2021-09-19

صفعة قرن مدوّية على وجه فرنسا..!


بقلم: د. أماني القرم

يبدو أنه مقدّر لمصطلح "صفقة القرن" أن يكون نحساً وشؤماً على كل اتفاق يوصف به. ونحمد الله أن ‏الصفقة المقصودة هذه المرة لا علاقة لها بالقضية الفلسطينية، إنّما تعود الى العام 2016 حيث تم عقد ‏اتفاق تجاري بين الحكومة الفرنسية ومثيلتها الاسترالية يتم بموجبه تزويد استراليا بـ 12 غواصة تقليدية ‏تقوم ببنائها شركة "نافال جروب" الفرنسية بقيمة تزيد عن خمسين مليار يورو على دفعتين. وقد وصفت ‏السلطات الفرنسية في حينه الاتفاق بأنه "صفقة القرن"..!

الصفقة باتت صفعة على وجه فرنسا لأن استراليا فسخت العقد، وحصلت على عرض أفضل من الولايات ‏المتحدة جعلها تراجع حساباتها وتتخلى عن الشريك الفرنسي وتدخل المظلة الامريكية.. ‏

وعلى دوي الصفعة الاسترالية/ الامريكية المدوية للكبرياء الفرنسي، استدعت باريس سفيريها في البلدين ‏للتشاور في خطوة تعد الأولى في تاريخ التحالف الامريكي الفرنسي القديم ومؤشر لحدوث أزمة دبلوماسية ‏عالية المستوى بين الحلفاء الكبار.. ‏

ولكل طرف رواية مختلفة: تدّعي استراليا أنها أبلغت فرنسا بنيتها التخلي عن الصفقة لتفاصيل تتعلق ‏بمحدودية قدرة الغواصات الفرنسية في ظل البيئة الجيوسياسية والتهديدات التي تواجهها أمام التمدد الصيني، ‏إضافة الى مسائل تشغيلية وفنية أخرى تخص الشركة الفرنسية، مقابل العرض الامريكي غير المسبوق ‏بمشاركة تكنولوجيا نووية مع استراليا لبناء غواصات تعمل بالطاقة النووية. لكن من الواضح أن المسألة ‏من الجانب الاسترالي لا تتعلق فقط بقدرات الغواصات بل بالرغبة في اللحاق بالعربة الأمريكية التي تشكل ‏تحالفات جديدة في المياه البعيدة ضد التمدد الصيني. الاتفاق الثلاثي الامني الجديد بين واشنطن ولندن ‏وكانيبيرا والذي حمل اسم (أوكوس/ ‏AUKUS‏ ) وتم الاعلان عنه من قبل الرئيس الامريكي قبل عدة أيام ‏يعدّ تجسيداً للشراكة القادمة بين البلاد الثلاثة ـــــ بعيدا عن فرنساـــــ في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والذكاء ‏الاصطناعي وكل ما يخص أمن المحيطين الهادي والهندي..‏

‏ من ناحيته، يصرّ الطرف الفرنسي المصدوم والمغدور / أمريكيًّا وأستراليًّا/ أنّه لم يبلّغ مسبقاً بفسخ عقد ‏الاتفاق. وأن ما حدث تجاهل للدور الفرنسي وسلوك أمريكي أحادي لا يراعي مصالح الحلفاء ولا يختلف عن ‏جنون الرئيس السابق دونالد ترامب. ولا شك أن الخسارة الاقتصادية والمعنوية لصفقة الغواصات ضربة ‏لسوق السلاح الفرنسي الذي يعد ثالث اكبر سوق مصدر للأسلحة في العالم بعد الولايات المتحدة وروسيا ‏ناهيك عن فقدان مليارات الدولارات. ‏

لكن ربما كانت الصفعة الأمريكية للكبرياء الفرنسي أشدّ وقعاً من نظيرتها الاسترالية، فالفرنسيون يشعرون ‏فعلاً بطعنة في الظهر جراء الازدراء الأمريكي لهم والتجاهل المتعمد للتخطيط الثلاثي.

* الكاتبة اكاديمية تقيم في قطاع غزة. - amaney1@yahoo.com