2021-10-12

جاريد كوشنر: مهندس "صفقة القرن" و"الأنتي باليستينيزم"  Anti- Palestinism


بقلم: د. إبراهيم فؤاد عباس

ممكن تسميتها "أقل من نكبة وأكثر من مؤامرة"، وممكن تسميتها أيضًا "أقصر الطرق لتهويد العقل العربي". وأشياء أخرى كثيرة  قد تبدو لأول وهلة متباعدة في معانيها مثل "الطريق إلى قلب صهيون يمر عبر كراهية الفلسطينيين"، أو كيف نجعل الفلسطينيين هم الأعداء وليس الصهاينة؟ ..الخ.

في كل الأحوال لا أستطيع أن أخفي إعجابي بالمدعو جاريد كوشنر الذي نجح في تحقيق ما عجز عن تحقيقه عتاولة الصهاينة وجهابذة الاستعمار وعباقرة مؤسسات  راوند وكارينجي وبروكينجز عندما نجح في تمرير "صفقة القرن" بعد أن مهد لها طريق النجاح عبر خطة جهنمية، سأتحدث عنها بعد قليل.

فمن المعلوم أن هذا المشروع الذي تجاوز مفهوم تهويد فلسطين إلى مفهوم محوها ليس من الخريطة وإنما أيضًا من الذاكرة العربية ووجدان الأمة وضميرها، ونزع طابعها الإسلامي بنقل القدس إلى اليمن، والمسجد الأقصى إلى الجعرانة، وهنا لابد من التأكيد على التوقيت، فقد تزامنت هذه الأحداث معًا، وأيضًا مع الهجمات الصهيونية على غزة، حتى انني تساءلت بيني وبين نفسي لماذا تتهافت القنوات الفضائية لاستضافة فاضل الربيعي الذي نزع الكنعانية (العروبة) عن فلسطين من خلال نقوش سبئية وأشورية - إدعى  إنها تدعم نظريته، دون إثبات من أي باحث آخر غيره - تعود إلى أكثر من ألفي عام بعد  بزوغ الحضارة الكنعانية بآثارها ومعابدها ومقابرها ونحاسياتها وبرونزياتها وفخارياتها ومخطوطاتها وتماثيلها وأبراجها وأسوارها، ونزع القدسية عن القدس بنقلها إلى اليمن بتجريدها من لباسها العقدي العتيد من خلال ما عرف عنها منذ آلاف السنين بأنها أرض الأنبياء، مصرًا  على أن القدس وسبأ كانتا مملكتين متجاورتين (فلماذا تغيرت القبلة إذن؟) فيما شكك آخرون بحادثة المعراج..!

طبعًا ليس لنا أن نستغرب من وجود أنصار كثر لمروجي هذه الأفكار والنظريات التي تخدم – سواء بقصد أو بدون قصد- المخطط الصهيوني الجديد (محو فلسطين وقدسها من الخريطة والذاكرة والضمير)، ونستطيع أن نفهم ذلك بشكل أفضل عندما نرى كيف يعجب البعض وينخدع  بالفكر الإرهابي، دون أن يقتصر ذلك على الجهلاء والفقراء، فنجد أطباء ومهندسين وأثرياء ينجذبون إلى هذا الفكر المنحرف. وهو ما يفسر ترويج البعض من كبار المفكرين  وأساتذة الجامعات  لمقولة أن المسجد الأقصى موجود في الجعرانة وليس في القدس، ومثل هؤلاء يعجزون عن الرد إذا ما واجهتهم بالسؤال وهل تنطبق الآيات التي وردت في المسجد الأقصى في القرآن الكريم  على أقصى الجعرانة؟ ودعه يرجع إلى تلك الآيات ويستبين الحقيقة والمنطق والبديهيات لعله يستحي أو يكف.

لقد أدرك كوشنر منذ البداية أنه من الصعب نزع القدس من قلب العروبة وتحويلها من عاصمة فلسطين منذ أكثر من أربعة آلاف عام  إلى عاصمة إسرائيل، علمًا بأن القدس لم تكن يومًا عاصمة لإسرائيل، القدس كانت عاصمة للمملكة الموحدة التي لم يكن اسمها إسرائيل، لبضعة عقود معدودة، (مملكة يهودا فيما بعد)، أما عاصمة مملكة إسرائيل التي نشئت بعد سقوط المملكة الموحدة في الشمال، فهي كما هو معروف توراتيًا السامرا (شكيم/ نابلس)، ومن المعروف أيضًا أن الخلافات والقتال نشب بين المملكتين  بعد وفاة سيدنا سليمان عليه السلام  حتى قضى عليهما الأشوريون والبابليون.

وقد وجد كوشنر أن تحقيق هذه الغاية مهمة صعبة ما لم يسبقها خطوة تمهيدية لم يعجز دهائه عن الإمساك بخيطها، وهي أن يبدأ مشروعه بكسر التعاطف العربي مع نضال الشعب الفلسطيني والمناصرة التي تبديها الجماهير العربية للقضية الفلسطينية، وقضية القدس باعتبارها قضية مقدسات، واعتمدت الخطة بشكل كبير على الترويج مرة أخرى للإسطوانة المشرو خة والشائعة المقيتة  بأن الفلسطينيين باعوا أرضهم التي لم تلبث أن انتشرت كالنار في الهشيم، و بث الكراهية لكل ما هو فلسطيني.

وكان ضرب غزة أكثر من مرة اختبارًا لجس النبض العربي، وكان الاعتداء على المسجد الأقصى والمصلين أيضًا اختبارًا لجس النبض، وعندما اطمئن الصهاينة إلى أن الطريق إلى محو الهوية العربية والإسلامية لفلسطين لم يعد شائكًا دشنوا مشروعهم الخبيث (الذي لا يمكن أن ينجح). وقد فوجئت مؤخرًا  – كغيري من آلاف بل ملايين الفلسطينيين والعرب-  بوكالة فرانس بريس تنشر   تقريرًا عن تنامي أعداد الشيعة في غزة ووجود حسينيات فيها..! وانتهزها البعض فرصة لاتهام غزة بالتشيع محبة في إيران حتى إذا قامت إسرائيل بضربة جديدة على غزة يقال من قبل المعجبين بإسرائيل وجاريد كوشنر وأفيخاي أدرعي: يستاهلوا!... بحثت في مواقع الإنترنت وسألت أصدقاء لي في غزة عن حقيقة هذا الخبر الذي بثته الوكالة الفرنسية فلم أجد له أساس..!

إعجابي بخطة جاويد يجعلني أتساءل هل من عبقري عربي – ليس بالضرورة أن يكون فلسطيني- في وسعه أن يخترع طريقة تجعل تهمة معاداة الفلسطينية (أنتي باليستينيزم) مساوية (للأنتي سيميتيزم)؟

* كاتب فلسطيني- الرياض. - ibrahimabbas1@hotmail.com