكامل لإسرائيل..!

ويبقى القول أن لا أحد ينكر دور إسرائيل في السياسة الأمريكية وتفاوته من رئيس لآخر.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com