2021-02-21

الانتخابات.. ترحيل للأزمات أم هروب للأمام؟


بقلم: زياد أبو زياد

هل ما يجري من حديث عن الإنتخابات والإعداد لها هو فعلا تحقيق لما نطالب به وتحقيق لما نتطلع إليه أم أن هناك محاولة لاختطاف الانتخابات وتقرير نتائجها مسبقا ً تماما كما يحدث في العديد من الأقطار العربية أو ما كان يحدث في الأقطار التي كانت تخضع للبلشفية او لدكتاتورية الحزب الواحد مثل الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي سابقا ً.

لقد طالبنا وما زلنا نطالب بإجراء الإنتخابات ووضع حد للفوضى القانونية والقضائية والدستورية القائمة والتي لا يمكن أن يتم وضع حد لها وتصويبها إلا من خلال مجلس تشريعي منتخب بنزاهة وشفافية وديمقراطية. ولذلك فإنني أؤكد بادئ ذي بدء أنني كنت وما زلت مع إجراء الانتخابات التشريعية، وأنني أستغرب في نفس الوقت أي حديث عن الانتخابات الرئاسية باعتباره أمرا سابق لأوانه.

ومع تأكيد ما سبق أقول بأن خصوصية الوضع الفلسطيني في ظل الانقسام وما أفرزه من معطيات على أرض الواقع في قطاع غزة والخلافات القائمة داخل حركة "فتح" تستدعي طرح بعض التساؤلات التي تتعلق بسلامة العملية الانتخابية محاولا ً البحث عن إجابات لها واستعراض السيناريوهات المحتملة وفرص كل منها.

لقد جاءت وثيقة الحوار الوطني التي أعلنت في القاهرة في التاسع من الشهر الحالي لتعطي الانطباع بأن حالة من الانسجام والوئام تسود الوضع الفلسطيني وأنه تم جسر كل الخلافات وأن الانتخابات ستُجرى في حينها كما يأمل ويرجو كل وطني فلسطيني ، وأنه تم الاتفاق على عدد من الخطوات العملية اللازمة لاطلاق الحريات العامة وتبييض السجون من المعتقلين السياسيين لدى الجانبين وإبعاد الأجهزة الأمنية للجانبين عن العملية الانتخابية. ولكن هذه الخطوات لم يتم تنفيذ أي منها حتى كتابة هذه السطور.

وعلى أية حال فإن تمكين إجراء الانتخابات يتطلب تغييرا ً جذريا في الوضع الداخلي الفلسطيني يبدأ بتوحيد الشرطة والقضاء الركيزتين الأساسيتين لضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة دون تدخل من أحد، وهذا لم يتم ومن غير الممكن أن يتم خلال المدة القصيرة المتبقية لإجراء الإنتخابات وفقا للمرسوم الرئاسي الذي صدر في 15 كانون الثاني الماضي وحدد موعدا لها في الثاني والعشرين من أيار القادم.

ولا شك بأن عدم تنفيذ الإجراءات التي تم الاتفاق عليها في القاهرة وعدم توحيد الشرطة والقضاء وإطلاق الحريات العامة يُعطي الانطباع بأنه إما أن الانتخابات قد تؤجل وإما أن هناك طبخة تدور وراء الكواليس بين "فتح" و"حماس" لاقتسام كعكة المجلس التشريعي قبل إجراء الانتخابات ثم الذهاب لانتخابات صورية تكون نتائجها قد تحددت مسبقا ً مع بقاء الوضع القائم على الأرض كما هو.

هذا التحديد المسبق لنتائج الانتخابات لا يمكن أن يتم إلا من خلال الاتفاق بين الفصيلين الرئيسيين على الساحة "فتح" و"حماس" على قائمة موحدة تخوض الانتخابات دون منافس حقيقي لها وتخرج بمجلس تشريعي وحكومة وكأنها جاءت نتيجة عملية انتخابية وشرعية تفويض شعبي رغم أن الواقع والحقيقة يقول غير ذلك.

وفي الحقيقة فإننا إذا أردنا أن نكون موضوعيين فإن الطريق لإعادة الشرعية لمؤسسات الحكم الفلسطينية يمكن أن تتم من خلال مسارين. الأول هو التريث في إجراء الانتخابات والبدء فورا وبجدية في ترتيب البيت الداخلي من خلال تصفية الخلافات داخل حركة "قتح" وبالتوازي أيضا ً تحقيق المصالحة بين "فتح" و"حماس" وإزالة كل آثار الانقسام وفرض هيبة وسلطة سيادة حكم القانون على كل الأرض الفلسطينية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية بمشاركة "حماس" وكل القوى الاسلامية والوطنية الفاعلة تكون مهمتها التأكد من إزالة كل مظاهر الإنقسام وتهيئة كل الأجواء لإجراء انتخابات حرة ونزيهة. وهذا المسار يتطلب كما يبدو سنوات من العمل والمماطلة وقد لا يصل الى الهدف، ولذا فإنه لا يبدو واقعيا.

والمسار الثاني هو إجراء الإنتخابات الآن مع بقاء كل المظاهر التي أفرزها الإنفسام وترك مهمة إزالة وتصفية هذه المظاهر للحكومة التي سيتم تشكيلها بعد الانتخابات والتي ستتشكل حسب نتائج الانتخابات.

وهذا المسار يبدو أكثر واقعية وجاذبية ولكنه يصطدم بحقيقة الوضع الداخلي لحركة "فتح" والشكل الذي ستشارك به في الانتخابات. فإذا كانت الساحة مفتوحة للتنافس بين كل الفصائل ولم تقم "فتح" بتسوية خلافاتها الداخلية فإن من المتوقع أن تدخل "فتح" الى الإنتخابات بثلاث أو أربع قوائم انتخابية الأمر الذي سيؤدي الى تشتيت أصواتها وإعطاء الفرصة الذهبية لـ"حماس" لتفوز بالأغلبية في المجلس التشريعي الجديد وتكرس بقائها وهيمنتها على الحكم وتضع أقدامها على الطريق للسيطرة على "م.ت.ف".

وهذا الأمر يضع القيادة الحالية لحركة "فتح" أمام خيارين: إما قبول التحدي وإجراء مصالحة داخلية تشمل التصالح مع الأخ محمد دحلان والأخ مروان البرغوثي والعديد من مناضلي الحركة الذين تم تهميشهم سواء بحجة التجنح أي تأييد دحلان أو لأنهم غير راضين عن النهج الحالي للحركة أو عن سلوكيات وتدخل بعض أعضاء اللجنة المركزية الحالية في الانتخابات الداخلية لبعض مؤسسات ولجان أقاليم الحركة وآخرها انتخابات إقليم القدس. ولكن هذا الأمر لا يبدو واردا ً في حسابات قيادة الحركة التي يبدو أنها على استعداد للتصالح واقتسام الكعكة مع "حماس" أكثر من رغبتها في التصالح الداخلي ولملمة صفوف الحركة وخوض الإنتخابات بقائمة واحدة ترضى عنها الأغلبيية الساحقة من أعضاء ومؤيدي الحركة وليس بالضرورة جميعهم.

ولا شك بأن صدور المرسوم الرئاسي بتحديد موعد للانتخابات قد أغلق الباب مسبقا ً أمام هذا الخيار أي خيار إجراء مصالحة داخل البيت الفتحاوي والتوجه للانتخابات على قلب رجل واحد لأن مثل هذا كان سيتطلب المزيد من الوقت أكثر مما تركه المرسوم الرئاسي، وهذا ينطبق أيضا على مسار المصالحة مع "حماس" لأنه هو أيضا يحتاج الى الوقت وبالتالي فإن النتيجة التي يخلص لها المراقب هي أن النية التي كانت مبيتة مع سبق الإصرار والترصد هي إجراء انتخابات تتحالف فيها "فتح" و"حماس" مسبقا لتحييد وتهميش الأجنحة المعارضة في "فتح" والتي خرجت عن طوق القيادة الحالية أو في الطريق لذلك.

وإذا كانت "فتح" بحاجة الى "حماس" لتحييد معارضيها من الداخل فإن "حماس" هي الأخرى بحاجة الى "فتح" لتحملها على أكتافها واكتساب الشرعية الدولية من جهة ولتحييد العناصر المتطرفة داخلها.

ولا شك بأن هذا التحالف ودخول الانتخابات بقائمة مشتركة بين "فتح" و"حماس" هو اختراع أو ابتكار فلسطيني لم أسمع عن مثيل له في أي دولة في العالم. ذلك لأن التحالفات ودمج القوائم قبل الانتخابات تتم عادة بين الأحزاب التي تجمعها أيديولوجيات أو برامج انتخابية متشابهة أو قواسم مشتركة أما الإئتلاف بين أحزاب متصارعة ذات ايديولوجيات متناقضة وصف أحدها الآخر بالظلامي في يوم من الأيام فهذا أمر جديد في علم السياسة.

وعلى أية حال فإن دخول الحركتين في قائمة انتخابية واحدة هو في الحقيقة تقرير مسبق لنتائج الانتخابات وتحالف ضد المستقلين الذين يشكلون الأغلبية من أبناء الشعب، ولكن يأس الشعب من العملية الانتخابية وشعور الاحباط العام الذي يسوده سيمنع الناس من المشاركة في الانتخابات وسيترك الكعكة لقمة سائغة لـ"فتح" و"حماس" اللتين قد لا تبخلان ببعض الفتات على بعض الحركات والجبهات الأخرى إن لم تكن جزءا ً من ذلك التحالف. ولا أدري إن كان مثل هذا هو استهبال للشعب أو استغفال له ولكني أدري بأن هذا هو اختطاف لإردة الشعب وأخذها رهينة والتصرف باسمها دون تفويض ناتج عن إرادة حرة.

ورغم كل ما ورد أعلاه فإنه لا تزال هناك إمكانية بأن الذين اتفقوا مبدئيا ً على اقتسام الكعكة قد يختلفون على التفاصيل وعندها سنعود للمربع الأول.. انتخابات أم لا..؟

* الكاتب وزير سابق ومحرر مجلة "فلسطين- إسرائيل" الفصلية الصادرة بالإنجليزية- القدس. - ziad@abuzayyad.net