2020-10-08

الرئيس محمودعباس و"إستراتيجية الغوص"..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

ليس من إستراتيجية محددة أو رئيسة يمكن ان تسير عليها السلطة الفلسطينية. الإستراتيجية والقرار السياسي تحكمه كثير من المحددات والمعيقات التي تحاول ان تعرقل أي إنجاز ولو بسيط يعيد الحراك السياسي إلى قلب المقاطعة.

الإستراتيجية السياسية التي يمارسها الرئيس تسير في بيئات يجمعها الصراع والتضاد أكثر من التقارب، ولذلك هو كمن يقود سفينة في وسط أمواج عاصفة، او وسط تنبؤات مناخية غير مؤكدة. لكن الأساس في أي إستراتيجية تستند عليها السلطة الفلسطينية انها لا بد من ان تتحرك.. وتسمى "إستراتيجية الغوص" حتى في الأجواء العاصفه، فبديل السكون والهرب من هذه الأجواء يعني الجمود وموت اي فعل سياسي، والبديل لهذه الإستراتيجية "إستراتيجية الغوص" مع أمل في البقاء والحياة.

القضية الفلسطينية إستراتيجية حياة او موت، والإستراتيجية الوحيدة التي ينطلق منها الرئيس أن تبقى هذه الإستراتيجية في حالة من الحراك السياسي والبعد عن غرفة العناية السياسية، او غرفة الغيبوبة السياسية لأنها لو دخلت هذه الحالة يصعب ان تفيق منها. وهذه المدركات والتصورات السياسية هي التي تحدد مسار الإستراتيجيات الفلسطينية، ومسار الحراك السياسي الذي يسير عليه الرئيس.

الأساس في هذا الحراك ثلاث بيئات:
الفلسطينية، وهي البيئة الأساس التي تحدد نجاح أو فشل أي إستراتيجية أخرى،
والبيئة الإسرائيلية، وهي البيئة المستهدفة على إعتبار ان إسرائيل هي من تحتل الأراضي الفلسطينية، وهي من تعيق حتى الآن قيام الدولة الفلسطينية، وتشكل البيئة المجهضة للحراك السياسي الفلسطيني.
والبيئة الثالثة بمفهومها الواسع والشامل تشمل البيئة العربية، وهي البيئة التي يفترض انها البيئة الداعمة والمساندة والحاضنة، وهي ليست كذلك في كثير من مظاهرها لكنها تبقى البيئة الموازنة والمقابلة لأي حراك وبيئة مضادة، والبيئة الدولية بكل تناقضات القوة وتحولاتها، ولكنها تشكل بيئة واسعة للحراك، وتعطي السلطة الفلسطينية هامشا أوسع من الحراك السياسي، وخصوصا في الساحة الدولية التي تقدمها منظمة الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية المتعددة. وما يميز هذه البيئة وقبلها البيئة العربية انها خارج سيطرة وقوة إسرائيل. وهي بيئة يمكن للرئاسة الفلسطينية ان تحقق فيها إنتصارات وإنجازات كبيرة.

في هذا السياق تتبلور الإستراتيجيات الفلسطينية في أربع إستراتيجيات رئيسية. وقبل الولوج في هذه الإستراتيجيات كل منها تشكل عقدة في حد ذاتها، وهي إستراتيجية وعقدة سياسية في الوقت ذاته، وهنا تكمن صعوبة القرار والحراك السياسي للرئيس.

الإستراتيجية الأولى إستراتيجية إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس وحدانية منظمة التحرير ووحدانية برنامجها السياسي. وهذه تستوجب بداية التخلص من كل شوائب الإنقسام، وإعادة العمل للحكومة الفلسطينية وتمكينها تمهيدا للوصول للبناء النظام السياسي الذي يوفر إطار الشرعية السياسية الداخلية الملزمة للجميع. مكونات هذه الإستراتيجية متعددة معقدة ومتشابكة، ومرتبطة بالإستراتيجيات الأخرى وبيئاتها. وهذا يتطلب منا تخصيص مقالة كاملة لها. لكن بدون هذه الإستراتيجية قد يصعب الحراك في البيئات الأخرى.

اما الإستراتيجية الثانية، وهي إستراتيجية إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وهنا المستهدفة إسرائيل كدولة وسلطة إحتلال. وتتبنى الرئاسة إستراتيجية المقاومة السلمية الداخلية والخارجية، وتفعيل دور المؤسسات الحقوقية والناشطة الإنسانية، والتغلغل داخل المجتمع الإسرائيلي وتفعيل دور عرب الداخل وقوى السلام واليسار على ضعفها. إلا أن هذه الإستراتيجية تواجه معضلات وتحديات تمثلها الحكومة اليمنيية المتطرفة التي يقودها نتنياهو، الذي يرفض وإئتلافه الحاكم المفاوضات، وتتبنى حكومته سياسات تهويد للآراضي الفلسطينية بإصدار قوانين الضم، وتطبيق القانون الإسرائيلي على كافة المستوطنات.

ورغم تطرف الحكومة إلا ان الإستراتيجية الفلسطينية لم تيأس، بل ان أهم الخطوات التي يقوم بها الرئيس في سياق هذه الإستراتيجية او ما ينبغي التركيز عيه التأكيد على الطابع الإحتلالي لإسرائيل، والتأكيد على انها دولة إحتلال.

أما ألإستراتيجية الثالثة، إستراتيجية تفعيل المقاومة السلمية داخليا وخارجيا، ولا شك في أهمية هذه الإستراتيجية من منطلق المكون الدولي والإنساني للقضية الفلسطينية، ومن منطلق أهمية وتأثير الدور الذي تلعبه القوى المجتمعية في الدول الغربية. ولقد حققت هذه الإستراتيجية نجاحات مهمة، وإن كانت ليست كبيرة، في شكل المقاطعة للبضائع الإسرائيلية، وفي الإعترافات البرلمانية بالدولة الفلسطينية. وهذه الإستراتيجية تحتاج إلى مزيد من التفعيل من خلال ما يمكن تسميته بأنسنة المقاومة الفلسطينية، وبعقلنة الخطاب السياسي والإعلامي والبعد عن خطاب العنتريات التي تصورالشعب الفلسطيني وكأنه يملك القوة النووية.

والإستراتيجية الرابعة، وهي الأكثر فعالية بفعل حراك الرئيس الذي لا يكل في التنقل من عاصمة إلى أخرى ومن منتدى دولي إلى آخرـ ومن خلال إقامة علاقات شخصية مع العديد من رؤساء الدول، إستراتيجية تثبيت وتفعيل وجود الدولة الفلسطينية دبلوماسيا وقانونيا على المستوى الدولي. ومن حصادها حصول فلسطين على دولة مراقب، والإنضمام للعديد من المنظمات الدولية الوظيفية، ورفع علم فلسطين على منصة الأمم المتحدة. إلا أن هذه الإستراتيجية تواجه تحديات وإجهاضات من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، ولكنها تبقى الإستراتيجية الأكثر حراكا، والأكثر إنجازا وصولا للدولة الكاملة العضوية تحت الاحتلال، ووصولا إلى تحمل الأمم المتحدة مسؤوليتها بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. لكنها تبقى إستراتيجية فيها قدر من المثالية الحالمة، لكنها ليست بعيدة عن التحقيق.

هذه إلإستراتيجيات والبيئات السياسية التي تعمل في سياقها أشبه بلعبة شد الحبل التي تمارس ضد السلطة الفلسطينية، والتي تحاول من خلالها إسرائيل شد القضية إلى ملعبها. وتبقى قدرة الرئاسة والسلطة على شد الحبل رهينة الموقف الفلسطيني الداخلي والدعم العربي والإسلامي والدول الصديقة، وهي ما زالت قائمة على ضعفها، وتضمن قدرة الرئاسة على الحفاظ على قوة شد الحبل.

ويبقى أكبر تحديين تحدي "صفقة القرن" وتحدي السلام العربي الإسرائيلي.. هذان التحديان يجتاجان إسراتيجية تتجاوز المكان والزمن، وهو موضوع المقالة القادمة.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com