2021-09-17

الرئيس عباس ونفتالي بينت ما بين السلام والإحتلال..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

لا يمكن المقارنة بين رئيس يخضع وشعبه تحت الاحتلال، ويناضل من أجل إنتزاع الإستقلال لدولته التي أقرتها كل الشرعية الدولية واعترف بوجودها كل أعضاء الأمم المتحدة، وبين رئيس وزراء دولة تمارس الاحتلال وكل سياسات الإعتقال والحصار والعنصرية وأسر شعب بكامله وتحجب عنه بقوة السلاح الحرية والإستقلال والحياة بكرامة.

يعرف الرئيس عباس انه صانع للسلام وأول من مد يده للسلام مع إسرائيل إيمانا منه ان السلام والمفاوضات السلمية هي الأقرب والأقصر لتحقيق التعايش السلمي بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وكان الرجل الثاني مع الرئيس عرفات في التوقيع على إتفاقات أوسلو والإعتراف بإسرائيل كدولة، وهو ثابت على هذا الخط لم يتغير طوال فترة رئاسته، وهو الوحيد الذي دخل في مفاوضات شرسة وصعبة مع كل رؤساء إسرائيل، ولا يخجل من هذا الموقف، وقد يكون هذا الموقف قد سبب له إنتقادات كثيرة من قبل بعض القوى الفلسطينية. لكن هذا الموقف الثابت لا يعني التنازل والإستسلام عن الثوابت وعن الحد الأدنى لقيام السلام والذي يتجسد في التعبير عن الحد الأدنى للمطالب الوطنية للشعب الفلسطيني وتتمثل في دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، هذا هو الأساس للموقف الفلسطيني.

وتحقيقا للسلام فقد أبدى عباس مرونة سياسية في الكثير من القضايا كااللاجئين والأرض مقابل السلام والمقايضة بالمثل بالنسبة للمستوطنات. وهذا الموقف القوي هدفه ان فلسطين لا تقف عثرة أمام السلام.

والرئيس محمود عباس وعلى عمره المتقدم يؤكد دائما انه لن يتنازل عن هذا الحد الأدنى، وبشجاعة السلام إنفتح على كل القوى في إسرائيل وخصوصا قوى اليسار والتقى عدد كبير من الصحافيين والسياسيين وآخرهم غانتس وأوصل له رسالة شعبه.

ويسجل للرئيس عباس عناده في مواقفه السياسية كموقفه من رواتب الأسرى واسر الشهداء، فهذه المواقف لا تتم في بيت العنكبوت بل تتم على الملأ حتى يعلم الإسرائيلي قبل غيره ان الرئيس وشعبه يريدون السلام، وان هذا الموقف ليس من باب المناورة والمزاودة ولا يخضع للتسويق والتلاعب الإنتخابي، فالوجه الفلسطيني للسلام واحد.

ورغم كل هذه المرونة والشجاعة التي تحدث عنها الرئيس عرفات ووصفها بسلام الشجعان  واجهته إسرائيل بالتعنت والتصلب والإستيطان والتهويد والإعتداءات والإقتحامات التي يراها كل يوم امام عينيه، ويعرف انه يخرج بتصريح أمني إسرائيلي ويدخل بنفس التصريح، ويعرف أيضا أن إسرائيل يمكن ان تمنعه من الدخول والخروج، لأنه كما أشرت لا يخدع نفسه ويعترف ويدرك قبل غيره انه رئيس لشعب تحت الاحتلال.

والرئيس يؤمن بالمقاومة السلمية التي ظل متمسكا بها كخيار للحرية والتحرر والإستقلال، لكنه مع شعبه في كل مواقفه، ادان العنف وقتل المدنيين والأبرياء فلسطينيين وإسرائيليين. وتحمل كل الغضب الشعبي المحق لأنه تحت الاحتلال لا يحتمل ان يرى آلية العسكرية الإسرائيليه تقتحم وتدمر المنازل الأمنة للفلسطينيين، وتقتلع حتى شجر الزيتون ويشاهد بشكل شبه يومي إقتحامات المستوطنيين للأقصى والإعتداء على المزارعين والفلاحين في ارضهم.

بالمقابل ماذا قدم بينت للسلام؟ لم يقدم إلا صفرا، ولن يستطيع ان يقدم شيئا، فهو رئيس لإئتلاف حكومي يحميه ويبقيه في السلطة حزب عربي لأول مرة يشارك في حكومة إسرائيلية، ولعلها رسالة يفهمها بينت، وان مصير حكومته صوت واحد فقط. يخرج بينت ووزراءؤه ليصرحوا مرارا وتكرارا أن رئيسهم لن يقابل الرئيس عباس، وان الرئيس عباس لا يملك قراره، ولا يستطيع ان يصنع السلام، وانهم غير مستعدين للتفاوض معه.. إنكار وتهرب واضح من السلام وإلتزاماته. يعرف بينت ووزراءه ان الرئيس عباس الضعيف والذي لا يملك قوة إسرائيل ولا يحتل أراضي الغير ولا يقيم مستوطنات ولا يصادر الأرض ولا يملك جيشا وقوة بحجم قوة وجيش إسرائيل يستطيع ان يصنع السلام، وعلى إستعداد للتفاوض بمرجعية الدولة الفلسطينية ويملك القدرة والشجاعة ان يوقع على إتفاق سلام يحقق الدولة الفلسطينية المستقلة والقدس الشرقية عاصمتها وينهي الاحتلال ويفرج عن كل الأسرى.

الرئيس الضعيف القوي ـ وليس الرئيس القوي الضعيف الذي يمثله بينت.. ويعرف بينت ويعرف وزراؤه ان رئيسهم الأضعف في رؤساء وزراء إسرائيل، وانه لا يملك قراره، وكما قلت مصيره ومستقبله السياسي يعتمد على صوت واحد بحجب الثقة ليجد نفسه خارج الحكم. ويدرك ويدرك أعضاء حكومته انهم لا يمتلكون الشجاعة التي يمتلكها الرئيس عباس في صنع السلام، ولا يملك بينت القدرة ولا القوة ليعلن القبول بالدولة الفلسطينية لأنه لا يريدها أصلا، ولا يملك الشجاعة لأن يعلن السلام لأن مصيره قد يكون رصاصة واحدة من اليمين كما اسحق رابين الأقوى بين رؤساء إسرائيل، فكيف لنا برئيس وزراء ضعيف لم يحلم ان يكون رئيسا للوزراء ويعرف اكثر انه رئيس وزراء لسنتين فقط.

لهذه الأسباب يخرج ويقول بغرور وصلف سياسي أعمى البصيرة: لا تفاوض مع الرئيس عباس ولا يقول السلام لأنه حتى هذه الكلمة لا يجرؤ ان ينطق بها.. هذا الموقف يوضح لنا الفارق الكبير بين رئيس ضعيف قوي بقوة قضيته وعدالتها، وبين رئيس قوي ضعيف بضعف الاحتلال الزائل حتما وبضعف قوة جيشه لضعف رواية الاحتلال، ولعل "نفق الحرية" الذي حفره الأسرى الستة باظافرهم تكشف قوة الشعب الفلسطيني تلك القوة التي يستمد منها الرئيس عباس قوته وضعف وتهرب بينت من السلام الذي يرفضه بقوة جيشه وإحتلاله.

ويبقى الرئيس عباس رئيسا للسلام وعدالة قضيته ويبقى بينت رئيسا لوزراء دولة تمارس أطول إحتلال فى التاريخ، ولينظر حوله ليرى الشعب الفلسطيني في كل مكان وسيأتي اليوم الذي ينتصر فيه السلام على الإحتلال. وسيذهب الرئيس عباس وتبقى قضيته ورسالته للسلام باقية حية فهو غرس مع الرئيس عرفات شجرة السلام التي لن تستطيع قوة جيش بينت ان تقتلعها من أرضها، ونبقى امام نموذج الرئيس المنتصر بقضيته والرئيس المنهزم بالإحتلال. وسيحكم التاريخ يوما لمن الحق والعدل.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com