2022-05-17

إسرائيل: ثلاثة وجوه في وجه واحد..!


بقلم: د.ناجي صادق شراب

بعد أربعة وسبعين عاما على نشوء إسرائيل بقرار دولي غير عادل وبقوة السلاح وبغطاء دولي  ما زالت إسرائيل تعاني من مشاكل وتحديات كثيرة في عمليات بناء الدولة، لدرجة يصعب معها القول ورغم إحتفالاتها التي تخفي فيها وجهها الحقيقي أنها نجحت في بناء دولة كاملة.

وحسب قول الباحث السياسي أفرايم غانور في مقال له في صحيفة "معاريف": أن الإسرائيليين يحيون ذكرى تأسيس دولتهم في عامها الرابع والسبعين والأرض تهتز من تحتهم غاضبة وقلقة.

ورغم الوجه غير الحقيقي الذي تقدم به إسرائيل نفسها أنها دولة ديمقراطية ومدنية ولديها نظام سياسي برلماني يتسم بالمرونة والشرعية السياسية الملزمة، وانها دولة مواطنة وحقوق، وتقدم نفسها أنها الدولة الأقوى في المنطقة والأكثر تقدما وتنمية وتطورا في مجالات العلم المختلفة. وتقدم نفسها أنها ضحية الإرهاب الفلسطيني، وتتمسك بسياسات التسامح الديني وحرية العبادات بدليل وجود كل أهل الأديان من مساجد وكنائس.

إلا أن الحقيقية الأخرى او الوجه الآخر الذي تخفيه إسرائيل انها دولة إحتلال وتمارس اقصى درجات العنصرية والتمايز في الحقوق ليس فقط ضد أكثر من خمسة مليون من الشعب الفلسطيني يعيشون تحت الاحتلال والإذلال العسكري والحصار، بل أيضا ضد أكثر من عشرين في المائة من سكانها من عرب الداخل وبإعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة..! فهم ورغم تمثيلهم في الكنيست الإسرائيلي ومشاركتهم في الانتخابات، وبل وبالرغم من مشاركة قائمة عباس منصور "القائمة الموحدة" في الحكومة فهؤلاء، ورغم حملهم الجنسية الإسرائيلية يعانون من عدم المساواة في الحقوق والخدمات  ومخصصات الموازنة لبلدياتهم مثل بقية السكان اليهود.. وهذا يعرف بمشكلة عدم التكامل وعدم قدرتهم على الإندماج وهو ما عبرت عنه كثير من مظاهر المسيرات الإحتجاجية، بل واللجوء للقوة للتعبير عن حقوقهم كما رأينا في الحرب الأخيرة على غزة.

وتعاني إسرائيل من إشكالية الهوية القومية، فرغم قانون القومية الذي تم إصداره وتبنيه وإعتبار إسرائيل وطنا قوميا لكل اليهود فما زالت تعاني من مشكلة الهوية وعدم إكتمال الدولة بعد أربعة وسبعين عاما، فالتمايزات واضحة بين اليهود الشرقيين والغربيين وبين المتدينين والعلمانيين.

ومما زاد الأمور تعقيدا بروز قوة المستوطنين الذين بدأوا يشكلون اليوم دولة ثالثة، ولهم نفوذهم وقوتهم التصويتية. هذا الوجه الإستيطاني والتهويدي لأرض أدعت إسرائيل حقها وملكيتها فيها وبنت أساطيرها المختلفة لتبرير السيطرة عليها، وتناست انها قامت على تشريد أكثر من 750 الف فلسطيني وأقتلعتهم من منازلهم وأراضيهم.

وهناك وجه ثالث لإسرائيل وهو الوجه الأكثر عنصرية وقوة وعدوانية ضد أكثر من خمسة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وغزة وتمارس كل سياسات الإحتلال والعنصرية ضد الفلسطينيين الذين ترفض الإعتراف بهم كشعب، وترفض الإعتراف بأنها دولة إحتلال. ولا تعترف بحقهم في قيام دولتهم التي أقرتها قرارات الشرعية الدولية ورغم الإعتراف بفلسطين دولة مراقب في الأمم المتحده وإعتراف غالبية دول العالم بها.

وتمارس إسرائيل كل سياسات الإعتقال دونما تمييز بين طفل ورجل وامرأة. وتدمير المنازل وترحيل سكانها، ولا تكتفي بذلك بل تقيم الحواجز العسكرية التي تقيد حركة الفلسطينيين وتعطلهم لساعات طويلة قبل أن يعودوا لمنازلهم. وتبدع إسرائيل فيما يعرف بالإعتقال الإداري الذي يعطيها الحق أن تعتقل أي مواطن فلسطيني لشهور تحددها كما تريد..!

ولا تتوقف هذه السياسات الإحتلالية عند هذه الصور بل شنت أربعة حروب على غزة في مدة زمنية لا تتجاوز العقد والنصف، قامت من خلالها بتدمير الحياة لأكثر من مليوني نسمه يعانون الفقر والبطالة بسبب سياسات الحصار والتحكم في ما يدخل من سلع ومصادر للطاقة. هذا على الرغم من ان الفلسطينيين قد أعترفوا بإسرائيل ووقعوا معها إتفاقات أوسلو والتي كان يفترض ان تنتهي بقيام الدولة الفلسطينية عام 1999 والتي الغتها بسياسات الإستيطان والتهويد داخل الآراضي الفلسطينية المخصصة لقيام الدولة الفلسطينية.

وتخرج إسرائيل على لسان رئيس وزرائها بينت وترفض التفاوض وترفض الإعتراف بأنها دولة إحتلال، وتذهب بعيدا في سياسات الإستيطان وإقتلاع سكان القدس وفرض التقسيم الزماني والمكاني في الأقصى ـ وبل وترفض أي دور تاريخي للأردن وإعتبار ان القدس العاصمة الأبدية لها.

هذا الوجه الإحتلالي هو ما يفسر لنا رفض الفلسطينيين لكل سياسات الاحتلال والحصار بالمقاومة الفردية والشعبية وكما رأينا العديد من العمليات حتى في داخل إسرائيل رفضا لسياست الاحتلال التي تمارسها إسرائيل. ولن تستطيع إسرائيل أن تخفي هذا الوجه الحقيقي لها رغم معاهدات السلام مع عدد من الدول العربية لتؤكد مقولتها أنها تريد السلام.

ولا يمكن لإسرائيل مهما برعت أن تخفي الوجه الحقيقي لها وهو وجه الاحتلال والعنصرية ضد الشعب الفلسطيني، ولن يوفر لها السلام مع عدد من الدول العربية غطاء لهذا الوجه الإحتلالي.

ويبقى ان إسرائيل فشلت بعد أربعة وسبعين عاما أن تطمس حقيقة ووجود الشعب الفلسطيني الذي لن تكتمل إسرائيل كدولة إلا بإنهاء إحتلالها وقيام الدولة الفلسطينية والبحث عن صيغ للتعايش والتسامح والسلام بين الشعبين الفلسطيني واليهودي.

* استاذ العلوم السياسية في جامعة الآزهر- غزة. - drnagish@gmail.com