2022-05-19

صراع القوة العسكرية مع السيادة الشرعية في جنازة ‏شيرين..!


بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

من راقب أو شاهد أو اشترك في جنازة المرحومة الصحفية شيرين ابو عاقلة، هاله طول ‏الجنازة التي امتدت من جنين للقدس مرورا برام الله، و/أو بهرته الأعداد غير المسبوقة ‏المشاركة في الجنازة والتي قلّ مثيلها على مرّ التاريخ الفلسطيني الحديث، و/أو تأكد من التآخي ‏المسيحي الإسلامي في قدس الله الذي كنا دائما نفاخر فيه بعد أن شكك البعض به، و/أو أبهره ‏ذلك الإجماع الوطني والدولي والإقليمي على شخص الشهيدة المسسيحية الفلسطينية العربية ‏وأخلاقها الحميدة، و/أو حبس دمعه حزنا على شهيدة الكلمة وذكرياتها ومواقفها وإنسانيتها . كل ‏ذلك يبهر، ولكن ما يعلو على كل ذلك ويبهر أكثر، هو ذلك التسامي للسيادة الفلسطينية المتلألئة ‏في سماء القدس ممثلة بالمواطن المقدسي، على آلة العنف والقوة الإسرائيلية التي تنبع من فوهة ‏بندقية لعسكري محتل من فوق دبابة. منظر لا ينسى ولا يتكرر كثيرا، لكن دلالاته ومعانيه ‏ورمزيته التي لا تناقش يجب أن ترسخ في النفوس وتقرر الوجود الفلسطيني العربي بسيادته ‏بعد أكثر من خمسين عاما نافية للسيادة الإسرائيلية مؤكدة على نفي الضم والإحتلال ‏الإسرائيليين.‏

ظنّ الجندي الإسرائيلي، وقائد الشرطة الإسرائيلية المحتلة، وغيرهم من أجهزة الشاباك، أنهم ‏عبر أسلحتهم الرشاشة وقنابلهم وعنفهم وعصيهم وكلابهم وغازهم ومياههم العادمة وخيولهم ‏أنهم يفرضون الأمن والنظام العام في جنازة ترفع العلم الفلسطيني بكبرياء وتحمل جثمان شهيدة ‏الكلمة بعزة وإباء، لكنهم كانوا واهمين. كان المحتل وكل أذرعه الأمنية يضيقون ذرعا بوجود ‏العلم الفلسطيني الذي عقد معهم أوسلو بالأمس، فتنكروا له اليوم. لكن الرأي السديد والحكمة ‏خانتهم، فكل المراقبين والمحللين الموضوعيين رأوا في المواطنين والجثمان والتابوت والعلم ‏رموزا للسيادة الفلسطينية المختبئة في صدور المشيعين خشية من قمع المحتل ورجال أمنه. ‏عارفين أن تعليق سيادة شعبهم في صدورهم ليس نفيا لها بل تعليقا لها لوقت قريب قادم اتقاء ‏لوحشية الإحتلال وانقلب السحر على الساحر.‏

جهلوا وما زالوا يجهلون أن السيادة كامنة في صدور الشعب الفلسطيني فردا فردا، ولم يتخل ‏عنها ولن يتخلى عنها هذا الشعب مهما طال الزمن والإحتلال، ولن ينشغل عنها الفلسطيني ولن ‏يتنازل عنها ولا يجوز له ذلك، وكلما لاحت له فرصة أظهرها وكشفها، مهما انشغل الفلسطيني ‏المقدسي بعمله ودراسته وتجارته وحياته. ذلك أن السيادة تنبع من الشعب وليس من أية سلطة ‏أخرى لا انتدابا ولا إحتلالا ولا معاهدة ولا وقف إطلاق نار ولا هدنة، وتكتسب الرضى ‏والقبول من الشعب فقط، أما المحتل فلا يملك ذرة واحدة من ذرات السيادة ولا جزئية من ‏جزئياتها، مهما طال الزمن أو قوي البطش، أو كثر السلاح،أو امتلأت السجون وفرضت ‏الأحكام العالية، أو سيقت القوانين لفرض القوة وهدم المنازل، أو جبيت الضرائب والمكوس ‏ولوحقوا لإفلاس الشعب الفلسطيني.

وكأن حادثا مأساويا كمقتل شيرين يمكن أن يؤكد أمرا جللا نسيه الكثيرون في خضم الأحداث ‏المتلاحقة أو أوشكوا على نسيانه أو عملوا على تشويهه وبخاصة بعد اعتراف دونالد ترامب ‏بالقدس كعاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية لها، واعتقد الإسرائيليون أن القدس دانت ‏لهم. فقد أبرزت جنازة شيرين أن القدس هي عاصمة الفلسطينيين فقط، وأن شوارعها شوارع ‏فلسطينية خالصة، وسكانها عرب فلسطينيون، فباب الخليل والمستشفى الفرنسي في الشيخ ‏جراح وشارع القلعة ومقبرة النبي داوود تشهد كلها أنها مناطق عربية خالصة رغم العبث ‏الصهيوني، وأن أكثر من خمسين عاما من الضم لها لم يلغ ولم يغير من عروبتها وطبيعتها ‏واسمها. وثبت بالدليل القاطع أن الضم باطل ولاغٍ وأن لا ثمار للعدوان ولو طال الزمان.

لقد بنت وزارة الأشغال العامة والإسكان الصهيونية آلاف الشقق السكنية لليهود والمهاجرين ‏الجدد، وأقامت المستعمرات الإستيطانية الإسرائيلية في قلب مدينة القدس المحتلة، وضيقت ‏على الفلسطينيين رخص البناء ورفعت رسومها بشكل باهظ، وصادرت الأرض الفلسطينية ‏منعا من البناء عليها، وهدمت المباني الفلسطينية بحجة عدم الترخيص والأمن الإسرائيلي، ‏وقيدت لم شمل العائلات الفلسطينية، وأعلنت منع الحب بين الفلسطيني والفلسطينية درءا ‏لتكاثر الفلسطينيينن وطردا لهم من موطنهم، بل وسموهم بالإرهاب، لكن ذلك كله لم يفت من ‏عضد المقدسي الفلسطيني العربي، وبقي كالطود الشامخ يحمي مسجده وكنيسته ويشارك في ‏الجنائز ويدفن في مقابر القدس وعلى ثراها ويعمق الوحدة الوطنية التي أبرزتها ووثقتها جنازة ‏المرحومة شيرين أبو عاقلة.

هؤلاء المحتلون انقطعوا عن القدس وفلسطين آلاف السنين فليس لهم فيها سوى رسومات ‏وروايات وحكايات وليس لهم مكان ملموس يرى بالعين المجردة، أو أثر بارز للعيان يستريح ‏فيه المسافر، ولا عجب فقد كانوا بدوا رحلا وفق كتبهم ووثائقهم وعلماء آثارهم. في حين ‏تواصل العرب الفلسطينيون في العيش على هذه الرقعة الجغرافية لآلاف السنين، والتاريخ ‏يحسم ذلك. وكانت حيازتهم هادئة مستقرة غير متقطعة للأرض مقرونة برضاء المحكومين ‏والشعب، مقترنة بجميع مظاهر الحياة الوافرة كالبناء لجوامع وكنائس ومعاهد ومدارس وزوايا ‏واسواق وخانات وضرب عملات.

السيادة لم تكن يوما قوة نارية نابعة من فوهات البنادق والمدافع مفروضة بالقوة والإكراه والغلبة ‏ولا حديثا عاطفيا، بل سلطة شرعية نابعة من الشعب تسمو عل كل سلطاته ولا يسمو عليها ‏شيء، كل لا يتجزأ ولا يتم النازل عنها. ولم تكن الوحدة والتوحيد يوما تقوم إلا بالرضاء ‏والقبول، وليس بالقهر والإلزام والتهديد وضرب الهراوات ونشر المزاعم والبهتان وتزييف ‏التاريخ والوقائع.‏

وفي ذكرى النكبة الفلسطينية، وبعد أكثر من سبعين عاما على ضياع وتقسيم فلسطين، ما زالت ‏السيادة الفلسطينية ترفرف فوق تلال القدس وقراها وفوق ثرى فلسطين الطاهر، رغم القوة ‏العسكرية والبطش العسكري. وما زالت هذه الدولة القائمة على القوة المسلحة، تفتقد للشرعية ‏الدولية رغم النفاق والمداهنة والخوف من تهمة اللاسامية وتحاول بكل الطرق إسنادها لدولتها. ‏لكن القوة العسكرية لم تخلق حقا يوما ما، وإن خيّل للبعض أو قصيري النظر أو المنتفعين ذلك ‏فما تجلبه الرياح تأخذه الزوابع..!‏

* الكاتب محاضر في القانون في جامعة القدس ورئيس مجلس الإسكان الفلسطيني. - ibrahim_shaban@hotmail.com